Menu

الاختبارُ الأوروبيّ بعدَ موجاتِ اللجوءِ المتوالية...!

محمد صوان

نٌشر في العدد الـ32 من مجلة الهدف الرقمية

 

كاتبٌ سياسيٌّ فلسطينيّ/ تركيا

يواجهُ الاتّحادُ الأوروبيُّ تحدّياتٍ هيكليّةً وأمنيّةً وديمغرافيّةً عدّة؛ سواءً على مستوى المؤسّسات الأوروبيّة، أو إزاء دعوةِ البعض لإعادةِ النظرِ في تركيبةِ هذهِ المؤسّساتِ بغيةَ إصلاحِها ووضعِها تحت نظام المساءلة من طرف البرلمانات الوطنيّة الأوروبيّة... وكما يبدو أنّ هناك مشكلةً ديمغرافيّةً إلى جانب المشكلةِ الاقتصاديّةِ الهيكليّةِ المتفاقمةِ في دولٍ عدّةٍ من الاتّحاد أفضت إلى ظهورِ تيارٍ جديدٍ يمكن توصيفُهُ بإحياءِ العامل "القوميّ" أو الدعوة إلى أطرٍ وطنيّةٍ لا تنطوي بالضرورة على الخروج من الاتّحاد الأوروبي أو تفكّكه، فهذا ليس مطروحًا، وإنّما لإعطاء الأفضليّة للعامل الوطنيّ وتنظيم الشؤون الاقتصاديّة والأمنيّة وتعزيز دور الوكالة الأوروبيّة لحماية الحدود "فرونتكس".

المرونةُ الألمانيّةُ موضعُ نقدٍ

تسعى الوكالةُ الأوروبيّةُ لحماية الحدود "فرونتكس" لتشديد إجراءاتها وصدّ التدفّق المحتمل من المهاجرين الجدد أو تخفيضه؛ استنادًا إلى تجارِبها في مواجهة تدفّق ملايين اللاجئين السوريّين والعراقيّين والأفغان والأفارقة الذين شكّلوا غالبيةَ اللاجئين إلى أوروبا نهاية صيف 2015، عبر ما عُرف بـ "مسار البلقان" الذي أدّى إلى انهيار نظام "الهجرة الأوروبي" خصوصًا بعد تجميد "اتّفاق دبلن"؛ تمهيدًا للسماح بتدفّق اللاجئين إلى ألمانيا دونَ الأخذِ في الاعتبار أنّ بلدَ الوصول الأوّل هو مقرُّ طالبي اللجوء.

لا تزالُ السياسةُ الألمانيّةُ موضعَ نقدٍ أوروبيٍّ مع المستشارة ميركل – المنتهية ولايتها – المتهمة بتوجّهاتها المنفتحة على المهاجرين التي خلقت ما سمّي "فوضى اللجوء" بالرغم من أنّ "الوكالة الدوليّة لحماية الحدود" رفعت من درجة تأهّبها، وعزّزت قوّاتها لحراسة حدود القارّة الأوروبيّة، غير أنّ العديد من الحقوقيّين والسياسيّين - يراقبون ما يحصلُ على المسار البريّ الممتدّ من طهران إلى مدن شرق تركيا – ينتابهم الذعرُ من خطر تَكرار سيناريو عام 2015.

وفي هذا السياق، دعا المرشّحُ لتولّي منصب المستشارية الألمانيّة أرمين لاشيت إلى "اعتماد سياسةٍ موحّدةٍ في كلّ القارّةِ الأوروبيّة لوقف تدفّق طالبي اللجوء ".. وتوقّع وزيرُ خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ جوزيف بوريل أنْ تشهدَ حدودُ القارّة العجوز تدفّقًا كبيرًا للاجئين من وسط آسيا، وشمال أفريقيا، ممّا أدّى لوجود معضلةٍ سياسيّةٍ وحقوقيّةٍ أطلقت مواقفَ ترفضُ تقييدَ حركة طالبان لحريّة مغادرة الراغبين من جهة، في حين تصرُّ على إبعاد اللاجئين عن حدود القارّة الأوروبيّة من جهةٍ أخرى.

جدرانُ الصدّ الأوروبيّة والتركيّة

يرى المهتّمون بمتابعة مشكلة اللجوء بأنّ التعويل على قدرات الوكالة الأوروبيّة لحماية الحدود "فرونتكس" لصدّ طالبي اللجوء غيرُ مطمْئِنٍ وسطَ اعتقاد الوكالة واستنادها إلى تقييماتٍ أجرتها للمخاطر المحتملة بأنّ القارّةَ الأوروبيّة تواجهُ مصاعبَ عدّةً لمنع عمليّات التسلّل – عبر دولةٍ ثالثةٍ – حتّى مع تزايد عمليّات التدريب ورفع قيمة التمويل، ففي بحر إيجة مثلًا، الذي يعدّ المسار التركي نحو الجزر والبرّ اليوناني، ترفع أوروبا بشكلٍ تصاعديٍّ درجةَ استنفار عمليّاتها عبر إرسال المزيد من التعزيزات العسكريّة، وتكثيف الدوريّات التي تشارك فيها معظم دول شمال ووسط أوروبا لتشكيل "جدار صدّ" مقابلَ السواحل الشرقيّة لتركيا، وتعزيز بناء الجدران، ووضع الأسلاك الإلكترونيّة على طول البرّ الأوروبيّ؛ بهدف تقليل الأضرار والأزمات التي يمكن أن تنتج عن عبور أرتالٍ من اللاجئين طرقًا سريعة.. وهو ما حصل سابقًا عبر دول البلقان وصولًا إلى المجر.

تتعالى هذه الأيام الأصواتُ المطالبةُ بضرورة فتح حوارٍ عميقٍ ومثمرٍ مع تركيا؛ بهدف التعاون والتنسيق حول تقليل الأضرار، ومن بين السيناريوهات التي يناقشها الأوروبيّون خلف الكواليس مع تركيا ضرورة تعزيز أنقرة لإجراءاتها لمنع تسلّل المهاجرين عبرَ حدودها الشرقيّة مع إيران.. ويرى الباحثون في شؤون اللجوء والهجرة أنّ " بروكسل مضطرّة إلى إيجاد تسوياتٍ مع أنقرة، ومن ثَمَّ تجاوز الخلافات معها من أجل وضع تدفّق اللاجئين تحت رادار أوروبا، وتوحيد أساليب معالجة الأزمة التي تلوح في الأفق".

لكنّ المفاوضاتِ مع تركيا تواجهُ معارضةً قويّةً من "اليسار الأوروبيّ"؛ الأمرُ الذي يقلّصُ فرصَ بروكسل من إيجاد وسائلَ أخرى للتعاطي مع احتمال إغراق القارّة بمئات الآلاف من الآسيويّين والأفارقة الفارّين من بلادهم.. ويتّهم أعضاء في البرلمان الأوروبيّ – محسوبون على اليسار – حركةَ طالبان بتعمّد استغلال ورقة اللاجئين، ويعدّون تسامحها مع حقّ المغادرة "يندرجُ في سياق ممارسة الضغط على بروكسل وواشنطن، وفي الوقت ذاته، التخلّص من معارضين محتملين لنظامها".

ويقدّر الأوروبيّون في حواراتهم الدائرة منذ أن سيطرت حركةُ طالبان على العاصمة كابول في وقتٍ سابق من شهر آب 2021، أنّ أزمةَ لجوءٍ جديدةً تلوحُ في الأفق، في وقتٍ لم تنتهِ فيه ذيولُ أزمةٍ سابقةٍ حصلت قبل "7 سنوات"، ويستند هؤلاءِ إلى استمرار تدفّق طوابير الآسيويّين والأفارقة إلى مطارات عواصمهم؛ بهدف المغادرة إلى دولٍ أجنبيّة، وسعي مئات الآلاف الآخرين إلى شقّ طريقهم برًّا بأيّ وسيلةٍ ممكنة، عبرَ دولةٍ ثالثة، في مسارٍ شهد تجارِبَ نزوحٍ سابقةً ويمتدُّ من وسط آسيا وأفريقيا إلى تركيا وصولًا إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ، وتشيرُ جميعُ التقديرات لهيئاتٍ أوروبيّةٍ معنيةٍ بشؤون اللجوء والهجرة إلى أنّ "القارّة العجوز" ستواجه احتمالَ تدفّقٍ كبيرٍ إلى أراضيها بعد الانتهاء من عمليّة سحب القوّات الدوليّة التي غزت أفغانستان و العراق نهاية عام 2001، وبداية عام 2003، ويعترفُ عضو البرلمان الأوروبيّ عن "يسار الوسط" الدانمركي مورتن بيترسن، بأنّ الاتّحادَ الأوروبيّ يواجهُ معضلةً في عدم وجود توافقٍ بين أعضائه، مما شجّع الرئيس التركي أردوغان على استثمار هذه الخلافات لإرغام الاتّحاد على التفاوض معه، وعقد صفقاتٍ مربحةٍ لصالح تركيا.

أوروبا على مفترق طرق

هذهِ الجدليّةُ بين التماسك الوطنيّ، وخصوصًا على التوازن الديمغرافيّ، واندماج الأقليّات والإثنيّات الوافدة وعلاقات الاعتماد المتبادل على الوحدة مع التنوّع المؤسّساتي، وغيرها على الصعيد الأوروبي، تخلقُ نوعًا من التوتّر الذي ربّما يكونُ عاملًا خلّاقًا يدفعُ نحو إعادة صياغة العلاقات بين دول الاتّحاد الأوروبيّ وبين مؤسّساته أيضًا.

لا شكّ أنّ هناك فرصةً مواتيةً لإحياء التيّارات الشعبويّة المتطرّفة التي تأتي بمثابة ردةِ فعلٍ على المخاوف الناشئة، سواءً أكانت مخاوفُ من تدفّق المهاجرين "وصدام الجهالات"، أم مواجهة الفكر القوميّ العنصريّ المغذّي للتيّارات الشعبويّة المتطرّفة في أوروبا التي تقيم جدرانًا سيكولوجيّةً ضمن البيت الأوروبي، كما نشاهد أحيانًا ضمنَ المجتمعات الوطنيّة الأوربيّة.

تعيشُ أوروبا اليوم أزمةً متعدّدةَ الأوجه ومترابطةَ الأطراف، والشيء الأساسي أنّ هناك دعوةً مستندةً إلى قناعاتٍ راسخةٍ بضرورة إعادة ترتيب البيت الأوروبيّ بشكلٍ هيكليٍّ عميق.. فانسحابُ بريطانيا من "البريكست" يمثل خصوصيّة "أنكلوسكسونية"؛ لأنّ بريطانيا لم تكن يومًا بعلاقاتها ومصالحها وقيمها أوروبيّة، وإنّما كانت على الدوام أطلسيّة، في حين أنّ تهديدات أطرافٍ أخرى بالانسحاب هي من باب "البروباغندا الشعبويّة" ولا تؤدّي إلى حالة انسحاب، غير أنّها تعدّ جرس إنذارٍ لإعادة صياغة العلاقات ضمن البيت الأوروبي الواحد، أمّا الرئيس الفرنسي ماكرون، وضمن الدور التقليدي "الديغولي – الميتراني" لفرنسا؛ فيطرح من جديدٍ إحياء "القاطرة الفرنسيّة – الألمانيّة" التي أدّت على الدوام دورًا أساسيًّا في مسيرة الاتّحاد الأوروبيّ، وفي دفع تطوّرِهِ ودوره سواءً على صعيد البناء الداخلي، أم على المستوى العالمي.

خلاصةُ الأمر: تتّسمُ حالةُ الاتّحاد الأوروبيّ بكثيرٍ من الرخاوة، حيث تعيشُ أوروبا إشكاليّة الصدام بين الانسجام والاندماج اللذينِ تدفعُ إليهما مساراتُ العولمة الإنسانيّة، وبين مقاومة المنحى الشعبويّ العنصريّ لهذا الاندماج، الذي ربّما يؤدّي إلى تفكّك الاتّحاد وإقامة جدرانٍ بين دوله ومجتمعاته.. إنّها إشكاليّةٌ شديدةُ التعقيد، لكنّها حاملةٌ لاحتمالاتِ حدوثِ تطوّراتٍ إيجابيّةٍ نحو تناغمٍ بين تيّارات العولمة الإنسانيّة من جهة، واحترام الخصوصيّات الوطنيّة من جهةٍ أخرى، أو نحو مزيدٍ من الهشاشة والانحسار الأوروبيّ، فأوروبا اليوم على مفترقِ طرقٍ تؤشّرُ لهُ تسارعُ التحوّلات الإقليميّة والدوليّة.. على الرغم من التحدّيات الهائلة والمتنوعة للنظام العالميّ وفي المقدمةِ منهُ بروكسل وواشنطن.