من المعلوم أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، خرجت من رحم حركة القوميين العرب، على ضوء مراجعة سياسية جذرية، في أعقاب هزيمة حزيران سنة 1967، وقد مرت منذ عقود خلت من تجارب سياسية وتنظيمية وفكري غنية، كادت أن تعصف بما راكمته من خبرة سياسية وعسكرية، نتيجة التناقضات التي اخترقتها بسبب الاختلاف السياسي والتنظيمي الذي تمخض عنه خروج الجبهة الديمقراطية وجهة التحرير الفلسطينية، غير أن فطنة القيادة السياسية الجماعية والدور الخاص الذي لعبه القائد المؤسس الحكيم جورج حبش ، وتمسك الجبهة بالخط السياسي السديد الذي يقرأ بشكل علمي الواقع الفلسطيني ويمسك بجميع أطراف الصراع، وفي القلب منه القراءة الموضوعية لجوهر المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعًا استيطانيًا عنصريًا يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على الأمة العربية جمعاء، تحت مظلة عسكرية تستند إلى تفوقها المطلق سواء في الأسلحة التقليدية أو النووية، وبدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية. وضد هذا المشروع صاغت الجبهة منظورًا جدليًا لعمليات التحرر المتنوعة، بحيث ربطت بشكل وثيق بين مهمات التحرر الوطني والديمقراطي بمضمونه المجتمعي والاقتصادي، وقد شدد القائد الثوري الراحل جورج حبش في خطابه التاريخي أمام منتدبي المؤتمر السادس سنة 2000 قائلًا: "إن العامل الأساسي في تميز تجربة الجبهة الشعبية وخصوصيتها التي نالت كل هذا الإعجاب وهذا الدعم والتأييد، ولعبت كل هذا التأثير فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، يعود بالأساس وبالدرجة الأولى إلى تشابك الخط السياسي الذي مثلته الجبهة في المشروع الوطني التحرري بالخط القتالي"، ولئن جرت مياه كثيرة تحت الجسر، بعد عقدين من هذا الخطاب الشهير، فقد حافظت الجبهة على سدادة الخط السياسي الذي يربط النضال الوطني بالاجتماعي والنضال القومي بالنضال العربي، وهذا الأخير بالنضال الأممي ضد الاستيطان الصهيوني والتسوية الفلسطينية- الصهيونية - الإمبريالية، ومثالها الساطع "اتفاقية أوسلو" التي فرضت على الفلسطينيين دولة ممسوخة فيما تبقى من أراضي الضفة الغربية.
واليوم نشهد ردة كبيرة غير مسبوقة في التاريخ سواء على مستوى الصراع الداخلي الفلسطيني بين فتح وحماس، أو على المستوى العربي بهرولة بعض الأنظمة العربية نحو التطبيع الذي يعتبر طعنة كبيرة من الخلف لنضال الشعب الفلسطيني، من أجل حقه في العودة وإقامة دولته المستقلة على كامل ترابه.
إن تراث الجبهة الشعبية، غني بتضحيات أطره وبشهدائه، وبما يزخر به من خبرات تنظيمية وفكرية وسياسية وقتالية، أغنت أكثر من تنظيم ماركسي عربي في مختلف البلدان العربية والمغاربية، وأضحت تشكل نبراسًا تهتدي به مختلف شعوب العالم من أجل التحرر من نير الاستعمار والإمبريالية.

