إثر الاجتماع الأخير لمجلس وزراء الإعلام العرب في القاهرة في دورته العادية الـ46، صدرت عدة مراجعات وانتقادات من قبل عدد من المتابعين الذين لاحظوا أن هذا الاجتماع، كرر كل ما جاء في الاجتماعات السابقة مع زيادة حدة الخطاب حول تفعيل ما جاء في بيان الشرف الإعلامي العربي. وللتذكير فإن هذا الميثاق هو أقرب إلى عقيدة أمنيّة من كونه رؤية إعلامية، من حيث التشديد على الدور الرقابي للأنظمة على حرية الرأي والتعبير والاتفاق على سلسلة خطوات من بينها إغلاق مؤسسات إعلامية لا تنسجم مع هذا "الميثاق الأمني".
من هنا، لم يكن الإنذار الذي وجهه القمر الصناعي العربي، عرب سات، إلى الحكومة اللبنانية وقناة الميادين مفاجئاً لأحد من المتابعين، خاصة وأن مقر هذا القمر في العاصمة السعودية والتي بدورها تستحوذ على 36 بالمائة من ميزانية التشغيل التي تتشارك بها الدول العربية، وبالنظر إلى ملكيتها لأغلبية الأسهم، فإن السعودية تمتلك القرار لتيسير الإعلام الفضائي العربي وتفرض سطوتها ومصالح سلطاتها على المنظومة العربية، وهي بذلك تمتلك ما يسمى القوة الناعمة "إلى جانب القوة المسلحة" التي باتت تحت مسمى التحالف العربي الذي في حقيقته تحالف سعودي بالدرجة الأولى والأخيرة.
هذه القوة المتخلفة المتلحفة بوهابية دينية تفرض سطوتها المسلحة والناعمة على حد سواء على منظومة عربية، هي بكل المقاييس أقل تخلفاً.
وفي هذا السياق لا يبدو أن الحديث عن أسباب المملكة لرفع السوط على قناة الميادين مجدياً، مع أن هناك إشارات على أن الرياض، لها ممّا كشفته الميادين من كذبٍ بشأن حادثة موسم الحج الأخير، لجهة أسبابه أو لجهة عدد الضحايا، بينما يرى بعض المتابعين أن إجراء الميادين مقابلة مطولة مع علي عبد الله صالح، أثار حفيظة التحالف السعودي كونه كشف العديد من الحقائق المرتبطة بالحرب على اليمن، في حين أن التغطية الشاملة لضحايا هذه الحرب من الناحية التي سلطت القناة عليها الضوء، أثارت حفيظة الفضائيات المنافسة، الجزيرة والعربية، بعد شعورها بأن الميادين، رغم حداثة إطلاقها مقارنة معها قد سحبت البساط منها وشكلت بديلاً لمواطن عربي يسعى إلى الحقيقة بعيداً عن التزييف.
وبصرف النظر عن هذه الأسباب، فإن أهم عناصر هذا الموقف السعودي، المنسجم مع تطلعات المملكة، يتمثل في عقاب لقناة الميادين، كونها قناة فلسطينية بامتياز، بعد تغطيتها الواسعة والرزينة للحرب الأخيرة على قطاع غزة وتصدر الحدث الفلسطيني، من خبر وتحليل وبرامج على معظم أركان شاشة الميادين، ولعلّ في تزامن الموقف السعودي، مع التغطية الشاملة للانتفاضة الفلسطينية الثالثة من قبل قناة الميادين، جعل القرار السعودي لا يقبل التأخير، وهكذا كان.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى موقف الحكومة اللبنانية التي رفضت الانذار السعودي، واعتبرت أن العدوان على قناة الميادين، الممثل بقرار وقف بثها من "عرب سات" هو اعتداء على لبنان حكومة وشعباً، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الحريات والمعارف والحقوق بالتعبير عن الآراء.
وإذا كان التحالف السعودي، قد مضى في دعم وإنشاء قوى ارهابية مسلحة في منطقتنا العربية، فإن اللجوء إلى هذا النوع من الإرهاب، بقمع المعارضين لمواقف هذا التحالف تحت أية مبررات، هو إرهاب حقيقي لحرية الرأي والتعبير والتقدم!!

