Menu

التعليمُ العالي بين اللبلرةِ والاستبعادِ الاجتماعي

د. غسان أبو حطب

نشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الهدف الإلكترونية

تحتلُّ قضايا التنمية المجتمعيّة حيّزًا واسعًا من اهتمامات الناس؛ أفرادًا وجماعاتٍ، لوصفها التحدّي الأساسي الذي يواجُهُ الشعوبُ في بلدان العالم، ولا تكادُ تخلو الأدبيّاتُ التي تعالجُ العلومَ الإنسانيّةَ والاجتماعيّةَ من الإشارة إلى هذه القضايا؛ لا سيّما وأنّها تمثّلُ الحلَّ الأفضلَ لمواجهةِ التخلّف الاقتصاديّ والاجتماعيّ ومظاهرِهِ المتعدِدة، وتزدادُ أهميّةُ التنمية بالنسبة للشعوب الساعية دومًا إليها، خاصةً وأنّ هذه القضيّةَ أصبحت مسؤوليّةَ المجتمع كلِّه؛ صناع القرار، والمواطنين، كلٌّ في موقعه، وإنّ دفع العملية في بلدان العالم الثالث، ومنها المجتمعاتُ العربيّةُ - ونحن جزءٌ منها - تتطلّبُ تفعيلَ كلِّ الطاقات المحليّة ضمنَ استراتيجيّةٍ تنمويّةٍ شاملةٍ توسّع خيارات الناس وقدراتهم، وترتكز إلى مبدأ المشاركة الفعليّة في تخطيط عمليّات التنمية وتنفيذها وتقييمها. فالتنميةُ - بالإضافة إلى كونها عمليّةً مرسومةً لتقدم المجتمع ومواجهة تخلفه في مختلف المجالات - تعتمدُ اعتمادًا كبيرًا على مشاركة جميع أفراد المجتمع فيها. إنّها تنميةُ الناس من أجل الناس بوساطة الناس.

إنّ الناسَ هم محورُ عمليّة التنمية، وينبغي أنْ تتاحَ لكلّ الفئات الاجتماعيّة إمكانيّةٌ متساويةٌ للحصول على الفرص الإنمائيّة، كما يجبُ النظرُ إلى المجتمع نظرةً شموليّةً متكاملة، لأنّ التنمية هي عمليّةُ تحوّلٍ تاريخيٍّ متعدّدِ الأبعاد يمسُّ الهياكلَ الاقتصاديّةَ والسياسيّةَ والاجتماعيّةَ والثقافيّةَ مدفوعةً بقوى داخليّةٍ وليست مجرّد استجابةٍ لرغبات قوًى خارجيّة، وتجري في إطار مؤسّساتٍ سياسيّةٍ تحظى بالقَبول العام، وتسمحُ باستمرار التنمية، ويرى فيها معظمُ أفراد المجتمع إحياءً وتجديدًا وتواصلًا مع القيم الأساسيّة للثقافة الوطنيّة.

وكذلك، فإنّ التنميةَ الحقيقيّة، هي التي تطال الناسَ؛ كلَّ الناس بشرائحهم المختلفة، فالأنماطُ التي تبقى على التفاوتات الاجتماعيّة الموجودة، لا تستحقّ أن تكونَ كذلك، لذا يجب أن ننمّي لصالح السواد الأعظم من الناس، وهذا يتطلّبُ منا أوّلاً: أن نزيل استئثار الصفوة الحاكمة بثمرات التنمية، ثانيًا: يتطلّبُ منا أن ننهي احتكار سكان العواصم للمزايا.

ثالثًا: أن ننشل التنمية من براثن البيروقراطيّة وأن ننقذها من براثن الفساد.

والتنمية: هي تغييرٌ اجتماعيٌّ وإراديٌّ مقصود؛ للانتقال بالمجتمع إلى وضعٍ أفضلَ على مختلِف الصعد، إنّها تغييرٌ اجتماعيٌّ موجّهٌ ومنظّمٌ من خلال أيديولوجيّةٍ معيّنة، تغيير في التنظيمات المختلفة للبناء الاجتماعي القائم، وفي بعض قضايا المنظومة القيميّة. والتنمية ليست مجرد تنمية (موارد بشريّة) وإنّما هي توجّهٌ يحقّق إنسانيّة الإنسان في مجتمعه ووطنه، ويؤمّن له حياةً صحيّةً وسبلًا للحصول على المعرفة ومستوى معيشي لائق، ويؤمّن له العزّة والكرامة.

وفي إطار إنجاز ما سبق، يحتلُّ التعليمُ العالي دورًا رياديًّا، بوصفه أهمَّ الروافد الأساسيّة في عملية التنمية بمجالاتها كافة، وذلك بحكم مكانته ووظائفه الرئيسيّة ممثّلة في التعليم بفاعليّةٍ وخلقٍ وإبداع، إلى جانب مهمّته في البحث العلمي وخدمة المجتمع، والتعليم الجامعي الفعّال ثروةٌ لا تقدّر بثمن، فهو يحرّك عمليّة التنمية، لأنّ المؤسّسة التعليميّة هي من أرفع المؤسّسات التي تقع على عاتقها مهمةُ توفير ما يحتاجه المجتمع، كما أنّها تشكّلُ المراكزَ الأساسيّةَ للبحوث العلميّة والتطبيقيّة التي تضمنُ التقدّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافي، وتُثري صناعَ القرار بالخبرات والمعارف الضروريّة لاتّخاذ القرارات الصائبة.

مؤسّساتُ التعليم العالي وخدمة المجتمع

إنّ خدمةَ المجتمع هي الجهود التي يقوم بها الأفرادُ أو الجماعاتُ أو المنظّماتُ أو بعضُ أفراد المجتمع لتحسين الاوضاع الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة، عن طريق تحديد الاحتياجات المجتمعيّة للأفراد والجماعات والمؤسّسات وتصميم الأنشطة والبرامج التي تلبّي هذه الاحتياجات عن طريق الجامعة وكليّاتها ومراكزها البحثيّة المختلفة بغيةَ إحداثِ تغيّراتٍ تنمويّةٍ وسلوكيّةٍ مرغوبٍ فيها، كما أنّ الجامعة تخدمُ المجتمعَ عن طريق حلِّ مشكلاتِهِ وتحقيقِ التنميةِ الشاملةِ في المجالاتِ المتعدّدة؛ وتهدف إلى تمكين أفراد المجتمع ومؤسّساته وهيئاته من تحقيق أقصى إفادةٍ ممكنةٍ من الخدمات المختلفة التي تقدّمها الجامعةُ بوسائلَ وأساليبَ متنوعتينِ تتناسبُ وظرفَ المستفيدِ وحاجاته الفعليّة. فالجامعةُ لا تنفصلُ عن المجتمع، وعلاقتها بالمجتمع علاقةٌ عضويّة، والأزمةُ التي تعيشها الجامعاتُ في الوطن العربي، وفي بلادنا نشأت نتيجةً لما يلي:

  1. أنّ الدورَ الذي تقومُ به الجامعةُ بالفعل لا ينسجمُ تمامًا مع ما يجبُ أن تحرصَ عليه لتحافظَ على كونها جامعة.
  2. سيطرةُ سياسة الدولة (محتكرو السلطة) على سياسة الجامعة.
  3. ضعفُ الموارد المالية الداعمة للأبحاث العلميّة والتطبيقيّة.
  4. تجاهلُ الدور الذي يحتاجه المجتمع بالفعل والبعدُ عن حاجاته ومشكلاته.
  5. عزلُ الجامعة عن مجتمعاتها، وحصرُ نقل المعرفة داخل جدران الجامعة دون ارتباطٍ وثيقٍ بالمجتمع وقضاياه.
  6. ضعفُ العمل التطوعي، وضعف العلاقة بين هيئة التدريس في الجامعة والمؤسّسات المحليّة من مكتباتٍ ومتاحفَ وأنديّةٍ ومؤسّساتٍ مختلفة.
  7. الكهولةُ الفكريّة. فالجامعاتُ الناجحةُ تتحركُ من خلال ماكينتها الذهنية المتينة والرشيقة التي تدفع باتجاه التخطيط الاستراتيجي الفعّال القائم على استشراف المستقبل بكلّ تحوّلاته المتسارعة، وعلى أفعالٍ استباقيّةٍ للمخاطر والتحدّيات.
  8. شتاتُ القيم الأكاديميّة. للقيم الأكاديميّة سياقاتُها وأعرافُها وطقوسُها وإجراءاتُها، وتلك هي التي تعطي المؤسّسات مناعةً وقدرةً على التعامل مع كلّ العوارض والتحدّيات والأزمات.

التعليمُ العالي بين التسليع والمسؤوليّة المجتمعيّة

التسليعُ يعني تحويل مقصودٍ وممنهجٍ بتقديرنا لمؤسّسات التعليم العالي إلى سلعةٍ تخضعُ لآليّات السوق في عملياتها كافةً؛ بَدْءًا من المدخلات (الطلبة) ومرورًا بالعمليّات "التدريس والمناهج والامتحانات" ووصولًا للمخرجات (الخريجين والبحوث العلميّة).

والمسؤوليّةُ المجتمعيّةُ هي مسئوليّةُ الجامعة لممارسة المبادئ والقيم في مهامها الأساسية في التدريس وإشراك المجتمع، وكذلك إدارة المؤسّسة، وهذه الخصائصُ هي المبادئُ والقيمُ التي تشملُ الالتزامَ بالعدالةِ والمساواة، إضافةً إلى الاستدامة في التنمية، والاعتراف بالحريّة، وتقدير التنوّع، وتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطيّة والمسئوليّة المدنيّة، ينظر للتعليم العالي بصورةٍ متزايدةٍ على أنّه للمصلحة العامة، وفي ظلّ تحرير التجارة والتعليم، أصبح التعليم العالي ينظر إليه كسلعةٍ وخدمةٍ يمكن الاتّجار بها ويمكن تداولها، وبسبب أزمة التمويل، فإنّ كثيرًا من الجامعات تدار كما لو كانت شركات، والهدفُ الأساسُ هو توليدُ الدخل في الوقت الحالي على حساب الجودة، وفي بعض الأحيان على حساب الأخلاقيّات، وهناك عددٌ كبيرٌ من المؤسّسات التي تسعى لتحقيق الأرباح، وهذه لا توجد فقط في البلدان النامية، بل توجدُ بقدرٍ كبيرٍ في البلدان المتطوّرة وهي في تزايدٍ مستمر.

وإذا نظرنا إلى الأنشطة المختلفة للجامعات، وإلى المسؤوليّة المجتمعيّة للجامعات، فيجب أن نتأكد من تحقيق المساواة لجميع الطلبة، فهناك مهمّشون بحاجةٍ إلى اهتمام، فالجامعاتُ لا توجدُ لأفضل الناس أو المقتدرين منهم أو للأذكياء فقط، فهناك مسؤوليّةٌ للتأكّد من أنّ هناك مساواةً في توفير التعليم لكلّ فئات المجتمع، وكذلك التوفير ليس بناءً على آليّات السوق ومحركاته، وهذه مسألةٌ في غاية الأهميّة. فلقد تسلَّلت النيوليبراليّة إلى مؤسّسات التعليم العالي حاملةً مشروعًا معرفيًّا اتّجه إلى تجسيد المجتمع كنظامٍ اقتصاديّ للشركات، يتمّ فيه إعادة تأهيل الأفراد كمؤسّسات أو رجال أعمال، حيث تركَّز تأثير هذا التيّار بشكلٍ أساسي على تسليع التعليم العالي (Commodification)  وإنتاج نَوعٍ جديدٍ من الهُويّة الاجتماعيّة لطالبيه، ما أَفقد الجامعات مهمّتها الأيديولوجيّة بعد أن بدأت بتشجيع الطلّاب على التفكير في أنفسهم كعملاء لها (زبائن)، بدلًا من أن يكونوا مُواطنين توّاقين للانعتاق والتحرر.

وقد تنوَّعت مظاهرُ انتشار النموذج النيوليبرالي في قطاع التعليم العالي في المنطقة العربيّة بين الخصخصة الكلّيّة أو الجزئيّة، التي تميّزت بانتشار الجامعات الخاصّة الربحيّة، وفروع الجامعات الأجنبيّة، وتبنّي الجامعات الحكوميّة أنماطَ تعليمٍ جديدةً مأجورةً كالتعليم المفتوح والموازي و"المُمتاز" والافتراضي...إلخ. لقد صاغ شهيد جاويد بوركي، الباحث الشهير في التحديث اللّيبرالي الجديد في مجال التعليم العالي، بعضَ المبادئ والأحكام الرئيسة للتحوّل في هذا القطاع، التي تمحورت حول:

  1. الخصْخصَة في مجال التعليم العالي؛
  2. تقليص دعْم الدولة المالي المباشر في المجال التعليمي؛
  3. تسويق التعليم (المُنافَسة بين المؤسّسات التعليميّة)؛
  4. التوجُّه نحو الربحيّة (إنتاج وبَيع الخدمات التعليميّة)؛
  5. إنشاء سوق عالَميّ للخدمات التعليميّة؛
  6. دمْج النُّظم التعليميّة الوطنيّة في الاقتصاد التعليمي العالَمي.

إنّ عمليّات سلعنة التعليم العالي تحمل في طياتها آثارًا كارثيّةً تلقي بظلالها على كاهل الفئات الفقيرة والمهمّشة، وتزيد من الإمعان في استبعادها اجتماعيًّا.

نستنتجُ ممّا سبق أنّ التعليم العالي تم توظيفُهُ أداةً تسهمُ في استبعاد فئاتٍ مجتمعيّةٍ واسعةٍ جرّاء عدم قدرتها على دفع تكاليف السلعة (التعليم العالي)، وترك هذه الطاقات لسياسات السوق لتمزيقها وتحويلها إلى عبءٍ على كاهل المجتمع، مما بات يتطلّب ضرورةَ قرع الجرس من قبل الجميع؛ لا سيما القوى التقدميّة بالمجتمع، وفي المقدمة منها قوى اليسار الفلسطيني الجذري، الذي يمتلكُ رؤيةً مستقبليّةً مناقضةً لرؤى قوى النيوليبراليّة العالميّة، حيث بات مطلوبًا منه قيادة حراكٍ اجتماعيٍّ منظّمٍ وهادفٍ يستوعبُ الفئاتِ المتضرّرةَ كافةً من سلعنة التعليم العالي.

المراجع:

  1.  عمر رحال: المسؤولية المجتمعية للجامعات: بين الربحية والطوعية.
  2.  عايدة باكير: تطور دور الجامعة في خدمة المجتمع في ضوء المسؤولية المجتمعية والاتجاهات العالمية الحديثة، 2011.
  3. رفيق المصري: تقييم الدور التنموي لوظائف جامعة الأقصى من وجهة نظر أعضاء هيئتها التدريسية، مجلة جامعة الأقصى، المجلد الحادي عشر، العدد الأول (يناير 2007).
  4. زياد بركات، وأحمد عوض: واقع دور الجامعات العربية في تنمية مجتمع المعرفة من وجهة نظر عينة من أعضاء هيئة التدريس فيها، (2011).
  5. وجدي عبد السيد: تسليع التعليم العالي وسؤال الاستبعاد الاجتماعي، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد السابع والثلاثون (الجزء الثاني).