Menu

تأملات في التجربة الصينية

إلهامي الميرغني

كثير من الكتاب عن التجربة الصينية يتحدثون عن الوضع الاقتصادي للصين وحجم الاحتياطي الصيني ومعدلات نمو الاقتصاد الصيني وصادرات الصين وكيف أصبحت الصين من أكبر اقتصاديات العالم الرأسمالي، ورغم أن ما يقود الدولة الصينية حزب يسمي نفسه "الشيوعي". لكن تجربة الرأسمالية على الطريقة الصينية تحتاج لتأمل الكثير من جوانبها التي يغفلها البعض عن عمد.

الفقر وسوء التغذية

يفيد تقرير الفاو 2014 عن " حالة إنعدام الأمن الغذائي في العالم" أن الصين استطاعت تخفيض عدد من يعانون نقص التغذية من 289 مليون صيني عام 1990/1992 إلى 150.8 مليون صيني في 2012/2014 وهم يمثلون 10.6% من سكان الصين عام 2014. بينما لم تتجاوز النسبة 5.5% من السكان في إيران،8.7% في إندونيسيا،5% في ماليزيا، وتصل الي 5% في كوبا والبرازيل والأرجنتين. وفي تقرير اليونسيف عن الأطفال والغذاء والتغذية لعام 2019 يتضح أن الصين هي سادس دولة في العالم من حيث وفيات الأطفال دون سن الخامسة بالآلاف وتصل الي 146 حالة بينما يصل هذا المعدل الي 73 في الصومال و47 في اليمن.  

أوضح تقرير اليونسيف أن 8% من الأطفال ما قبل السن المدرسي (2013/2018) يعانون من التقزم،1% يعانون الهزال الشديد،9% يعانون من زيادة الوزن، 3% يعانون النحافة والنحافة الشديدة،26% من السكان من سن 15 إلى 49 سنة يعانون من فقر الدم.2.2% فقط من الأطفال مشمولين بالحماية الاجتماعية، 14% من سكان الريف لا يحصلون على مياه شرب نقية. تنفق الصين 2.9% من الناتج المحلي على الصحة بينما تبلغ هذه النسبة 4.9% في الجزائر،6% في جمهورية التشيك،4% في إيران،4.4% في جنوب إفريقيا.

أما تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن ترتيب الصين جاء ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة وقد جاء في الترتيب 85 بين 189 دولة، حيث سبقت الصين كل من سنغافورة وكوريا وإسرائيل ومالطة والإمارات وقبرص وشيلي والأرجنتين ورومانيا ودول أخري.

التلوث البيئي

حققت الصين قفزتها الصناعية والاقتصادية على حساب البيئة ويعتبر منير مباركية في دراسته أن الصين تعد من بين أبرز القوى الصاعدة التي تواجه معضلة حقيقية، تجعل من مشكلات البيئة قضية جوهرية ستحدد مسار ومصير النموذج التنموي الصيني.

تعاني الصين من مشاكل بيئية كباقي الدول من قبيل: التلوث والتصحر والمياه الحمضية والأودية الميٌتة والكوارث الطبيعية... إلا أن حجم تلك المشكلات ودرجة حدتها، أكثر وقعا في الحالة الصينية، وأصبحت تدق ناقوس الخطر ليس محليا فقط، وإنما إقليميا وعالميا أيضا.

  • تلوث الهواء تضم الصين 16 من بين 20 مدينة الأكثر تلوثا في العالم. وحسب مكتب البيئة في بكين، فإنه في سنة 2013 عرفت بكين 176 يوما بنوعية هواء جيدة، و189 يوما من التلوث الهوائي الخطير، وهذا إضافة إلى انتشار الروائح الكريهة، وامتلاء الهواء الذي يستنشقه الصينيون اليوم بالرصاص والعديد من المواد السامة.
  • مياه الشرب: في تشخيصه لمشكلة ندرة المياه في الصين يقول "ليستر براون" خبير البيئة الدولي لدى الأمم المتحدة "إن مشكلة نقص الماء تعد واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه الحكومة الصينية، فحوالي 400 مدينة من بين المدن الصينية ال: 600 الكبرى تعاني من نقص المياه، كما أن 61% من الشعب الصيني يتمتعون بنصيب من مياه الشرب أقل من الحد الأدنى العالمي. ثلث الأنهار الكبرى، و85 % من البحيرات و57 % من المياه الجوفية ملوثة، وحوالي 300 مليون من سكان الأرياف لا يستطيعون الحصول على مياه الشرب النقية... هناك خمسة من بين سبعة أنهار كبرى في الصين، والتي تمثل 70 % من المياه العذبة هناك، غير قابلة للاستخدام الآدمي، كما يعتبر تلوث المياه السبب في عديد من الأمراض وحالات الوفاة في الصين.
  • تراجع الغطاء النباتي والغابي: تغطي الغابات مساحة 17 % فقط من الأراضي الصينية، وهذا أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 27 %، ويرجع السبب إلى أن الصينيين اليوم أصبحوا من أكثر المستهلكين للأخشاب بعد الأمريكيين، كما أن حوالي 40 % من واردات الأخشاب الصينية تتم بشكل غير قانوني، وهو ما يفاقم من حدة الأزمة ويصعب التعامل معها.

-  مشكلة التصحر: ربع مساحة الصين هي أصلا عبارة مناطق صحراوية، وظاهرة التصحر في ازدياد مستمر كل عام وتزحف على باقي مساحة البلاد، والصحراء في طريقها لأن تغطي ثلاثة أرباع مساحة البلاد، وتفقد الصين سنويا حوالي 5800 ميلا مربعا من الأراضي الزراعية، كما أن 31 % من تربة الأراضي عرضة للتلف، و 85 % من الأراضي الزراعية تعاني تدهورا شديدا.

- الملوثات والنفايات الصلبة: أصبحت الصين توصف بأنها "مقلب قمامة العالم"، فهي تنتج ثلث قمامة العالم ومعظمها لا تتم معالجته، وأكثر النفايات الإلكترونية في العالم ينتهي بها الأمر في الأراضي الصينية، كما تعتبر "الوجهة الاستثمارية الأشهر لأكثر الصناعات الملوثة في عصرنا وفق ما جاء في كتاب "تدفق النهر الأسود" للكاتبة الأمريكية "إليزابيت إيكونومي".

لقد اعتمدت الصين على التصنيع الكثيف الاستهلاك للطاقة والعالي التلوث. النموذج التنموي الصيني قائم أساسا على التصنيع غير الصديق للبيئة، والذي يعتمد على الاستخدام الكثيف للطاقات غير المتجددة، إذ تستخدم طاقة الفحم في الصناعة وتوليد الطاقة بنسبة 75 %، كان التعامل الصيني مع قضايا ومشكلات البيئة يميل إلى "محاربة النيران بدل الوقاية من وقوعها" فتضرر كل البشر، والصينيون على وجه الخصوص، نتيجة تعاملهم السيئ مع الطبيعة.         (أ. منير مباركية- القوى الصاعدة والتحدي البيئي: حالة الصين - المجلة الجزائرية للأمن والتنمية - العدد السابع 7 جويلية 2014)

الديون الصينية

قالت هيئة النقد الأجنبي، إن الصين سجلت 17.3 تريليون يوان من الديون الخارجية، ما يعادل 2.7 تريليون دولار أمريكي، وذلك حتى نهاية شهر يونيو 2021. وقد تضخم الدين الحكومي المحلي إلى أكثر من نصف حجم الاقتصاد، وفقاً لخبراء اقتصاديين في شركة غولدمان ساكس. بلغ إجمالي ديون شركات التمويل ذات الأغراض الخاصة الحكومية المحلية، ارتفع إلى حوالي 53 تريليون يوان (8.2 تريليون دولار) في نهاية العام الماضي من 16 تريليون يوان في عام 2013. وهذا يعادل حوالي 52% من الناتج المحلي الإجمالي وهو أكبر من مبلغ الدين الحكومي الرسمي المستحق. (العربية نت -29 سبتمبر 2021)

أما على صعيد الديون التي تقرضها الصين لأكثر من 112 دولة في العالم فهي أداة لفرض الهيمنة الصينية على هذه الدول واستنزاف مواردها. ووفقاً لتقرير صادر عن معهد التمويل الدولي في يناير2021، زادت مطالبات الديون الصينية المستحقة من حوالي 1.6 تريليون دولار أميركي في عام 2006 إلى أكثر من 5.6 تريليون دولار أميركي اعتباراً من منتصف عام 2020، مما يجعل الصين واحدة من أكبر الدول التي تقرض البلدان منخفضة الدخل.

مثَّل الدين المستحق للصين أكثر من 40٪ من إجمالي الديون الخارجية لتلك الدول المدينة. وبحلول عام 2018، بلغ حجم الإقراض الصيني أكثر من خمسة تريليونات دولار تجاه بقية العالم بما يعادل 6٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

تسمى الديون الصينية لدول العالم (الديون المخفية)، وهي نوعية من الديون المستترة التي تدفعها الصين للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط بفوائد أعلى من المعدلات الدولية، وفترة سنوات أقل، وتوجه للشركات والبنوك العامة، بحيث لا تظهر في الميزانيات العمومية للحكومة، ولا يتم الإبلاغ عنها بشكل منهجي لنظام الإبلاغ عن الديون التابعة للبنك الدولي المعروف ب "DRS"

أصبحت الصين دائنة ل نحو42 دولة أفريقية، بما يوازي نحو 10% من الناتج المحلي لهذه الدول، ورغم ارتفاع الفوائد، وقسوة شروط السداد، فإنها تضع نصوصا تجعل الدول لقمة سائغة في يديها إذا تخلفت عن الدفع، لذلك عندما فشلت زامبيا في دفع قيمة محطة التوليد المائية التي أنشأتها الصين، تحولت ملكيتها إلى الشركة الصينية الحكومية (Sino Hydro) ومع زيادة القروض، امتلكت ٦٠٪ من إذاعة زامبيا الحكومية. وتسعى الصين إلى الحصول على حق إدارة ميناء “مومباسا” الكيني بعد فشل الحكومة في سداد قرض قيمته 3.8 مليار دولار، أنفقته على بناء خط سكك حديدية بين العاصمة نيروبي والميناء، ولم تستطع تعويض تكاليف التشغيل.

وفي خارج القارة الأفريقية، تبين لكثير من الدول خطورة الديون الصينية بما دفع مهاتير محمد (رئيس وزراء ماليزيا السابق) عقب عودته للحكم منذ 3 أعوام إلى إلغاء قرض قيمته 22 مليار لخوفه من وقوع اقتصاد بلاده تحت رحمة الصين. فكان مهاتير محمد يقظا لما فعلته الصين بدولة سيريلانكا، التي فاوضتها الصين للحصول على حق إدارة مينائها الرئيسي على المحيط الهندي “هامبانتوتا” لمدة 99 عاما، بعد أن فشلت في سداد قيمة قرض الانشاء 307 ملايين دولار.

الديون الصينية لدول العالم هي وسيلة للهيمنة المالية وشروط القروض وأسعار الفائدة المرتفعة والتعامل مع اعتي الأنظمة الفاسدة في العالم كل ذلك يقدم عشرات الأدلة حول طبيعة الاقتصاد الرأسمالي في الصين والذي يوضع ضمن أنظمة الرأسمالية المتوحشة ولا يمكن ان يصنف ضمن دول الرأسمالية الاجتماعية كما هو الحال في الدول الاسكندنافية.

الفساد في الصين

الطفرة الاقتصادية الصينية استخدمت فيها اليات الفساد اللامحدود لتحقيق معدلات النمو المرتفعة. بدأ ذلك التطور الدراماتيكي للفساد والرأسمالية مع الزعيم دينغ شياو بينغ (الذي يرتبط اسمه بانطلاق الانفتاح الاقتصادي الصيني في سبعينيات القرن العشرين)، الذي مضى بالصين في اتجاه رأسمالي جديد. وأوجد دينغ عقيدة جديد متمثلة في البراغماتية، من دون أن يفصح عن ذلك صراحة. وأدرك أن التحرر المتزامن على المستويين السياسي والاقتصادي من شأنه أن يزعزع استقرار الصين. ذلك جعل الفساد عنصر مصاحب للتطور الرأسمالي في الصين منذ سبعينات القرن الماضي. وفي ظل سيطرة الحزب الواحد على السلطة وغياب الديمقراطية الكامل كان الحزب "الشيوعي" الصيني هو أحد معاقل الفساد الكبرى. وكانت حملة التخلص من الفساد المتفشي في الحزب بين أبرز مبادرات شي، وقد أجبرت أعضاءه البالغ عددهم 89 مليونا على إطاعة الأوامر في ظل معاقبة أكثر من 1.5 مليون مسؤول خلال السنوات الخمس الماضية.

إن الفساد والاستبداد الصيني وحصار المواقع الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي واعتقال ومطاردة المدونين هي امتداد للقمع الذي تعيشه الصين منذ مجزرة ميدان تيان ان مين عام 1989 والممتدة بمصادرة كل الحريات العامة وفرض الرأي الواحد والحزب الواحد وتعميق الاستغلال الرأسمالي. كل هذه المظاهر تؤكد أن الصين لا يمكن وصفها باليسارية أو بالرأسمالية الاجتماعية لأنها بعيدة كل البعد عن هذه المفاهيم. ولولا ضيق المساحة لعرضنا لأوضاع الطبقة العاملة واستغلالها المكثف في ظل شروط عمل مجحفة وحصار النقابات العمالية وأوضاع الحريات العامة في الصين.  

كما أن الدور الصيني للسيطرة على الثروات في افريقيا يؤكد البعد الاستعماري للرأسمالية الصينية وكذلك دورها في دعم حكومة اثيوبيا وسد النهضة. كذلك فإن التقارب مع الدولة الصهيونية والاستثمارات والتعاون المشترك مع إسرائيل هو انحياز واضح ضد الحقوق الفلسطينية والعربية وبحث عن دور ونفوذ في العديد من دول العالم. كل هذه الدلائل تؤكد أن الصين دولة رأسمالية كبيرة تصارع لتصنع لها مكانة في نظام الاستغلال العالمي. ولكن من المؤكد أنها بعيدة كل البعد عن الاشتراكية حتى بطبعاتها الأوروبية.