Menu

محنة اللغة العربية وفقر التعلم(2ــ2)

أحمد يوسف أحمد

استعرضت المقالة السابقة بعض أبعاد المحنة الراهنة للغة العربية كمدخل للحديث عن التقرير الذى أصدره البنك الدولى فى هذا الصدد، وقد بحث التقرير مسببات الظاهرة وسبل مواجهتها، ففى المسببات تحدث التقرير عن ستة أسباب وردت فيه، أولها التدنى الشديد لمستوى تعرض بعض الأطفال للعربية الفصحى قبل الالتحاق بالمدرسة، وهو ما يمكن أن يتم من خلال قراءة القصص لهم بالفصحى أو الاستماع للقرآن أو مشاهدة الرسوم المتحركة المدبلجة بالفصحى، والسبب الثانى هو إشكالية الازدواجية بين الفصحى والعامية لأن اللغة التى يتعلمها الأطفال قبل دخول المدرسة هى العامية التى تختلف بدرجة أو بأخرى عن الفصحى، وقد رصد التقرير أن هناك هدرا فى فرص التخطيط لمواجهة هذه الظاهرة باستخدام التقارب والتشابه بين العامية والفصحى كجسر للعبور إلى الفصحى، وتزداد الأمور سوءا وفقا للسبب الثالث بتدنى جودة المواد التعليمية وسوء تصميم المناهج وعدم فاعلية أساليب التدريس، وينصرف السبب الرابع إلى معلمى اللغة العربية، الذين يعتبرهم التقرير، والمعلمين عموما نتاجا للأسلوب غير الفعال فى تعليم اللغة العربية، ناهيك عن ندرة الدراسات التربوية لتعليم اللغة العربية فى برامج إعداد المعلمين، أما السبب الخامس فيشير إلى عزوف أولياء الأمور إجمالاً عن اقتناء كتب للأطفال فى المنزل، وضعف سلوك القراءة لهم، وقد رصد التقرير أن نسبة القراءة للأطفال فى المنزل تبلغ80% فى بلدان الأداء المرتفع، بينما تتراوح بين20-25% فى المنطقة، وهو ما اعتبره التقرير مبعث قلق شديد لوجود شواهد على أن المواظبة على قراءة كتب الأطفال لهم تمكنهم من الانتقال بسهولة من العامية للفصحى، وأخيرا يرصد التقرير فى السبب السادس الحماس الواضح من قِبَل أولياء الأمور لتعليم أطفالهم لغات أجنبية فى سن مبكرة، ويفضى ذلك إلى إلحاقهم بالمدارس التى تدرس باللغات الأجنبية، التى لم تعد مقتصرة على المدارس الدولية وإنما امتدت لمدارس محلية خاصة وبعض الحكومية، وقد فسر التقرير هذه الظاهرة بما يتيحه إتقان اللغات الأجنبية من فرص أفضل للعمل وكذلك لاعتبارات المكانة الاجتماعية علماً بأن إدخال اللغات الأجنبية فى المناهج الدراسية مبكرا قد يأتى على حساب اللغة العربية. ولمواجهة المسببات السابقة قدم التقرير مسارا مقترحا تسترشد به البلدان العربية فى جهودها للارتقاء بتدريس اللغة العربية وتعلمها يمكن تلخيصه فى سبعة عناصر، أولها وضع أهداف محددة قابلة للقياس الكمى لنواتج تعليم الأطفال اللغة العربية على الأمدين القصير والطويل وربطها بأهداف السياسات الاقتصادية والاجتماعية وإشراك جميع الأطراف الفاعلة فى هذا الصدد من دوائر حكومية وأكاديمية وبحثية وإعلامية ومؤلفى كتب الأطفال وسائر المجتمع، ويتمثل العنصر الثانى فى تحديد السمات والمفردات المشتركة بين الفصحى والعامية وتوظيفها لبناء جسر ييسر للأطفال العبور من العامية للفصحى، أما العنصر الثالث فهو زيادة التعرض المبكر للأطفال للفصحى بطرق جذابة من خلال كتب أدب الأطفال المتميزة وأفلام الرسوم المتحركة والبرامج التليفزيونية ووضع استراتيجيات لتنمية المهارات اللغوية الشفهية مبكرا لدى الأطفال، ويشير العنصر الرابع إلى وضع معايير تفضيلية للترقى فى القراءة مع توفير موارد عالية الجودة لهذا الغرض كالموارد الرقمية والأدلة الإرشادية للمعلمين مع التركيز فى البداية على الصفوف الأولى من رياض الأطفال وحتى الصف الثانى عشر والمواظبة على قراءة كتب الأطفال يوميا بصوت عال داخل الفصل وإجراء تقييمات دورية لمهارات القراءة، وينصرف العنصر الخامس إلى إعادة النظر فى برامج إعداد معلمى اللغة العربية قبل التعيين والتطوير المهنى لهم فى أثناء الخدمة وذلك لتعزيز أصول تدريس اللغة العربية وخبراتهم العملية، وينصرف العنصر السادس إلى التأكد من وجود برنامج قوى لتعليم اللغة العربية للصفوف الأولى مع تخصيص وقت كاف لذلك وضمان جودة المواد التعليمية وجاذبيتها، وإعطاء الأولوية لتعليم اللغة العربية فى الصفوف الأولى حتى لو تطلب ذلك تقليل حجم المواد الدراسية فى هذه الصفوف، وسابعا تحديد المتعثرين فى القراءة ودعمهم بإجراءات تدخلية مبكرة ومتابعتهم لاسيما فى الصفوف الأولى وإشراك الآباء وأولياء الأمور فى هذه الإجراءات. وثمة ملاحظات خمس واجبة على هذا الجهد العلمى المقدر، أولاها استحالة أن يحدث هذا النهوض فى غياب احترام اللغة العربية مجتمعيا رسميا، ففى شوارع عديد من المدن العربية كثيرا ما لا نجد إلا لافتات تشير إلى أسماء مؤسسات وإعلانات عن أنشطة باللغة الأجنبية، وقد تألمت مثلا عندما لم يظهر اسم الأقصر على الشاشة فى الاحتفالية الرائعة الأخيرة إلا باللغة الإنجليزية تماما كما تعجبت من كتابة عبارة «تطوير مصر» بالحروف اللاتينية Tatweer Misr، كذلك يبدو غياب الاحترام من ترك الحبل على الغارب لمدارس التعليم باللغات الأجنبية فى الاستخفاف باللغة العربية وإهمالها، ومن عدم اشتراط إجادة اللغة كما كان يحدث فى السابق فى الملتحقين بالمؤسسات الإعلامية، وتدهور الجودة اللغوية فى الصحافة والمرافعات القضائية والخطب الدينية والرسمية، والملاحظة الثانية أن المشكلة تبدو مجتمعية بمعنى أن تدنى عادة القراءة للأطفال سمة مجتمعية، وكذلك عدم اقتناء كتب لهم بالإضافة للسبب الاقتصادى بطبيعة الحال والمستوى التعليمى لنسبة مؤثرة من أولياء الأمور وهكذا، أما الثالثة فهى أن النظام التعليمى كله يعانى مشكلات جسيمة، ومن الصعوبة بمكان حل مشكلة التدنى فى مهارات اللغة العربية بمعزل عن النظام التعليمى ككل، وتتعلق الملاحظة الرابعة بإشكالية الفصحى/العامية لما لاحظته من أن البعض لا يرى فيها خطرا على الفصحى، ومع الاعتزاز التام بالعامية إلا أنه يجب ألا يُسمح له بالمساس بالفصحى، ولاحظت خامسا وأخيرا أن التقرير لم يشر بحرف إلى جهود المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة، ولا أدرى ما إذا كان هذا امتداداً للنهج الأممى فى تجاهل الإطار العربى أم أنه يعكس تراجع اهتمام المنظمة بالمسألة؟!