لقد تركت العولمةُ آثارَها الخطيرةَ على مختلِفِ مناحي الحياةِ السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وخاصّةً على دورِ الدولةِ في العالمِ الرأسماليّ، وعلى دورِ الدولةِ في العالمِ الثالثِ التي سبقَ وأن قاومتْ دورَ مؤسّساتِ العولمةِ في مرحلةِ الحربِ الباردةِ في إطارِ التزامِها بالنهجِ الاشتراكي، مع ضرورةِ الإشارةِ هنا، إلى أنّ حجمَ التأثيرِ الخطيرِ على دورِ الدولةِ في العالمِ الثالثِ يتجاوزُ بكثيرٍ حجمَ الأخطارِ على الدولِ الرأسماليّة.
لقد فقدت الدولةُ القوميّةُ – التي انطلقت منها الشركاتُ العابرةُ للقوميّات - في ظلّ العولمةِ جزءًا كبيرًا من سيادتِها واستقلاليّةِ قرارها، بحكم انفلاتِ سلطةِ الضبطِ الاقتصاديّ من الدولة الوطنيّة، وانتقاله إلى الشركات والتكتّلات الاقتصاديّة.
العولمةُ تقوّضُ سلطةَ الدولةِ القوميّةِ في الدولِ الرأسماليّة
وفي مرحلةِ العولمةِ الممتدّةِ منذُ سبعيناتِ القرنِ الماضي، وحتّى اللحظة الراهنة، التي تمكّنت فيها المنشأةُ العابرةُ القوميّات في ظلّ العولمة، من الخروج عن نطاقِ الحدودِ الجغرافيّة للدولة، لم تكتفِ بقدرتِها على الالتفافِ على الدولةِ والتملّصِ مما يمكنُ أن يفرضَ عليها من قيود، بل سعت إلى احتواء الدولة وتسخيرها لخدمتها، فإذا بها تقتنع بدور "مدبرة المنزل" house keeper"" (1). وهذا الانفلاتُ يشكّلُ جوهرَ العولمةِ الاقتصاديّة، التي تفترضُ أنّ العالمَ أصبح وحدةً اقتصاديّةً واحدةً تحرّكُهُ قوى السوق، غيرُ المحكومةِ بحدودِ الدولةِ الوطنيّة، بل بمجموعةٍ من المؤسّسات الماليّة والتجاريّة والصناعات العابرة للجنسيّات. فالأسواقُ التجاريّةُ والماليّةُ العالميّةُ لم تعد موحّدةً فحسب، بل غدت خارجةً عن تحكّم كلّ دول العالم بما في ذلك أكبرها وأكثرها غنى (2).
كما أنّ النظام الاقتصاديّ منذ تسعينات القرن الماضي، باتت تحكمُهُ أسسٌ عالميّةٌ مشتركة، وتديرُهُ مؤسّساتٌ وشركاتٌ عالميّةٌ ذاتُ تأثيرٍ على الاقتصاديّات المحليّة، ما يعني أنّ الدولةَ لم تعد الفاعلَ والمحدّدَ الرئيسيَّ للنشاط الاقتصاديّ والتجاريّ على الصعيد العالمي، وأنّه أصبحَ للفاعلين الاقتصاديّين الجدد دورٌ محوريٌّ في مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالميّة (3). فالشركاتُ المتعدّدةُ الجنسيّات، تملكُ جنسيّةَ دولةٍ معيّنة، وتتّبعها فروعُ باقي الدول وتمارسُ أنشطةً إنتاجيّةً عالميّة، لكنَّ مركزَ قراراتِها موحّدٌ، حيثُ تؤدّي هذهِ الشركاتُ أدوارًا سياسيّةً خطيرةً، وتفرضُ وجهةَ نظرِها على الدول الضعيفة وحتى على القويّة أحيانًا، عبرَ آليّاتِ الضغط التي تملكُها، والمثال الأكثر رمزيّة، ما قامت به الشركةُ الأمريكيّة "I.T.T " التي أدّت دورًا مهمًّا في الانقلاب العسكريّ في السلفادور الذي أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي.
العولمةُ تدمّرُ سلطةَ الدولةِ وسيادتِها في العالمِ الثالث
بدأت العولمةُ بالانقلابِ على دورِ الدولةِ في العالمِ الثالث، في أواخرِ ستيناتِ القرن العشرين وأوائل سبعيناته، مع تبلّورِ التيارِ النيوليبرالي وبزوغِ نجمِ الشركاتِ المتعدّيّةِ الجنسيّة، وتبلّور دورٍ جديدٍ لصندوقِ النقد والبنكِ الدوليّين، حيث بات على الدولةِ القويّةِ في العالم الثالث، أن ترخي قبضتَها بالتدريجِ على الاقتصادِ والمجتمع، تحقيقًا لمصالحِ هذهِ الشركات، ونزولًا عند اشتراطاتِ صندوق النقد والبنك الدوليّين ومنظّمة التجارة العالميّة ومبادئها. فالأسوارُ الجمركيّةُ بدأت العديدُ من هذهِ الدول بهدمها، وبدأت بإلغاءِ نظامِ التخطيطِ المركزيّ والتخلّي عن الاشتراكيّة، ناهيك عن التخلّي عن نهجِ إعادةِ توزيعِ الدخل، وما يعطيه من دعمٍ للسلع الضروريّة، وذلك بذريعةِ أنَّ هذا النهجَ يتعارضُ مع اعتبارات الكفاءةِ ومضرٌّ بالتنمية، وقد زاد هذا الاتجاهُ تسارعًا مع سقوط الكتلةِ الشرقيّة "منظومةِ الدول الاشتراكيّة" وانتهاء الحرب الباردة، فأصبح لزامًا على هذه الدول أن تنفّذ بنفسها تعليماتِ المؤسّسات الدوليّة، كالبنك الدوليّ والصندوق ومنظّمة التجارة العالميّة وغيرها، مثل تسريح الجيوش وتخفيض الإنفاق عليها، وأن تقومَ هذهِ الدولُ بإقناعِ مواطنيها بتفاهةِ دورها وعدمِ الحاجةِ إليه، وأن تتخلّى عن مهامِها الواحدة تلو الأخرى للشركات المتعدّيّة الجنسيّة العملاقة، أو للمؤسّسات الدوليّة التي تنطقُ باسمِها وتعملُ لحسابِها. ومن ثَمَّ بتنا أمامَ صورةٍ كاريكاتوريّةٍ كوميديّةٍ للدولة، دولة لها المظاهرُ الخارجيّةُ الشكليّةُ للدولة ذات السيادة، دولة تقوم بوظيفةِ "الإجلاء والتسليم"، أي سحب يدها من كلّ ما تضع يدها فيه من قبل، وتسليمه للأجانب مع القيام بالترويج لهذه الوظيفة، والزعم أنّها تحقّق المصلحةَ العامّة: مصلحة الأمّة، بما في ذلك مصلحةُ الفقراءِ أيضًا...! فهي مثلًا – وتنفيذًا لتعليماتِ المؤسّسات الدوليّة – تبيعُ الشركات والمشروعات القويّة والرابحة التابعة للدولة، التي تأسّست في عهد الدولة القويّة، تبيعها للشركات الدوليّة العملاقة، وتسمّي هذا خصخصة أو تخصيصية، كما أنّها تقوم بسحب الدعم المقدّم للفقراء، وتسمّيه تثبيتًا اقتصاديًّا!! وتفتحُ البابَ أمامَ السلعِ المستوردةِ لتحلّ محلّ المنتجات الوطنيّة، وتسمّي ذلك تكيّفًا هيكليًّا!! وهذه المهمّات تحتاجُ إلى دولةٍ من نوعٍ خاصٍّ "دولةٍ رخوة" فهي دولةٌ تفكّكُ ولا تبني، بل تتركُ مهامَ البناءِ لغيرها، وهي تسلّم أهلَها للأجنبي ليفعلَ بهم ما يشاء، وكلّ هذا يتطلّب سماتِ "الدولة الرخوة"، وهو اسمٌ استخدمه غنار ميردال (Gunnar Myrdal) في أواخر ستينات القرن العشرين، للإشارة إلى استعداد معظم حكومات الدول النامية للفساد، ولتجاهل حكم القانون، ولتغليب مصالح أفرادها الخاصة على المصلحة العامة، وهذه السماتُ باتت أكثرَ تحقّقًا منذ مطلع القرن الواحد والعشرين عن العقود السابقة (4).
ما يجبُ الإشارةُ إليه "أن هنالك العديد من الدول لا تنطبق عليها مواصفات الدولة "الرخوة" ونخصّ بالذكر هنا سوريّة، التي لم ترتهن للعولمة وأدواتها، و مصر في عهد عبد الناصر، والجزائر في مرحلة أبو مدين، والعديد من دول أمريكا اللاتينيّة التي تمرّدت على النهج النيوليبرالي ومؤسّسات العولمة، وأرست نهجًا خاصًّا بها ألا وهو النهجُ الوطنيُّ المستقلُّ الذي يجمعُ بين الوطنيّةِ البوليفاريّة والاشتراكيّة الجديدة. لقد ابتدعت الليبراليّة الجديدة مختلِف الأساليب لنهب دول العالم الثالث منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، وحتى اللحظة الراهنة من خلال أدوات العولمة الرئيسيّة وهي البنكُ الدوليُّ وصندوقُ النقد الدوليّ ومنظّمة التجارة العالميّة والشركات المتعديّة الجنسيّة، التي استندت في مبادئها إلى وثيقتين رئيسيتين هما (تفاهم واشنطن) (وتقرير ليبرسون) اللذان أكّدا على إلغاء الحماية، ووقف سياسة الدعم للسلع الأساسيّة، وعلى سياسة الخصخصة، وبيع القطاع العام، وعلى برامج التكيّف الهيكليّ، والتثبيت كشرط لعمليات الإقراض، وعلى منح كلّ التسهيلات للشركات الأجنبيّة ومعاملتها، كمثل الشركات الوطنيّة، وإلى اعتماد سياسةٍ ضريبيّةٍ لصالح الأغنياء.. الخ.
وفي ضوءِ السياساتِ والشروط المحدّدة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليّين من جهة، ومنظّمة التجارة العالميّة والشركات المتعدّدة الجنسيّة من جهةٍ أخرى، أصبحت السياسةُ الاقتصاديّةُ للدول المستقلّة، ولأوّلِ مرّةٍ في التاريخ الاقتصاديّ للأمم، شأنًا دوليًّا ومعولمًا، وليس عملًا من أعمال السيادة الوطنيّة أو القوميّة الخالصة.
انعكاساتُ العولمةِ الخطيرة على دول العالم الثالث
لقد ترتّب على الامتثال لبرامج وتعليمات هذهِ المؤسّسات النيوليبرالية ما يلي: تبعيّة معظم دول العالم الثالث لدول المركز الإمبرياليّ وفقدانها السيادة الوطنيّة، وتحوّلها إلى مجرّد كياناتٍ وظيفيّةٍ بمهمّاتٍ أمنيةٍ خدمةً للشركات المتعدّيّةِ الجنسيّة، ارتفاع نسبة البطالة في دول العالم الثالث مع انخفاض عوائد العمل، ازدياد معدلات الفقر، ازدياد الفوارق الطبقية وذوبان الطبقة الوسطى، تفاقم التبعيّة الغذائيّة وتفاقم ظروف البيئة تفاقمًا خطيرًا على الصعيد العالميّ، تدهوّر النظم الصحيّة والتعليميّة، تفكّك نظم إنتاجيّة في العديد من البلدان/ استمرار تضخّم عبء الديون الخارجيّة، التي بلغت في مطلع القرن الواحد والعشرين في أفريقيا وحدَها (368) مليار دولار، وفي الوطن العربيّ نحو (370) مليار دولار.. الخ (5).
يضافُ إلى ذلك أن هناك جملةً من الآثار الاجتماعيّة المترتّبة على تطبيق وصايا صندوق النقد الدوليّ منها:
أ- تؤدّي سياساتُ التقشّف المالي التي يطالب بها الصندوق إلى الإضرار بفئاتٍ واسعةٍ من الشعب، خصوصًا تلك الفقيرة أو الثابتة الدخل (أصحاب الأجور والرواتب المنخفضة) إلى حرمان الكثير من فرص التعلّم والتدريب.
ب- إنّ سياساتِ رفع الدعم عن قطاعاتٍ كاملةٍ وبيع جزءٍ كبيرٍ منها للقطاع الخاص، ترهن حياةَ الفقير إلى الأبد بأيدي القطاع الخاص غيرِ الكفءِ في البلدان النامية.
ج- تؤدّي سياساتُ التحرير للتجارة الخارجيّة ورفع القيود، إلى تقسيم الشعب في الدول المدينة إلى قسمين؛ الأوّل مهتّمٌ برفاهيّةٍ تطغى عليها صفةُ الاستهلاكيّةِ لانتمائِهِ إلى مجتمعاتٍ خارجيّة، وآخر واقعٍ في مصيدةِ الجوع.
د- تؤدّي سياساتُ تخفيضِ العملة إلى تخفيضِ قيمةِ دينارِ الفقراءِ وزيادةِ سعرِ الدولارِ للأغنياء.
لقد تركت العولمةُ بأدواتِها وآليّاتِها المختلفة، وبخاصةٍ الشركات المتعديّة الجنسيّة آثارًا تدميريّةً كبيرةً على دور الدولة وسيادتها، بحيث باتت الدولةُ مجرّدُ خادمٍ لهذهِ الشركات.
وإذا كان للتحوّلات التي صاحبت العولمة ونفوذ أدواتها، ولا سيّما الشركات المتعدّدة الجنسيّة، لا تشكّل تهديدًا كبيرًا لرفاءِ الشعوبِ في البلدانِ المتقدّمة؛ نظرًا لمستوى تطوّرها الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ، ونظرًا لقوّةِ مؤسّساتِ المجتمع المدنيّ التي تملكُ قدراتٍ ماديّةً وبشريّةً وتنظيميّةً لملءِ الفراغِ الذي يتركُهُ انسحابُ الدولة.
فإنّ تأثيرَ هذهِ التحوّلات، سيكونُ خطيرًا جدًّا على الدول النامية... فهذهِ التحوّلاتُ العولميّةُ ألحقت أكبرَ الضررِ بمجتمعاتِ الدولِ النامية، فهي أكبرُ ضحايا العولمة؛ لأنّ دولَ العالم الثالث في معظمها هي الأكثرُ تأثّرًا بهذهِ التحوّلات؛ نظرًا لاعتباراتٍ عديدةٍ أبرزُها: ضعفُ جهازِ الدولة وهشاشتُه، وعدم رسوخ مؤسّساتها في العديد من الحالات، وتفاقم المشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مع تناقص قدرة الدولة على التصدّي لها وتآكلها، ناهيك عن تدنّي القدرات التكنولوجيّة للعديد من هذه الدول، وضعف إمكانات أطر التعاون الإقليميّ في ما بينها (6). لقد أصبحت حكوماتُ الدول النامية - التي باتت توفّر البيئةَ الملائمةَ للشركات العابرةِ القوميّةِ لتمكينها من العملِ بحُريّةٍ وبلا قيود – تتعرّض لضغطٍ مضاعف: فمن ناحيةٍ هي مطالبةٌ مثلُ الحكوماتِ في الدولِ المتقدّمةِ بأنّ تقومَ بوظيفةِ "تدبيرِ المنزل"، وَفْقَ ما تُمليه إرادةُ "عابرات القوميّات" وما يخدمُها من مؤسّساتٍ دوليّة، ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّها لا تعدّ شريكًا في الاستفادة من العابرات؛ لأنَّ هذهِ الاستفادةَ مقصورةٌ على الدول المتقدّمة التي تقع فيها مراكزُ هذهِ العابرات (7).
مصادر
1- د. محمد محمود الإمام، بحث بعنوان: الظاهرة الاستعمارية الجديدة ومغزاها بالنسبة للوطن العربي، في إطار ندوة منشورة في كتاب "العولمة والتحولات المجتمعية في الوطن العربي، تحرير د. عبد الباسط عبد المعطي، مركز البحوث العربية والجمعية العربية لعلم الاجتماع، الناشر: مكتبة المدبولي، القاهرة، 1999، ص88.
2-سعيد الصديقي، الدولة في عالم متغير، الدولة الوطنية والتحديات العالمية الجديدة، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ص 121، نقلاً عن Ingomar Hauchler and Paul M.Kennedy, Global Trends, The World of Almanac World, New York: Continuum, 1998,pp.201- 271.
3-سعيد صديقي، مصدر سابق، ص 121- 122، نقلاً عن عبد الخالق عبد الله، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، عالم الفكر، السنة 28، العدد 2 (تشرين الأول/ أكتوبر – كانون الأول/ ديسمبر 1999، ص 67.
4-جلال أمين، بحث بعنوان: "العولمة والدولة"، في إطار كتاب لمجموعة من المؤلفين بعنوان "العرب والعولمة"، صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، 2000م، ص 161- 162.
5- سمير أمين، في مواجهة أزمة عصرنا، سينا للنشر، القاهرة 1997، ص 95.
6-حسنين توفيق إبراهيم، العولمة: الأبعاد والانعكاسات السياسية (رؤية أولية من منظور علم السياسة)، مجلة عالم الفكر، السنة 28 العدد 2 تشرين الأول/ أكتوبر – كانون الأول/ ديسمبر 1999، ص195.
7- د. محمد محمود الإمام، بحث بعنوان: الظاهرة الاستعمارية الجديدة ومغزاها بالنسبة للوطن العربي، في إطار ندوة منشورة في كتاب "العولمة والتحولات المجتمعية في الوطن العربي"، تحرير د. عبد الباسط عبد المعطي، مركز البحوث العربية والجمعية العربية لعلم الاجتماع، الناشر: مكتبة المدبولي، القاهرة، 1999، ص 88- 89.

