Menu

الرئيس أردوغان بين الفائدة والربا

حاتم استانبولي

الربا آلية تم التعامل معها منذ القدم ما قبل ظهور النظام البنكي وكانت ذات طابع فردي، حيث يقوم الفرد صاحب المال بإقراض أمواله مقابل قيمة مضافة تفرض على المستدين عند تسديد الدين، ويحدد قيمتها صاحب المال (المُدين)، والشرط الأهم لكي تتحقق آلية الربا، يجب إعطاء ضمانة عينية في العادة تكون قيمتها أضعاف قيمة المبلغ المستدان.

آلية الربا لكي تأخذ مشروعية في ظل عدم وجود قوانين اقتصادية مالية، أعطيت مشروعية دينية في اليهودية، وفي هذا السياق كان هنالك دائمًا شرطًا زمنيًا، يوثق لإعادة الرهن أو تحويل الرهن لحساب صاحب رأس المال، هذه الآلية كانت تتطلب حماية من القوة السياسية المسيطرة، كمدخل للحماية من جهة، وأداة لتنفيذ شروط عقد آلية الربا، ونتيجة هذه المتطلبات نشأت العلاقة المصلحية بين رأس المال الربوي والسلطتين الدينية والسياسية.

إذا ما دقق الإنسان بعمق في الموقف الفلسفي للمسيح في تمرده وثورته على الأحبار اليهود في موقفهم من اضطهاد واستغلال الإنسان للإنسان وإطلاق حملته التي اتسم جوهرها في عملية التسامح الإنساني، هذا التسامح الذي رفض الجوهر الربوي في العلاقات التجارية والمالية، الذي كان في كثير من الأحيان تكون نتيجته فقدان الإنسان لِأرضه أو ممتلكاته، وإذا ما دققنا في مسرحية شكسبير تاجر البندقية، فإنها تحدد التناقض الرئيسي بين أنطونيو التاجر المسيحي الذي كان يُقرض الناس بلا فوائد وشيلوك الذي كان يُقرض الناس بالربا بشروط جائرة.

اليهودية في الجوهر حرّمت الربا بين الإخوة وأَجازته مع الأغيار من غير اليهود، حيث ورد في سفر التثنية ما يلي: "لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي يباركك الرب إلهك" (تثنية 23: 19-20).

أما الدين الإسلامي، فقد كان واضحًا حاسمًا في تحريم الربا، وهذا كان سببًا في تحالف القبائل اليهودية مع تجار مكة ضد الرسول وأصحابه في المدينة، وقد تم التدرج في تحريم الربا كما ورد في القرآن سورة الروم الآية ٣٠-٣١ التي ذمت الربا. أما سورة النساء الآية ١٦٠-١٦١، فقد أوحت التحريم. أما في سورة آل عمران، فقد حرم الربا على المسلمين، لكنه لم يربطه بالعقاب كما ورد واضحًا في سورة البقرة، كما ورد واضحًا حكمًا شرعيًا لا لبس فيه في الآيات ٢٧٥-٢٧٩، وهذا كان سببًا رئيسياً في إنشاء أول (بنك) غير مُرابي في الإسلام، أُطلق عليه بيت المال هدفه مساعدة الفقراء والمحتاجين،

وهذا الموقف في الجوهر هو متناقض مع جوهر دور ووظيفة رأس المال اليهودي ويعتبر مدخلًا لِصراعًا بين الجوهر الوظيفي لرأس مال الدولة التي تجمعه من أموال الزكاة والضرائب لسد متطلبات الدولة ومساعدة الفقراء، وبين الدور الوظيفي لرأس المال الربوي اليهودي الفردي والعائلي، الذي ينتج عنه تراكم مرابحهِ الربوية، نتيجة الاستغلال الفردي للإنسان الناتجة عن العلاقة الفردية بين المرابي والمستدين وتُحَيِد فيها دور الدولة لمساعدة الفقراء والمحتاجين.

إذا ما عدنا لتاريخ نشوء أول بنك في التاريخ، فإننا سنجد أن مدينة البندقية كانت حاضنته، هذه المدينة التي كانت مكانًا لمسرحية تاجر البندقية، حيث أصبح النظام البنكي يعبر عن تزاوج مصلحي بين رأس المال الربوي اليهودي ورأس المال الكنسي، الذي حرص على قوننة الربا وتحويله إلى شكل من أشكال التجارة المالية التي تطورت علاقتها وأنتجت منظومة مالية قانونية، تَتَحَكَم في كل أوجه الحياة الاقتصادية وتستخدم كأداة للعقاب والثواب.

رأس المال المالي تطورت علاقاتِهِ وأدواته وأساليبه التي أدت إلى سيطرة محكمة لتدفقات رأس المال واستخداماتها كأداة سياسية لتطويع الأفراد والمؤسسات والدول التي أُنشِأ فيها منظومة مالية على رأسها البنك المركزي في كل دولة لا يخضع لسيطرة مباشرة من الدولة، بل هو خاضع لمنظومة مراكز رأس المال المالي، الذي يلعب فيه البنك الفيدرالي الأمريكي دورًا رئيسيًا في وضع القوانين التي تتحكم في تدفقات السيولة المالية واستخداماتها كأداة سياسية للتحكم في سياسات الدول وحتى في مراقبة حسابات الشركات والأفراد، وفرضت نظامًا يخضع فيه البنوك لتقديم معلومات تفصيلية عن حسابات الشركات والأفراد في تعارض مع الحقوق المدنية والفردية الإنسانية، هذه المعلومات بالرغم من أنها لعبت دورًا في كشف عمليات الفساد والجريمة المنظمة، لكنها بذات الوقت مَكَنَت هذه المراكز في إتاحة الفرصة للتلاعب في العلاقات المالية والمصرفية للتأثير على مواقف الدول وسياساتها، وأصبح يكفي أن يأخذ البنك الفيدرالي الأمريكي موقفًا عقابيًا ذا أبعاد سياسية ليُدخل أي دولة في دوامة من الأزمات المالية والاقتصادية، وحتى من الممكن أن يحرمها من الوصول إلى أموالها وأرصدتها المالية، هذه العقوبات التي تكون مدخلًا لتدهور الثقة بالعملة المحلية وتراجعها الذي يؤدي إلى حالة من الإفقار الجماعي للإنسان، كما نرى في الحالة الفنزويلية والإيرانية واللبنانية والسورية وإلى حد ما ما تعانيه الليرة التركية، من تراجع من الواضح أنها تحمل شبهات لِتلاعب خارجي، سببه موقف الرئيس أردوغان من الفائدة التي هي عماد النظام البنكي الرأسمالي المالي وسر تراكم ثرواته وتمركزها ومفتاح سيطرتها على الدول والشركات والأفراد. هذا النظام الذي أوجد منظومة قانونية، تتيح له كل هذا التحكم بدون إرسال جيوش للاحتلال والسيطرة وتَعَلَمَ من درس العراق وأفغانستان وطور أدوات محلية ومولها واستثمر في تعميم مفاهيمِهِ الليبرالية، لكي تستخدم من قبل مراكز أنشأها في الدول لِتلعَبَ دورًا مزدوجًا، حسب موقف النُظُم من السياسات الرئيسية للولايات المتحدة الأمريكية التي تحمل الحرص على المصلحة الاسرائيلية.

الرئيس أردوغان دخل معركة تحمل طابع أيديولوجي ديني في الموقف من الفائدة التي تفسر إسلاميًا على أنها ربا محرم، هذا الموقف يتعارض مع جوهر قانون المصلحة الرأسمالية ومحركها الرئيسي، الذي يكسبها فعالية واستمرار ويعطيها الإمكانية للسيطرة والتحكم بحركة رأس المال الرأسمالي، هذه معركة خاسرة إذا ما خاضَها الرئيس أردوغان بأدوات محلية أو سياسات محلية ستدخله في أزمة مع أدوات النظام الرأسمالي، الذي رد سريعًا عبر التلاعب في قيمة العملة المحلية التي خسرت نصف قيمتها في غضون أشهر معدودة.

إعلان الرئيس أردوغان عن أرصدة تركيا الذهبية (٥ آلاف طن من الذهب) في إشارة لاستخدامها لتغطية الليرة، كانت خطوة ذكية، أعطت الليرة مكاسب على المدى القصير، كون النظام المالي لا يريد أن يفقد القيمة التي وصلت لها أونصة الذهب من قيمة تاريخية، شكلت عاملًا في مضاعفة رأس المال، أتاح مضاعفة القيمة الإقراضية مقابل الذهب للشركات والأفراد، وفي بعض الحالات للدول، ولكن هذا لن يكون له مفاعيل على المدى الاستراتيجي، إذا لم يترافق مع عمل إقليمي ودولي بين الدول المتضررة من الاستخدام السياسي للنظام المالي كأداة للعقاب. هذه الحملة التي أتت ردًا على تدخلات الرئيس أردوغان في سياسات البنك المركزي التركي التي تعتبر خارج الصلاحيات الوطنية لتركيا، أو أية دولة أخرى، إذا ما خرجت عن السياسات المرسومة لها من مراكز رأس المال المالي التي تعتبر عنوان الفائدة خطًا أحمرًا لا يمكن حتى التفكير في التلاعب فيه. ولكي تنجح معركة الرئيس أردوغان عليه أن يخوضها وفق آليات تحقق علاقات تعاون مالية جديدة تبادلية مع كل من إيران وروسيا والصين والهند وفنزويلا وكل الدول المتضررة من سياسات مراكز رأس المال المالي.

من المهم إعطاء طابع أيديولوجي لهذا الموقف، لكي يؤسس لقانون لنظام مالي، تلعب فيه منظمة الدول الإسلامية دورًا فيه متوافق مع أيديولوجيتها من جهة، ويحافظ على القيمة الإنسانية وتأمين حاجاتها الأساسية للفرد والأسرة، بعيدًا عن الاستغلال ويتلاقى فيها مع الجوهر المسيحي من الربا.

في العودة للتجربة المالية للمنظومة الاشتراكية التي اعتمدت الروبل الذهبي، كمعيار لقيمة العملات في الدول الاشتراكية، كانت تجربة إيجابية من الممكن الاستفادة منها في مواجهة التهديدات والعقوبات التي يفرضها البنك المركزي الأمريكي في إخراج بعض الدول من نظام سويفت، هذه التجربة الممكن أن تؤسس لنظام مالي بين الدول المتضررة من العقوبات المالية والحصار الاقتصادي.

من حيث الجوهر يخوض الرئيس أردوغان معركة مشروعة ضد الفائدة التي تثقل ظهر المواطن العادي والطبقة الوسطى، وهي معركة مشروعة، لكنها يجب أن تنعكس في السياسات العامة لتركيا الإقليمية والدولية ويخرجها على وجه الخصوص من سوريا التي تشكل نزفًا لإِمكانياتها الاقتصادية ومصلحَتِها القومية هي في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، في إطار حدودها الدولية، هذا سيشكل مدخلًا للحفاظ على المصلحة القومية التركية ووحدة أراضيها ويغلق الباب على أية إمكانية مستقبلية للتلاعب في النسيج الداخلي التركي.