أعد دراسة بعنوان "التاريخ المنسي.. قرار التقسيم وإنشاء دولة لإسرائيل"، حيث سأستعرض مواقف الدول التي خرجت منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية وهي: الاتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وسأنشر تباعاً فصول من هذه الدراسة، ويسعدني أن يشاركني القراء بملاحظاتهم وتعليقاتهم حول هذا الموضوع الهام.
موقف الاتحاد السوفياتي – 4
ستالين ومحاربة بريطانيا في مستعمراتها
رغم التحالفات التي تمت بين روسيا وكل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب العامية الثانية، إلا أن ستالين كان واعياً لسياسة تشرشل وأنه لا يضمر خيراً للاتحاد السوفياتي، وخاصة إذا عرفنا أن مواقف تشرشل السابقة كانت معروفة للكرملين. فمثلاً، نشر تشرشل مقالاً في صحيفة Illustrated Sunday Herold بتاريخ 8 شباط 1920م بعنوان "الصهيونية مقابل البلشفية - الصراع من أجل روح الشعب اليهودي" حيث وصف الشيوعية بأنها الكونفيدرالية الشريرة لليهود العالميين والذين قبضوا الشعب الروسي من شعر رؤوسهم وأصبحوا بلا مُنازع أسياد هذه الإمبراطورية الضخمة".
كان ستالين يُدرك الدور البريطاني في بدء الحرب الباردة وخاصة بعد أن أصبح ترومان رئيساً للولايات المتحدة، والذي اختلفت سياسته الخارجية عن سلفه روزفلت. فبريطانيا المنهكة بعد الحرب ستواجه مشاكل أمنية وسياسية في مستعمراتها، وكان يهدف ستالين من ذلك إلى زعزعة الإمبراطورية البريطانية. وفي هذا الصدد فإن ميخائيل فيتروف مساعد مولوتوف وزير الخارجية السوفياتي يُخبر سودابلاتوف (بافل اناتوليفيتش سودوبلاتوف (1907-1996)م ولد في ميليتول (منطقة في روسيا) وخدم في الجيش السوفياتي، ومن المناصب التي تولاها منصب رئيس لجنة أمن الدولة ورئيس مكتب رقم 1 ونائب رئيس مديرية المخابرات ورئيس قوة خاصة NKVD في الحرب العالمية الثانية ونائب رئيس الاستخبارات الخارجية في وزارة الداخلية. كان العقل المدبر لاغتيال ليون تروتسكي وشارك في عمليات اغتيال عديدة أبرزها اغتيال المطرات تيودور والكسندر شومسكي وسولمون ميخائيلز ويقال أنه وضع خطة لاغتيال هتلر. اعتقل عام 1953م وحكم عليه بالسجن خمس عشرة سنة. أطلق سراحه عام 1968م ولم يرد إليه اعتباره بعد خروجه من السجن. دفن في مقبرة موسكو). كلام ستالين "دعونا نتفق على خلق إسرائيل وهذا سيكون كمخرز في مؤخرة الدول العربية وسيجعلها تُدير ظهرها لبريطانيا، وفي نهاية المطاف سيتم تقويض تأثير بريطانيا في مصر وقبرص وتركيا والعراق".
إن مناقشة قضية فلسطين في هيئة الأمم يمنح مجالاً للسياسة السوفياتية للتدخل في مناطق نفوذ بريطانيا. ففي 6 آذار 1947م أرسل المستشار في وزارة الخارجية السوفياتية بوريس شتين مذكرة إلى النائب الأول لوزير الخارجية أندريه فيشينسكي تتعلق بفلسطين "لغاية الآن لم تتم صياغة سياسة الاتحاد السوفياتي بشأن فلسطين. لقد رفعت بريطانيا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة وهذا الأمر يشكل فرصة للاتحاد السوفياتي لبيان رأيه في الموضوع بل والمشاركة الفعالة في مصير فلسطين. لا يستطيع الاتحاد السوفياتي إلا دعم اليهود لإنشاء دولة لهم على أرض فلسطين".
ووافق وزير الخارجية مولوتوف وستالين على ذلك، حيث قدم اندريه غروميكو في 14 أيار 1947 موقف الاتحاد السوفياتي. وفي هذا الصدد نذكر أن هاري ترومان وافق على سياسة ستالين وأعطى تعليماته بالموافقة على قرار التقسيم. وفي لحظة تبني القرار قال ستالين "انتهى كل شيء، لن تشهد هذه المنطقة (المقصود الشرق الأوسط) سلاماً"، وكأنه تنبأ بالمستقبل لهذه المنطقة التي ما زالت تشهد حروباً وعدم استقرار سياسي.
ستالين وفرضية إنشاء دولة اشتراكية في فلسطين
يحاول البعض الايحاء بأن هدف ستالين في دعم قرار تقسيم فلسطين كان يرمي إلى فكرة إنشاء دولة اشتراكية في الشرق تكون قاعدة الانطلاق لحجز مكان للاتحاد السوفياتي في البحر الأبيض المتوسط. وهنا نُشير إلى عدم دقة هذه الفرضية حيث كانت وزارة الخارجية السوفياتية تتلقى تقارير من المنطقة تُبين مدى ارتباط الصهيونية بالدوائر الغربية والإمبريالية والضرر المتحقق للعلاقات العربية السوفياتية. فمثلاً، فقد بيّن القائم بأعمال سفارة الاتحاد السوفياتي في العراق سلطانوف في تقريره المؤرخ في 5 نوفمبر 1947م بأن الأحزاب الديمقراطية والشيوعية لا تعترف بوعد بلفور وتحارب الصهيونية والتي تعتبرها أداة للإمبريالية البريطانية والأمريكية، وبينوا أن الاتحاد السوفياتي يؤيد العرب، وبينوا أيضاً الجوانب السلبية لسياسة الاتحاد السوفياتي المؤيدة لأنشاء دولة لليهود في فلسطين ]1[.
إن من يدعم هذه الفكرة يستند إلى بعض الوقائع حول علاقة بعض اليهود الاشتراكيين بالاتحاد السوفياتي. وفي هذا الصدد نقول أن بعض الأفكار الاشتراكية تسربت إلى فلسطين عن طريق المهاجرين اليهود، حيث ألفت جماعة من المهاجرين اليهود في آذار 1919م حزب العمال الاشتراكي (كان معظمهم من المنشقين عن المنظمة الصهيونية بوعالي تسيون). وفي عام 1924م اعترف الكومنترن بالحزب الشيوعي الفلسطيني. من هنا نستنتج أن الأفكار الاشتراكية بدأت تستقطب من حولها المؤيدين، ومن ذلك التاريخ ابتدأ إيفاد الطلاب للدراسة في جامعة كادحي الشرق في موسكو، حيث درس فيها مجموعة لا بأس بها من العرب الفلسطينيين.
كانت أولى الفعاليات في فلسطين تلك المتعلقة بدعم البولشفيك، فقد كتب كروغلوف Kruglov في 7 نوفمبر 1920 ما يلي: في نهاية أكتوبر كانت هناك فعالية عامة للبولشفيك اليهود في يافا. لقد اجتمع 250 شخصاً من المستوطنات اليهودية في يافا وتل أبيب وقاموا بمظاهرة خلال الشوارع حاملين أعلاماً حمراء وكانوا يهتفون "فلتسقط انجلترا، فلتسقط الصهيونية، عاشت البلشفية، عاش لينين وتروتسكي"، وقد قامت السلطات باعتقال منظمي المظاهرة ورحلتهم إلى مالطا.
كان اليهود ذو النزعة الاشتراكية ينسجون علاقات مع الاتحاد السوفياتي كأول دولة للعمال والفلاحين، وأثمرت هذه العلاقات عن وصول أول وفد سوفياتي إلى فلسطين بتاريخ 25 آب 1942م برئاسة السكرتير الأول للسفارة السوفييتية في أنقرة ميخائيلوف وموظف البعثة بيترينكا لحضور المؤتمر الأول لعموم فلسطين (مؤتمر يهودي).
زادت العلاقات بين المؤسسات الصهيونية في فلسطين والاتحاد السوفياتي أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي 2 أكتوبر 1941 قام الهستدروت بجمع 10 آلاف جنيه استرليني وحولها إلى إنجلترا حيث تم شراء غرفتي تعقيم وتسليمها إلى سفير الاتحاد السوفياتي في بريطانيا مايسكي. وفي 18 أكتوبر تم تسجيل اللجنة الشعبية لمساعدة الاتحاد السوفياتي في حربه ضد الفاشية، وكان المنتسبون كثيرين مما أدى إلى تسجيل عصبة V (النصر)، وفي نهاية ذلك الشهر عُقد في سينما أديسون في القدس أول مؤتمر لأعضاء العصبة حيث حضر 2000 شخص وطالب هذا المؤتمر الحلفاء بفتح الجبهة الثانية.
ونُشير إلى أن المؤتمر أقر برنامج العصبة من ثلاث نقاط، وهي:
1. تقوية مشاركة يهود فلسطين في المساعدة المقدمة من القوى الديمقراطية العالمية للاتحاد السوفياتي في حربه ضد الفاشية.
2. تأمل العصبة من خلال نشاطها في تلقي الدعم والمساعدة من الاتحاد السوفياتي في دعم الصهيونية وتحرير الشعب اليهودي في فلسطين.
3. العصبة عبارة عن منظمة شعبية ومستقلة ويمكن أن ينضوي تحتها كل من يوافق على برنامجها بغض النظر عن قوميته ووضعه الاجتماعي.
تم تحديد يوم 7 نوفمبر (عيد الثورة) 1942م ويوم 22 حزيران 1943 (الذكرى الثانية للعدوان النازي على الاتحاد السوفياتي) لجمع التبرعات لشراء سيارات إسعاف ومواد طبية، وتم إرسال هذه المواد عن طريق طهران. لقد كانت هذه العصبة نشيطة وساهمت في تقوية علاقات الشعب اليهودي مع الاتحاد السوفياتي. ومن أنشطتها: تم جمع 1050 جنيه استرليني في تموز 1942م، وفي شباط 1943م تم إرسال 2 طن من المواد الصوفية عن طريق طهران، وفي نيسان 1943م تم إرسال ثلاث سيارات إسعاف ومن ضمنها وحدة جراحة متنقلة. كذلك نُشير إلى إجراء عرض عسكري في طهران على شرف يهود فلسطين.
وفي يناير 1944م أقيم معرض للمنتوجات الزراعية – أرض إسرائيل. كما صوت الوفد السوفياتي في شباط 1945م في مؤتمر الاتحاد العالمي لنقابات العمال لصالح قرار يدعو ويدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
لقد لخص الكاتب السوفياتي ايليا ارنبورغ السياسة السوفياتية تجاه إسرائيل في مقاله "موقف الاتحاد السوفياتي من دولة اسرائيل ومن الحركة الصهيونية" ]2[ حيث كتب: الاتحاد السوفياتي يقاوم اللاسامية ولكنه لا يؤيد الصهيونية بشكل من الأشكال. في حين أن الاتحاد السوفياتي يعطف على أماني إسرائيل في إقامة دولة فإنه يستنكر المناورات الانجلو عربية والاستعمارية الأمريكية ضد إسرائيل. وجهة النظر السوفياتية هي أن المسألة اليهودية إنما تُحل نهائياً بالتحسن العام للنظام الاجتماعي في كل الأقطار أي بقيام مجتمع اشتراكي.
ولا بد أن نُشير هنا إلى حدثين لهما دلالة واضحة في هذا المجال. الأول يتعلق ببعض الروايات التي تقول بأن ضباطاً سوفيات شاركوا الصهيونيين في القتال بصفة مستشارين عسكريين. وفي نفس الوقت، تأسست في طشقند مدرسة لتدريب يهود تم ذكرهم في قوائم القتلى أو المفقودين في الحرب وإرسالهم إلى فلسطين بعد تدريبهم للمساعدة في إنشاء دولة يهودية ذات صبغة اشتراكية، وقد أكد بعض الشهود أنهم رأوا أقاربهم الذين اعتبروا متوفيين أو مفقودين في طشقند بعد الحرب. والحدث الثاني هو تشكيل حكومة ليهود فلسطين في روسيا وكانت تضم سالمون لوزوفسكي (المساعد السابق للخارجية السوفياتية ورئيس مكتب الاتصال السوفياتي) كرئيس للوزراء ورجل الدبابات وبطل الاتحاد السوفياتي مرتين ديفيد دراغونسكسي وضابط المخابرات غريغوري جيلمان كوزير للبحرية، وقد فشلت هذه الخطة عندما اختارت المنظمة الصهيونية بن غوريون رئيساً للوزراء في الدولة الجديدة.
لقد أدرك الاتحاد السوفياتي التوجه الغربي للدولة الجديدة عندما أُجريت الانتخابات أول مرة بعد إعلان إسرائيل حيث حصل الشيوعيون على أربعة مقاعد وحزب مابام اليساري على 19 مقعداً، أي أن الشيوعيين واليساريين حصلوا مجتمعين على 23 مقعداً من 120 مقعد وهو عدد أعضاء الكنيست وبنسبة أقل من 20%.
رغم هذه العلاقات الوثيقة التي تم نسجها بين اليهود والاتحاد السوفياتي وخاصة أثناء الحرب العالمية الثانية فقد كان ستالين الطبيعة الإمبريالية للدولة الجديدة، وكل ما تم في هذا المجال كانت تفرضه الظروف الدولية وبدايات الحرب الباردة.
المراجع:
1. В. Л. Вихнович
Сталин и создание государства Израйль – Приметы времени
2. جريدة الاتحاد الحيفاوية، العدد الأول، الاثنين 18 تشرين الثاني 1948م، السنة الخامسة.

