Menu

إيران و«شيعة الأطراف»

ربيع بركات

صورة لقاسم سليماني قائد فيلق القدس الايراني برفقة مقاتلين في العراق

في مقالة نُشرت في دورية London Review of Books قبل أسبوعين تقريباً، يقول الصحافي البريطاني المخضرم باتريك كوبورن في سياق تحليله مجريات الحرب في سوريا والعراق، إن تغطياته خلال السنوات الثلاث الأخيرة في البلدين المذكورين، علّمته أن زيارة المستشفيات العسكرية هي أفضل وسيلة للتعرف على ما يدور في الميدان. لذلك، فقد حرص قبل تقديم قراءته للأحداث على زيارة عدد من المستشفيات العسكرية، بينها واحد في مدينة كربلاء حيث يرقد عشرات الجرحى من ميليشيا «الحشد الشعــبي» التي أنشئت في حزيران 2014، إثر فتوى المرجع الشيعي العراقي الســيد علي السيــــستاني بوجوب قتـــال تنظيم «داعش»، يوم كــــان الأخير يتمدد في اتجاه بغداد.
وقد روى كوبورن أن الشكوى من ضعف التدريب العسكري تكررت على لسان أكثر من مُصاب، بينهم قيادات وسطى في «الحشد الشعبي»، ومنهم مقاتلون بُترت أطرافهم نتيجة استخفافٍ في الإعداد للقتال. فقد كان بين المتطوعين في «الحشد» آلافٌ ممن لبّوا نداء السيستاني بدافع ديني وعاطفي، قبل أن يكونوا قادرين، عملياً، على خوض صراع مع جماعة متمكّنة كتنظيم «داعش»، تضم في قطاعاتها ضباطاً سابقين في الجيش العراقي، وأعداداً غفيرة ممن اكتسبوا خبرة القتال وتقنيات حرب العصابات على مدى سنوات الاحتلال الأميركي، فضلاً عن جهاديين عــــرب وأجانب قدِموا إلى بلادٍ تُمثل العملياتُ الانتحارية فيها بالنسبة لهم.. أقصر الطرق إلى «جنة» مُتخيَّلة.
لا يعني الكلام المذكور عدم وجود جماعات تقاتل ضمن «الحشد» بمراسٍ عسكري، كـ «منظمة بدر» و «كتائب حزب الله» و «عصائب أهل الحق»، والتي تحوي مقاتلين بنوا خبراتهم خلال السنوات الماضية، إما بالقتال ضد القوات الأميركية كما فعلت جماعاتٌ سنية، أو عبر انخراطهم في الحرب الأهلية العراقية منذ العام 2006، كما فعلت جماعات «سنية» أيضاً. غير أن الثابت أن العشوائية التي وُلد «الحشد» في ظلها، عكست فجوة كبيرة تفصل بيئته الشيعية الحاضنة عن فهم واستيعاب حجم التداعي الذي بلغته الدولة في العراق ومعها هوية البلاد، وعن مستلزمات التعامل مع هذا التداعي المريع. وهي فجوة كانت قد كبُرت على مدى سنواتٍ من حكم توافقي تقوده أحزابٌ ونخب دينية شيعية حليفة لطهران، أو تقف بينها وبين واشنطن على أقل تقدير. علماً أن الثابت أيضاً أن «الحشد» ما كان له أن يولد أصلاً، بسرعة أو بغير سرعة، إلا بعدما بلغت التشوّهات داخل الدولة والمجتمع العراقيَين مداها، وبات اللجوء إلى المكوّنات الأولية للهوية أمراً لا مفر منه. وهذا أمر ينطبق بطبيعة الحال على تفسير ظاهرة «داعش» ونموّها من فرعٍ ناشطٍ لـ «القاعدة» في بلاد الرافدين قبل نحو عشر سنوات، إلى جسمٍ ضخمٍ تمكّن من احتواء أو هضم معظم الجماعات المسلّحة «السنية» الأخرى في مناطق سيطرته اليوم.
في الإطار هذا، يلوم كثيرٌ من النخب والإعلام في العالم العربي إيران على توظيف الكتل السكانية الشيعية في المشرق لبسط نفوذها والقتال بهم ضد خصومها، كما هي حال «الحشد الشعبي» أو بعض مكوناته في العراق، و «حزب الله» في لبنان، و «أنصار الله» في اليمن. وقد أخذ هذا التشخيص للمشكلة يهيمن على فضاءات الإعلام منذ استعار الحرب الباردة بين إيران و السعودية للظفر بالعراق بُعيد غزو أميركا له العام 2003. ثم تطوّر إثر الحرب الساخنة بالوكالة بينهما في جملة من ساحات المشرق العربي.
الكثير من هذا «اللوم» هو جزء من عدّة حرب الرياض ضد طهران، التي انضمت إليها كلٌ من الدوحة وأنقرة لحساباتهما الخاصة. إذ إن صناعة الوعي وتزخيم العداوات، يُفيد في ردع إيران عن الذهاب بعيداً في توسيع دوائر تأثيرها، أو في «معاقبة» حلفائها على خياراتهم، كمقدّمة لكسرهم وإعادة صوغ هذه الخيارات.
غير أن ذلك لا ينفي أن لإيران مشاريعها القومية الخاصة، فهذا أمر بديهي. وهو لا يلغي واقع أن «شيعة الأطراف»، حتى لو كانوا مستفيدين من إيران، يشكّلون خطوط الدفاع الأمامية عنها، سواء أرادوا ذلك أم لا، قبل الاتفاق النووي وبعده. فيما إيران تشكّل «المركز» القادر على تشكيل الهويّة العقائدية والهيكلية التنظيمية للقوى المـــقاتلة على الأرض ضد خصومها، ومن بينهــــم «الحشد الشعبي» الذي أتاح لها تمكين وجودهــــا على الأرض العراقية، عبر ميليــــشياته الرديفة لجيــش البلاد المتصدّع.
لقد أخذ النقاش الخاص بهوية الشيعة ودورهم في الإقليم يكبر بعد حرب العراق، فيما هو يصل اليوم إلى ذراه. وهذا يذكّر بالمنطق الذي شاع إثرها، والذي قام على رؤية المنطقة من منظار هوياتها الأوليّة أولاً وقبل كل شيء، حتى في أوساط نخب أميركية (من يذكر الكتاب الذائع الصيت للأميركي من أصول إيرانية فالي نصر، والذي نُشر في العام 2006 بعنوان «الصحوة الشيعية»The Shia Revival، واستحوذ على حيز واسع من النقاش في دوائر الغرب السياسية والأكاديمية، برغم ما فيه من فجواتٍ «استشراقية» وقصور بحثي؟). علماً أن الأمر كان يعكس تفكيراً أخذ يتمدّد لدى نخبٍ في المنطقة وفي ظل سياسات راحت تلوح في الأفق، قد يكون الملك الأردني أول من عبّر عنها صراحة بحديثه عن «الهلال الشيعي» لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية في العام 2004.
غير أن النقاش هذا، سواء كان في السياسة أو في المجالين الأكاديمي والإعلامي، المُفتعل منه والطبيعي، لا يمكن أن يستقيم من دون النظر إلى المسألة بكلّيتها:
لا يمكن القضاء على ظواهر كارثية كـ «داعش» وما يماثلها من جماعات «جهادية»، من دون تقديم «شيعة الأطراف» بدائل تُغري البيئات السنية الحاضنة إرادياً لهذه الظواهر بالتخلي عن هذا الاحتضان، وتلك الحاضنة اضطرارياً لها بالقتال ضدّها. لكن بالقدر ذاته، يصعُب على الكتل السكانية الشيعية أن تختار طريق الاندماج التام في محيطها، مع إبقائها أمام خيار التصنيف كجماعة درجةٍ ثانية، مثلما تفعل راعية الحرب ضد إيران في سلوكها العام، أي المملكة العربية السعودية.
بخلاف هذا الخيار المُركّب، فإن كوبرن وأمثاله سيستمرون طويلاً بإجراء تحقيقات مع جرحى مبتوري الأطراف، يشبهون حالَ هذه البلاد.


المصدر: السفير