Menu

أثرُ الحواجزِ العسكريّةِ الإسرائيليّةِ على العمليّةِ التعليميّةِ الفلسطينيّة

د. إلهام شمالي

نشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الهدف الإلكترونية

    أقامت دولةُ الاحتلال العديدَ من الحواجزِ العسكريّةِ الإسرائيليّة، التي تمثّلُ واحدةً من أسوأ مظاهرِ انتهاكِ دولةِ الاحتلال لحقوقِ الإنسان، وارتبطت تلك الحواجزُ في العديدِ من جوانبِها بممارساتِ جنودِ الاحتلال اليوميّة؛ للتنغيصِ على حياةِ الفلسطيني وكرامته، إذ تفرضُ قوّاتُ الاحتلالِ قيودًا على حركةِ التنقّلِ بين المدنِ والقرى الفلسطينيّة، بل وداخل كلِّ مدينة؛ عبرَ نصبِها شبكةً من الحواجزِ العسكريّةِ الثابتة، والحواجزِ المتنقّلةِ السريعةِ النصب بأيّ مكانٍ تحدّدُهُ قوّاتُ الاحتلال، حسبَ متطلّباتِ ما تدّعيه المحافظةُ على أمنِ المستوطنين، ووضعت المعيقاتِ على الشوارعِ الرئيسةِ والفرعيّة لزيادةِ معاناةِ الفلسطينيّين، أضف إلى ذلك البوّابات المحكمة التي وضعت على طول  جدار الفصل العنصري؛ كي تتمكّن من السيطرة على حركة الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة و القدس وغزّة.

      يواجهُ التعليمُ الفلسطينيُّ أقسى الصعوبات والعقبات، التي تفرضها قوّاتُ الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ إنّه يواجه أوامرَ عسكريّةً من قوّات الاحتلال، واتّسمت تلك الأوامرُ والإجراءاتُ بالتعسّفيّة والوحشيّة؛ لأنّ هدفَها طمسُ هُويّة الشعب الفلسطينيّ الثقافيّة والحضاريّة والاجتماعيّة؛ عبرَ دفع طلابه وأبنائه إلى نسيان وطنهم، وخلق جيلٍ يعمل في سوق العمالة الإسرائيليّة الرخيص، وتعدّدت وسائلُ دولة الاحتلال في ذلك عبر نصب الحواجز الدائمة والمتحرّكة، التي تفصلُ بين القرى والأحياء والمدن الفلسطينيّة، ومنع التجوّل وتشديد الحصار وقصف المدارس والمساهمة في تدهور الوضع الاقتصاديّ للعائلات الفلسطينيّة، وإقامة جدار الفصل العنصريّ، ممّا أوجد العديد من المدراس التي وقعت على خطّ التماس، إلى جانب الانتهاكات المستمرّة بحقّ الطلاب والمعلّمين، ووضع العراقيل والمعوّقات الرامية إلى شلّ المسيرة التعليميّة.

     لقد وقع التعليمُ الفلسطينيُّ فريسةَ الحواجز التي يتحكّم جنودُ دولة الاحتلال في فتحها وإغلاقها تبعًا لمزاجه وهواه، وألقت تلك الحواجزُ بظلالها على آلاف الطلبة والمعلّمين وأساتذة الجامعات، فحالت الحواجزُ دون وصول الطلاب ومدرّسيهم إلى مدراسهم وجامعاتهم، لا سيّما أوقات الامتحانات؛ نتيجةً للإغلاقات المستمرّة أو ساعات الانتظار الطويلة، فضاعت آلاف من الساعات التعليميّة على الطلاب، وإن وصلوا إلى مدراسهم وجامعاتهم، فلا يضمنون العودة إلى بيوتهم في اليوم نفسه، وهذا شكّل خطورةً بالغةً على المسيرة التعليميّة.

      بلغ عددُ الحواجز العسكريّة الثابتة نحو 500 حاجزٍ حتى عام 2012م، حسب منظّمة العفو الدوليّة، ولكنّ العددَ انخفض عام 2014م، إلى نحو 99 حاجزًا ثابتًا، بين كتلٍ ترابيّةٍ وكتلٍ إسمنتيّةٍ يصل طولُها إلى متر، وجدرانٍ متينة، وبوّابةٍ حديديّةٍ محكمة، تحيطُ بالتجمّعات الفلسطينيّة، وهناك أبراجُ مراقبةٍ نصبت داخل الأراضي الفلسطينيّة، وحواجزُ إلكترونيّةٌ مزوّدةٌ بأجهزةٍ للكشف عن المعادن تنصب وسط التجمّعات السكانيّة، تجعلُ من الانتقال بين مدينتينِ أو بين قريةٍ ومدينةٍ مجاورةٍ مهمّةٍ شاقة، وهناك أكثرُ من 300 حاجزٍ فجائيًّا، وقفت بالمرصاد لطلاب المدراس، الذين وجد بعضُهم أنفسَهم في قبضة جنود الاحتلال، بين الضرب المبرح والتنكيل، والتوبيخ والتخويف الممنهج، والتحقيق معهم في النقاط العسكريّة، والاحتجاز لساعاتٍ عدّة.

      لا بدَّ من الإشارةِ هنا إلى الحواجز العسكريّة، قسمت الضفّةَ الغربيّةَ إلى ستِّ مناطقَ جغرافيّةٍ أساسيّةٍ هي شمال الضفة، ووسطه، ومنطقة غور الأردن، وشمالي البحر الميت، وجيب الفصل العنصريّ بين الجدار والخطّ الأخضر، ومنطقة شرقي القدس المحتلّة، ومن أبرزها حواجزُها العسكريّة: زعترة الواقع إلى شرق محافظة سلفيت، وحاجز الكونتينر شمال بيت لحم، وحاجز الجلمة المعبر الوحيد لمدينة جنين، وحاجز قلنديا، وحاجز عوفر.

      أخطرُ تلك الحواجز على الإطلاق جدارُ الفصل العنصري، كون مساحة الأراضي المعزولة خلف الجدار الغربي، قاربت أكثر من 733 ألف دونم، بطولٍ نحو 770كم مربع، وارتفاع 8 أمتار، مزوّد بالأسلاك الشائكة ومجهّز بكاميراتٍ ورشاشات، هذا وقد تأثّرت، بل، وتضرّرت فعليًّا سبعٌ من مديريّات التربية والتعليم، هي جنين، وطولكرم، وقلقيلية، وسلفيت، وبيت لحم، والقدس، وضواحي القدس، ووصل عددُ المدراس المتضرّرة جزئيًّا وكليًّا نتيجةَ عمليّات الهدم بفعلِ الجدار ما يقارب من (124) مدرسةً في الضفّة الغربيّة والقدس المحتلّة، منها نحو 36 مدرسةً أصبحت خلف جدار الفصل العنصري، في حين وصل عددُ الطلبة المتضرّرين من الجدار نحو (14163) طالبًا وطالبة.

      خلّف الجدارُ آثارًا سلبيّةً على العمليّة التعليميّة، وحرم طلابَ الشعب الفلسطيني ومدرّسيهم من الوصول إلى فصولهم الدراسيّة بشكلٍ معتاد، ممّا أربك العمليّةَ التعليميّةَ في مدارس الضفّة الغربيّة بشكلٍ خاص، في ظلّ عدم تمكّن المدرّسين والموظّفين في تلك المديريّات من الوصول إلى أماكن عملهم، وبحسب المسوح التي أجراها الجهازُ المركزي للإحصاء الفلسطيني، هناك نحو 3.4% من الطلّاب الفلسطينيّين في التجمّعات الفلسطينيّة تركوا التعليم، منهم نحو 26.0% ترسّبوا من مدراسهم وجامعتهم في التجمّعات الفلسطينيّة التي تأثّرت بالجدار، ونحو 81.6% من الأسر اضطرّ أبناؤها إلى التغيّب عن الجامعة أيامًا عدّة؛ نتيجةَ عمليّة الإغلاق للمنطقة التي يقيمون فيها.

     يمكنُ تحديدُ تأثير الحواجز والجدار على العلميّة التعليميّة عبر:

  1. عدم انتظام العمليّة التعليميّة في المدارس على مدار العام الدراسي، وتعطيل الدوام بشكلٍ جزئي؛ بفعل تأخّر الطلبة أو المعلّمين، واحتجازهم لساعاتٍ طويلة، مما يؤخّر وصولهم لمدارسهم.
  2. منع الطلاب من الوصول إلى مدراسهم، مما يضطرّهم للانتظار طويلًا أمامَ الحواجز العسكريّة المرهقة لأعصابهم ونفسيّتهم، والتفتيش المذلّ، فلا يتورّع الجنديّ الإسرائيليّ على إجبار أيّ فلسطيني على خلع ملابسه تحت حججٍ واهية، حتى إن كن معلماتٍ وطالبات، وذلك وقع بشكلٍ فعليٍّ مع معلماتِ مدرسةِ بنات برطعة في جنين، حيث تعرّض لهن الجنودُ باستمرار، أو تعرضهن لألفاظٍ نابية، وإهاناتٍ متكرّرةٍ على الحواجز والبوّابات الإلكترونيّة، أو إجبارهم على السير على الإقدام في ظروفٍ مناخيّةٍ أو صحيّةٍ صعبة.
  3. تقليص الأنشطة الصفيّة وغير الصفيّة، خاصةً مع عدم توفّر إمكانيّات في المدارس من الكادر التعليمي، بفعل تأخير المعلمين، مما يعني التركيز على إنهاء المناهج الدراسيّة المقرّرة فقط دون الولوج في أنشطةٍ ثقافيّةٍ ورياضيّة.
  4.  يعاني طلابُ الثانويّة العامة من عدم حصولهم على حقّهم التعليمي في المناهج المقرّرة للامتحانات العامة، وذلك بسبب تأخّرهم في المناهج نتيجةَ الإغلاقات والحواجز، وذلك أثّر على مستوى تحصيلهم الدراسي، خاصّةً في المناطق الساخنة.

 ترتّب على كلّ ذلك:

  • حرمان الطلاب من حقّ التعليم.
  •  خروجُ الطلاب من المدراس إلى سوق العمالة.
  •  صعوبةُ توفّر الإمكاناتِ المطلوبة والداعمة للعمليّة التعليميّة لصعوبة نقلها عبر الحواجز أو بفعل الجدار.

      تعدّدت الانتهاكاتُ الإسرائيليّةُ للعمليّة التعليميّة، ومنها على سبيل المثال إقامةُ برج مراقبةٍ عسكريٍّ على أراضي مدرسة ذكور بورين الثانوية، إذ يبعدُ برجُ المراقبة العسكريّ الجديد مسافة 150م فقط من مبنى المدرسة وفصولها، ويقع البرجُ بمحاذاة الطريق الالتفافي رقم 60، حيث يكشف البرجُ مدخلَ مستوطنة يتسهار من الناحية الشماليّة، كما أنّ هناك ما يقارب من 209 مدارس في الضفّة الغربيّة، لا تبعد عن المستوطنات الإسرائيليّة أكثرَ من كيلو متر، وبالطبع تعرّض طلبتها بشكلٍ يوميٍّ لاعتداءات المستوطنين وجماعات تدفيع الثمن، أو شبيبة التلال.

       كما صادرت قوّاتُ الاحتلال نحو ثلث أراضي جامعة القدس، أثناء بناء الجدار في بلدة أبو ديس شرق مدينة القدس، بمساحةٍ بلغت نحو 60 دونمًا، من أصل 210 دونمات، ما أدّى أيضًا لانخفاض أعداد الطلبة المقدسيّين فيها، وفي جامعة بيرزيت وجامعة بيت لحم أيضًا، بسبب وجود البوّابات الحديديّة التي أقيمت على طول الجدار الفاصل، وكانت أشبه بنقاط تفتيشٍ مهينةٍ للطلبة في ظلّ إجراءاتٍ أمنيّةٍ معقّدة، إذ يصلُ عددُ الطلبة الذين يجتازون تلك البوّابات يوميًّا إلى مدارسهم نحو 1700 طالبٍ تقريبًا، تعرّض منهم نحو 600 طالبٍ ومعلّمٍ للاعتداء من قوّات الاحتلال، وتراوحت تلك الاعتداءاتُ ما بين القتل والجرح والاعتقال والتفتيش والتأخير المتعمّد لحرمانهم من الوصول إلى مدراسهم، وفي بعض الأحيان فرض الإقامة الجبريّة عليهم. وانخفض عددُهم عام 2017م، إلى نحو 100 طالبٍ فقط. ومن الناحية القانونيّة يخرق الجدار والحواجز الحقّ القانونيّ في التعليم ويتمثّل ذلك في أنّ:

  1. قانونَ التعليم الإلزامي الإسرائيلي نفسه، الذي نصّ على توفير التعليم الإلزامي المجاني للأطفال من سنة خمس إلى خمس عشرة سنة.
  2. هناك خرقًا فاضحًا للفقرة (5) من معاهدة جنيف الرابعة، التي طالبت دولةَ الاحتلال، بوصفها قوّةَ احتلال، تسهيلَ عمل المؤسّسات التعليميّة، وكرّست جهودَها للعنايةِ بالأطفال وتعليمهم، ثمّ إنّ المادة (33) تحظر تدابير العقاب الجماعي التي تنفذها دولةُ الاحتلال.
  3.  الميثاقَ الدوليّ ضدّ التمييز العنصري في التعليم، الذي منع بشكلٍ واضحٍ حصرَ التعليم في ذي المستوى المتدنّي في شخصٍ أو فئةٍ معيّنةٍ من الأشخاص، أضف إلى ذلك أنّ المادة 12 من العهد الدوليّ الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة كفلت الحقّ في حريّة التنقّل، ولكنّ جدارَ الفصل العنصريّ انتهك حريّةَ تنقّل أكثر من مليون فلسطيني، وحرمهم من أبسط حقوقهم اليوميّة، سواءً أكان التوجه إلى العمل أم حرم الطلاب من الوصول إلى مدارسهم، وكذلك زيارات عائلاتهم خلف الجدار.
  4. الإعلانَ العالمي لحقوق الإنسان، الذي أكّد أنّ التعليمَ حقٌّ للجميع وَفْقَ مبادئه المعمول بها دوليًّا.
  5.  أخيرًا... ميثاق حقوق الطفل الذي أكّدت عليه الدولُ بوجوب الاعتراف بحقّ الطفولة في التعليم، جانب الاتفاقيّة الدوليّة للحقوق الاقتصاديّة والثقافيّة، التي نصّت على أنّ التعليمَ حقٌّ للجميع بشكلٍ إلزامي، بل ومجاني.

     إنّ لذلك الواقع المرير، وتلك الممارسات الإسرائيليّة التي ما زالت مستفحلةً على حواجز الموت، تأثيرَها الخطيرَ على العمليّة التعليميّة؛ لأنّ الاحتلال يسعى بكلّ الطرق إلى ضرب بِنية المجتمع الثقافيّة والاجتماعيّة، والتأثير على العمليّة التعليميّة والتربويّة للشعب الفلسطيني، حيث جعلت الممارساتُ الإسرائيليّةُ من البيئة التعليميّة والمدرسيّة، بيئةً سلبيّةً في بعض الأحيان، وغيرَ قادرةٍ على توفير التعليم السليم، والصحي والتربوي.

     وأخيرًا: تعدّ دولةُ الاحتلال بوصفها قوّةً محتلّةً، مسؤولةً عن ضمان تلبية الاحتياجات الإنسانيّة للفلسطينيّين الخاضعين لاحتلالها، بل عن ضمان ممارستهم لحقوقهم الإنسانيّة الأساسيّة، وَفْقًا للعهود والمواثيق الدوليّة والاتفاقيّات والقوانين الدوليّة. وحواجزُها ونقاطُ التفتيش المهينة تمثّلُ خرقًا واضحًا وصريحًا لهذه القوانين كافةً، التي كفلت حريّةَ الحركة والتنقّل، بل وحماية المدنيّين في أوقات الحروب، وهو ما لا تراعيه دولةُ الاحتلال بالمطلق.