Menu

البؤرةُ الاستيطانيّةُ والتوسّعُ السرطانيّ: ريحاليم نموذجًا

شادي عادل الزيد

تقليدُ الطبيعةِ Biomimicry فنٌّ من فنونِ الهندسة؛ فالقطاراتُ المصمّمةُ على شكلِ منقارِ طائرِ الخطّاف أسرعُ وأكثرُ أيروديناميكيّةً من القطاراتِ التقليديّة، وشريطُ الأحذيةِ اللاصقُ مصمّمٌ على غرارِ بعضِ بذورِ النباتاتِ الصحراويّة التي تلتصقُ بأجساد الحيوانات، وتتنقلُ بهذه الطريقة عشرات الأميال. من أجل تحقيقِ هذهِ الكفاءةِ المبهرة، تشبّهت المستوطناتُ الصهيونيّةُ بأقربِ مثيلٍ لها في الطبيعة؛ ألا وهي الأورامُ السرطانيّةُ الخبيثة. تنتشرُ السرطاناتُ في الجسم من خلال عمليّةٍ تدعى Metastasis، حيثُ تنكسرُ قطعةٌ صغيرةٌ من الورم وتسري في الشرايين حتى تجدَ نفسَها في بيتها الجديد، فتنمو وتنمو حتّى ينكسرَ منها قطعةٌ صغيرةٌ، وتستمرّ العمليّةُ إلى أن يخرَّ الإنسانُ ميتًا؛ قد امتصّ المرضُ الخبيثُ لحمَهُ ودمَه.

يعيشُ في مستوطنة ريحاليم جنوبَ حاجز زعترة نحو 800 مستوطن، هم أبناءُ مؤسّسي هذهِ المستوطنة، إذ كانت بدايتُها المتواضعةُ بؤرةً استيطانيّةً غيرَ قانونيّةٍ أسّسها مستوطنون من شيلو إلى الجنوب الشرقي على أراضي قرية الساوية، و تدورُ القصّةُ بأنّ حافلةً منهم كانت متّجهةً من شيلو عبرَ أرئيل إلى تل أبيب يوم 28 تشرين أول 1991؛ للتجمهر اعتراضًا على محادثات مدريد مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ففوجئوا بثلاثة مسلّحين فلسطينيّين يفتحون النيران على مركبتهم، فقُتل سائقُ الباص وامرأةٌ تدعى (راحيلا دروك)، فأصرّ باقي المستوطنين على النزول وإنشاء مستوطنةٍ مكان موت (راحيلا)، ودعوها (ريحاليم)؛ تخليدًا لذكراها.

جديرٌ بالذكر أنّني لم أستطع إيجادَ أيّ مصدرٍ فلسطينيٍّ لهذهِ القصّة قطّ، ولم أتوصّل إلى أسماء المهاجمين أو فصيلهم أو مصيرهم حتّى من المصادر العبريّة. كلّ ما وجدته صورًا شخصيّةً لراحيلا دروك، ومقابلةً مع ابنها الذي أصبح مجنّدًا على حاجز زعترة.

1.jpg
راحيلا دروك، المستوطنة التي سميت ريحاليم على اسمها

ظلّت ريحاليم بؤرةً غيرَ قانونيّةٍ بنظر حكومة الاحتلال (بل ويدّعي موقعُ الجمعيّة الاستيطانيّة بأنّ ريحاليم كانت أوّلَ بؤرةٍ تُعدّ كذلك) إلى عام 2007، فماذا حصل؟

يجدرُ بي هنا أن أشرح: ما هي البؤرة؟ وما الفرق بينها وبين المستوطنة؟ ولماذا تصنّف حكومةُ الاحتلال البؤرَ على أنّها غيرُ قانونيّة؟

البؤرةُ؛ هي مستوطنةٌ جديدةٌ، يؤسّسها جماعةٌ صغيرةٌ من المستوطنين المتشدّدين بشكلٍ عشوائيٍّ على أيّ قطعةِ أرضٍ تحلو لهم، وقد يعيشون في الخيام أو في (التريلرات) الحديديّة لسنين عديدة، على عكس المستوطنة الأم التي تتوفّر فيها الكهرباءُ والمياهُ الجاريةُ والطرقُ المرصوفةُ و(المولات) وحتى الجامعات أحيانًا. يهدفُ هؤلاء "البؤريون" إلى وضع اليد على الأرض، وفرض الأمر الواقع إلى أن تعترفَ حكومةُ الاحتلال بها على أنّها مستوطنةٌ قانونيّةٌ حسب القانون "الإسرائيلي".

2.png

السببُ الوحيدُ الذي يدفعُ حكومةُ الاحتلال لرفض هذهِ البؤر قانونيًّا على خجلٍ؛ هو سوءُ التخطيط المعماري، فقد تكون البؤرةُ في مكانٍ صعبٍ جغرافيًّا، قد تتكبّدُ حكومةُ الاحتلال مبالغَ طائلةً في توصيل المياه إليها في المستقبل، مثلًا (ولكن الجيش لا يتورّع عن الدفاع عنها ضدّ الفلسطينيّين رغمَ عدم قانونيّتها)، ولكن الأحبّاء وإنْ تشاحنوا تصالحوا، فتعود البؤرةُ إلى حضن الحكومة الحنون بعد فترةٍ من الزمان، ويُعترف بها كمستوطنةٍ رسميّة.

منحت حكومةُ الاحتلال موافقةً على بناء بؤرة ريحاليم بصورةٍ رجعيّة، فأصبحت وكأنّها قد بنيت قانونيًّا منذ اليوم الأوّل (بصفتِها حيًّا من أحياءِ مستوطنة كفار تفوح). هذا تكتيكٌ معروف، يدلُّ على تواطؤ حكومة الاحتلال مع البؤر الاستيطانيّة التي تخالف القانون "الإسرائيلي" (طبعًا باقي المستوطنات التي تخالف القانون الدوليّ أمرٌ مفروغٌ منه أساسًا)، وظهر ذلك كتابةً في تقرير ليفي عام 2012: "أمّا بالنسبة للمستوطنات… التي تمّ تعريفُها بأنّها غيرُ قانونيّة… فإنّ فَهْمنا بأنّ هذه المستوطنات قد بنيت بعلمٍ وتشجيعٍ وموافقةٍ صامتةٍ من كبار السياسيّين (الوزراء ورئيس الوزراء)… ننصحُ… بأنّ تحجمَ الدولةِ عن هدم [هذه المستوطنات] لأنّ الموقفَ الحالي تتحملُ مسؤوليّته الدولة." (تقرير ليفي، الخاتمة، الفقرة 2 و 3)

3.png
من فيديو دعائي لمستوطنة ريحاليم: "من بؤرة إلى مستوطنة عامرة!" و تظهر في الصورة أول بناية حديدية في المستوطنة

4.jpg

أحد أطفال مستوطني نفيه نحمياه، و تظهر في الصورة ريحاليم (أقصى اليسار نهاية الشارع)، وقرية قبلان الفلسطينية على يمينها

تحوّلت ريحاليم إلى مستوطنةٍ قانونيّةٍ قائمةٍ بذاتها عام 2012، هذا وقد احتذت بمرض السرطان عام 2002، فانبثقَ منها بؤرةُ (نفيه نحمياه) على أراضي قرية إسكاكا غربًا، وتعدُّ اليوم هذهِ البؤرةُ حيًّا من أحياء ريحاليم، كما كانت أمُّها ريحاليم من قبل ابنةٍ لكفار تفوح.

كما ذكرت مسبقًا، فإنّ ريحاليم ليست المستوطنةَ الوحيدةَ التي تنتشرُ بهذه الطريقة، بل إنّ أشهرَ بؤرةٍ في يومنا هذا – أفيتار على جبل صبيح جنوبَ قرية بيتا – قد انبثقت عن مستوطنةِ كفار تفوح السابق ذكرُها، بل وأكادُ أجزمُ بأنّ مستوطني ريحاليم قد خسروا قدرًا من النومِ جرّاءَ فعاليّات الإرباك الليلي لأفيتار شمالَ مستوطنتهم مباشرةً.

صمودُ بيتا وحرّاسُ الجبل وعرقلتُهم الناجحةُ إلى حدٍّ كبيرٍ لبؤرةِ أفيتار قد قلبَ المعادلةَ وحقّق نصرًا لم نرَ له مثيلًا في الضفّة منذ إخلاء مستوطنات جنين عام 2005، (كاديم – سانور – حومش – جانيم)؛ إذ توفّر الآنَ لدى الشعبِ الفلسطيني نموذجٌ كاملٌ متكاملٌ للتصدّي لتكتيك البؤر الاستيطانيّة التي انتشرت في الضفة انتشارَ النار في الهشيم، وبدت للبعض بأنّها مدٌّ لا يمكنُ إيقافُه. دون أدنى مبالغة، مواجهاتُ جبلِ صبيح لا تختلفُ عن اكتشافِ علاجٍ لمرضِ السرطان.