يرجعُ أصلُ مصطلحِ اليسارِ إلى الثورةِ الفرنسيّة عندما أيّد عمومُ من كان يجلسُ على اليسار من النوّاب التغيّرَ الذي تحقّق عن طريق الثورة الفرنسيّة والتحوّل إلى النظام الجمهوريّ والعلمانيّة.
لا يوجدُ إجماعٌ على التعريف الدقيق لليسار، لكن بشكلٍ عام، اليسارُ تيّارٌ فكريٌّ سياسيٌّ يسعى لتغيير المجتمع إلى حالةٍ أكثرَ مساواة بين أفراده، ومع مرور الوقت تغيّر وتشعّب استعمالُ مصطلح اليسار، إذ أصبحَ يغطّي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيّارات المختلفة المجتمعة تحت مظلّة اليسار، ووَفْقًا للتعريف اللغويّ القاموسيّ يشيرُ مصطلحُ الحزب اليساريّ إلى ذلك الطيف السياسي، الذي يتبنّى بشكلٍ عامٍّ فكرةَ المساواة والسيادة الشعبيّة للمؤسّسات السياسيّة والاقتصاديّة، علمًا أنّ الأشخاص الذين ينتمون لهذا الحزب تقوم أفكارُهم بصورةٍ مباشرةٍ على الاشتراكيّة، خاصّةً من الناحية السياسيّة.
وقد أدّى اليسارُ أدوارًا مهمّةً منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية، حتى انهيار الاتّحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكيّة في فترة القطبين، والحرب الباردة من خلال انتصار حركّات التحرّر الوطنيّ في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينيّة واستقلال الدول وتصفية الاستعمار، وانتهاج سياساتٍ اجتماعيّةٍ وصحيّةٍ واقتصاديّةٍ من خلال التنميّة المستدامة، ومجانيّة التعليم ومحاربة الأميّة والمجاعة والأمراض والتصحّر والاستفادة من الموارد الطبيعيّة لتقليل الفجّوة بين الشمال والجنوب، وكان هناك صعودٌ لقوى التحرّر والديمقراطيّة والاشتراكيّة في العديد من دول العالم مدعومةً من قبل الاتّحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكيّة في ذلك الوقت، وانقسم العالمُ إلى قطبين على الصعيد العالميّ؛ القطب الرأسماليّ الإمبرياليّ الاستعماريّ وحلفاؤه، والقطب الاشتراكي وحلفاؤه، وتمّ تأسيس حلف وارسو مقابل حلف الناتو، وخلقُ توازنٍ عسكريٍّ نوويٍّ كان في مصلحة الشعوب الفقيرة والمستضعفة وفى المنطقة العربيّة، تمَّ خلقُ الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينيّة، وبالمقابل كان هناك صعودٌ في حركة التحرّر والاستقلال العربيّة، وبعد هزيمة حزيران ٦٧، كان هناك صعودٌ للقوى اليساريّة في المنطقة العربيّة. ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتّحاد السوفييتي، وكلّ المنظومة السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة التي تدور في فلكه، وأصبح العالم يحكمه قطبٌ واحدٌ فقد أثّر ذلك على العالم كلّه، وعلى الدول نفسها، وازدادت النزعةُ العدوانيّةُ واشتعلت الحروبُ واحتُلّت دولٌ، وانقلبت أنظمةٌ وتصاعدت النزعةُ اليمينيّةُ والشعبويّةُ في العديد من دول العالم، بما فيها الولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة، وتمَّ حظرُ العديد من الأحزاب الشيوعيّة والاشتراكيّة في الدول التي كانت تدور في فلك الاتّحاد السوفييتي، وسيطرة سياسة السوق والعولمة، خصوصًا بعد ثورة الاتّصالات والمعلومات وعولمة الثقافة للسيطرة على عقول الشعوب وضمائرها، وأثّرت على نظريّاتِ اليسارِ التقليديّ لفهم الواقع الرأسماليّ المعولم "قيمة المعرفة والمعلومة" تحتلّ المكانة عوضًا عن "قيمة العمل" واليسار العالميّ في حالةِ تراجعٍ ومراوحةٍ في المكان، ومثال ذلك الحراك الذى طال العالم العربي منذ عام ٢٠١١، فإنّ أحزابَ اليسار كافةً بدأت مغيّبةً عن نتائج هذا الحراك على الرغم من تأثيرها في تحقيقه، فالحركاتُ الإسلاميّةُ استولت على هذا الحراك، ودفعت اليسار إلى الهامش، ورغمَ استفرادِ الولاياتِ المتّحدة الأمريكيّة بحكم العالم فشلت بتحقيق ما تريد، ومع انسحابِها من أفغانستان بعد عشرين عامًا من احتلاله، وخروجها من العراق، وتخفيف وجودها في سوريا، والانقسام داخلَ المجتمع الأمريكي، ووباء كورونا، وبروز قوى صاعدةٍ تنافس الولايات المتّحدة؛ فإنّ حركةَ التاريخ لن تتوقف، وإنّنا أمامَ ولادةِ وضعٍ عالميٍّ جديدٍ متعدّدِ الأقطاب، وهذا لا يعنى نهاية التاريخ كما تطرّق فوكوياما.
وكان عامُ ٢٠٢٠، عامَ كورونا بامتياز، حيث إنّ هذا الوباء بدأ بالسيطرة على العالم، وحوّل حياةَ الناس إلى رعبٍ دائمٍ، ولم ينحصر تأثيرُ كورونا في القضايا الصحيّة والنفسيّة المباشرة، بل كشف عن الأزمة الاقتصاديّة الاجتماعيّة التي تعيشها بلدانُ المراكز الرأسماليّة، وقد فشلت هذه الدول في مواجهه الفوضى التي شهدتها الأشهرُ الأولى لاندلاع الوباء؛ نتيجةً لإخضاع القطاع الصحي لمنطق الأرباح وخصخصته، وعندما وصلت الحالةُ في إيطاليا - تحديدًا - ثمّ إسبانيا إلى مستوياتٍ عاليةٍ لم تتلقَّ أيَّ مساعداتٍ من الاتّحاد الأوروبيّ أو الدول الغربيّة، وكلّ ما فعله الرئيس الأمريكيّ ترامب للهروب من حقيقة انهيار المنظومة الصحيّة أنّه سمّى فيروس كورونا بالفيروس الصينيّ، وهذا كشف عن نقاط ضعفٍ عميقةٍ يعانى منها النظام الرأسمالي من حيث الفوارقُ الطبقيّةُ والفوارقُ في الدخل والثروة، ولكن في المقابل استطاعت الصين أن تسيطرَ على الوباء في فترةٍ قصيرةٍ من الزمن وتلقّت إيطاليا مساعداتٍ عاجلةٍ من الصين وكوبا، ولم تنحصر هذه المساعدات على إيطاليا فقط، بل امتدّت إلى دولٍ أخرى، غالبيتها من الدول النامية دون الحصول على مقابلٍ، مستندةً إلى مفهومٍ اشتراكيٍّ أن كلَّ شخصٍ يجب أن تتاح له الفرص ذاتها في الحياة، وأن هذه الفرص يجب أن تكون قابلةً للتطبيق داخل الدولة، وعلى مستوى العالم، وجاءت أزمةُ كورونا لتعطي مصداقيّةً لسياسات قوى اليسار في البلدان الرأسماليّة في قطاع الصحّة، وتصدّر مفهومَ الاشتراكيّة قائمةَ النقاش السياسي، وكان قد أشار الصحفي كيفن دويليامسون بأنّ الجدل حولَ الاشتراكيّة ليس جدلًا حولَ الاشتراكيّة بحدّ ذاتها، إنّما هو جدلٌ حولَ الوضع الراهن المتمثّل في حقيقة أنّ الرأسماليّة خيّبت آمالنا، وفى أنّ الاشتراكيّة باعتمادها على توصيفٍ مفرطِ التبسيط للواقع هو الحلُّ لمشاكلنا التي تسبّبت بها الرأسماليّة.
أمّا على الصعيد العالميّ، فهناك تقدّمٌ ملحوظٌ في التطوّر الاقتصاديّ للصين الذي يزحمُ الاقتصاد الأمريكي، وتصاعد دور روسيا في القضايا الدولية، والتحالف الصيني الروسي، وصمود كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا، وعودة اليسار إلى السلطة في بوليفيا، وتصاعد قوى اليسار في المكسيك والأرجنتين والبرازيل، وتقدم حزب شين فين في إيرلندا، وتقدّم اليسار في البرتغال، وفوز مرشح اليسار في الانتخابات الرئاسيّة التشيليّة.
إنّ معظم التغيّرات التي تجرى في العالم وعلى الأصعدة كافةً تقول: لقد حان الوقتُ لعودةِ قطار اليسار إلى سكّته الصحيحة، وضرورته على الصعيد العالميّ.

