منذ أن حلَّ يوم 5 يونيو 1967، بصدمته المروعة، تحمّل الشعب المصري (وفي القلب منه الاتجاه الاشتراكي الماركسي)، عبء المبادرة برفض الهزيمة، والخروج إلى الشارع حثّاً للقيادة التي تضعضعت من هول الكارثة على الصمود والتماسك، واستعادة زمام المبادرة لمواجهة تحدي الاحتلال الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق غاياته الاستراتيجية، بعد أن تقدَّم إلى مبعدة نحو مائة كيلومتراً فقط، من قلب مصر، بوصول قواته إلى الضفة الغربية للقناة، مُهدِّداً العاصمة التاريخية للدولة، "القاهرة"، بالاحتلال والدمار، و مصر التاريخية بالانهيار والهزيمة!
كانت أولى المبادرات الشعبية يومي 9 و10 يونيو 1967، حينما خرجت جموع المصريين إلى الشوارع، عقب إعلان الرئيس "عبد الناصر" التنحّي، رافضة استقالته، ومُطالبة بعودته لتحمل المسئولية والتصدي للعدوان، ثم بعدها بعدة أشهر، في شهري فبراير ونوفمبر 1968، احتجاجاً على تقديم السلطة لـ "كبش فداء" بائس، مُمَثَّلاً في بضعة مسئولين صغار، لتحمُّل عاقبة كارثة تدمير أغلب سلاح الطيران المصري وهو رابض على ممرات المطارات، وكذلك للمطالبة بإعداد البلاد جدياً لحرب التحرير!
وفي أعقاب رحيل الرئيس "عبد الناصر"، تقدّم اليسار المصري عامةً، وفي طليعته وقيادته بشكلٍ خاص، القيادات الماركسية، لقيادة الانتفاضات الطلابية الوطنية الديمقراطية، المُعارضة، في الجامعة والمراكز العُمَّالية والمجتمع، واستمر هذا الحال لنحو عقد كامل من السنين (1967 ـ 1977)، تخللته الهبّات الطُلابية والعُمَّالية (أعوام 1968 ـ 1972 ـ 1973 ـ 1975 ـ والتي بلغت ذروتها في يومي 18 و19 يناير 1977، في انتفاضة "الخبز والحرية" التي أزعجت السادات أيما إزعاج، بعد أن كادت تطيح به وبنظامه، فأسماها "انتفاضة الحرامية"!).
وكان سمات الأنشطة الجماهيرية المتواترة في هذا العقد، ذات طبيعة يسارية ديمقراطية بقيادات ـ على الأغلب ـ ماركسية، تُطالب بإعداد الدولة والمجتمع لمعركة التحرير، وبإقرار نظام حكم ديمقراطي، والحفاظ على مكتسبات الجماهير، وكان من تأثير هذه الحركة الجماهيرية الواسعة، ضمن دوافع أخرى، أن اتخذ "السادات" القرار بخوض معركة "تحريك" محدودة، هدفها "حلحلة" الأوضاع الجامدة، كخطوة باتجاه "تسوية" سياسية، مطلوبة بإلحاح مع أمريكا والعدو الصهيوني، وهو ما اندفع إليه السادات، رغم الأداء البطولي للقوات المسلحة المصرية والسورية، في حرب أكتوبر 1973، ما أن وضعت الحرب أوزارها!
ورغم القمع الشديد للمعارضة الشعبية الواسعة والتنكيل بقيادييها من "الشيوعيين، ولابسي قميص "عبد الناصر"، كما دأب "السادات" على وصفهم، فقد أعيد تشكيل المنظمات الماركسية، التي كان قد تم حلها ونشأت أخرى جديدة، واستمر التصاعد في وتيرة حركة المقاومة الوطنية لسياسات النظام الساداتي: (انفتاح "السداح مداح" بفساده ومحسوبياته وانقلابه على الإجراءات الاجتماعية للرئيس "عبد الناصر" ـ التحالف المكشوف مع جماعة الإخوان والتيارات التكفيرية ضد الشيوعيين وفصائل اليسارـ الارتماء في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية ومُعاداة حركة التحرر العربية والعالمية ـ التسليم للعدو الصهيوني بزيارة القدس المحتلة وتوقيع "اتفاقية السلام" ومعاهدة "كامب ديفيد" .. إلخ).
ورغم اغتيال "السادات" على يد التيارات المتطرفة التى سعى للتحالف معها ضد الاشتراكيين واليسار، فقد استمر القمع السلطوى موَجهاً ضد الخصوم الأيديولوجيين والحركيين في المقام الأول، ورغم حالة الحصار الممتد، استطاع اليسار أن يُشكل لجاناً وحركةً شعبيةً واسعةً، للتضامن مع نضال الشعب الفلسطيني إبّان الانتفاضتين: 1987 و2000، ومع الشعب العراقي خلال فترة الحصار، ثم العدوان والاحتلال الأمريكي 2003، حتى تهيأت الظروف لتكوين "الحركة المصرية من أجل التغيير ـ كفايه"، أواخر عام 2004، والتى لعبت دوراً رائداً في التبشير بثورة 25 يناير المجيدة، وطرح وجوب التغيير السياسي والاجتماعي، بعيداً عن، وفي مواجهة المشروع الأمريكي ـ الصهيوني لتفتيت المنطقة، وإعادة رسم خرائطها، المُسَمَّى مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، واستراتيجية "الفوضى الخلّاقة وتداعياتهما الكارثية.
غير أن الرياح لم تأت بما تشتهيه السُفن، وخاصةً إذا افتقدت هذه السُفن الأشرعة المناسبة للاستفادة من دفعات الرياح المواتية حين هبوبها، إذ أن "الثورة" حين تفجّرت براكينها، كانت تفتقد القيادة المنظمة، المُرتبطة بحركة الجماهير المؤطرة في تشكيلات كفؤة ومستعدة، كما كان يغيب عن حركتها وجود برنامج نضالي مناسب، وواقعي، وقابل للتطبيق، ومُتفق عليه، وهو ما مكّن قوى النظام القديم المضادة للثورة (الدولة العميقة، كوادر العهد المباركي، التيارات الإسلاموية المتربصة، الولايات المتحدة، إسرائيل، الرجعيات العربية، ...) من حصار هذا الانفجار الجماهيري العظيم، وتسليم مقاليد الحكم لجماعة "الإخوان المسلمين" الأكثر تنظيماً واستعداداً، لكي تنقض على السلطة وتتربع على كرسي البلاد، قبل أن تثور عليها الجماهير، وفي القلب منها أحزاب وفصائل وقوى اليسار (والاشتراكي أساساً)، وتطيح بها وبمشروعها، بعد عام واحد من حكم مصر، في 30 يونيو 2013.
ومُجدداً كان اليسار الاشتراكي ـ رغم كل جهوده وتضحياته ـ أبعد ما يكون قدرةً على الاستفادة بأي شكل من هذا الحدث الكبير، فانقضّت قوى النظام القديم، مرةً أخرى، للقبض على أعنة السلطة، ومصادرة هامش الحرية في المجال العام، وليتراجع دور كل القوى التي لعبت دوراً مُهماً في إزاحة تنظيم وحكم الإخوان، تراجعاً ملحوظاً!
هذه الإطلالة الموجزة تلخص حال اليسار الماركسي المصري، وربما ـ بفروق وتمايزات بسيطة في هذا البلد العربي أو ذاك ـ حال اليسار العربي كله. وإذا أضفنا ملاحظتين أساسيتين تكتمل الصورة وتتوضّح أبعاد "الأزمة":
الأولى: أن الحركة الاشتراكية المُنظمة في مصر، وُلدت مواكبة لميلاد جماعة "الإخوان المسلمون" تقريباً، ففيما نشأت "الجماعة" على يد "حسن البنا"عام 1928، أُعلن عن ميلاد "الحزب الاشتراكي المصري" الأول، الذي تكون بواسطة مجموعة من المناضلين المصريين والأجانب، عام 1921. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على كليهما، فالفارق ملحوظ بين الوضع التنظيمي والقدرات الحركية والإمكانات الموضوعية للنموذجين، وذلك لأسباب عديدة سنوضحها لاحقاً.
والثانية: أن هذا الوضع لم يكن جديداً بالنسبة للاشتراكيين المصريين، وضع تمهيد التربة وبذر البذور، ليأتي غيرهم فيحصد ـ دون جهد يُذكر ـ ما زرعت يداهم!
حدث هذا في أربعينيات القرن الماضي، حين خاضت التنظيمات الماركسية نضالاً شرساً لتعرية النظام الملكي الفاسد المهترئ، ولفضح ممارساته الشائنة، ولمواجهة الاحتلال البريطاني وسطوته ونهبه لثروات البلاد ومصادرة حريتها، وعبر هبّات طلابية وعُمّالية وجماهيرية مستمرة: 1935، 1946، 1951 كان وضع الحكم الملكي يتعرض للتآكل، غير أن القوى الماركسية عجزت عن حسم الأمر لصالحها، فتقدم تشكيل "الضباط الأحرار"، السري المحدود العدد، لاقتطاف الثمرة الجاهزة دون عناء يُذكر، وكانت التنظيمات الماركسية أول من دفع الثمن بالتنكيل بها، وتعريضها لتصفية منهجية شرسة، لم تتوقف إلا بعد أن سامتها العذاب!
ومما تقدم يُمكن أن نُحدد عدة عناصر حاكمة لـ "الأزمة" بعضها موضوعي، والبعض الآخر عوامل ذاتية، في مقدمة العناصر الموضوعية:
* عدم تبلور الملامح الطبقية للدولة العربية في مصر، وفي باقي الأوطان العربية، ما أدى إلى غياب الطبقات الحاملة، عن إدراك ووعي موضوعيين، للفكر الاشتراكي: وجوداً وفهماً وتنظيماً، وخاصةً الطبقة العاملة والفلاحين البرجوازية الصغيرة، الأمر الذي أثر على تبلور ملامحها الطبقية وتشكُّلاتها التنظيمية، وأضعفها في مواجهة سلطة رأس المال التابع وكبار مُلّاك الأراضي، قديماً، والدولة المالكة الريعية التسلطية المُعاصرة!
وهو ما أشار إليه أستاذ الفلسفة، "د. مراد وهبه" باعتباره "الأساس لعضوي لأزمة الماركسية المصرية (والعربية) كعنصر "موضوعي" كامن في صُلب التراث "من حيث هو تراث مُتخلف، محكوم بالفكر الأسطوري منذ الحضارة الفرعونية، لم نعمل فيه العقل الناقد الذي من وظيفته الكشف عن جذور الوهم فيما نعتقد"، وهو ما أدى إلى عرقلة مرحلة "التنوير" الضرورية لإفراز كل من "الليبرالية" و"الماركسية"، حيث يتم خلالها إخضاع كل شيء للنقد، و"كل شيء عليه أن يُبَرِّر وجوده أمام محكمة العقل أو يتنازل عنه، ومن ثم أصبح العقل هو المعيار الوحيد لجميع الأشياء" و"الحاكم الأوحد لكل ما هو موجود".
وقد أفقدت هذه الوضعية، كما يرصد الكاتب، المنطقة الشرط الضروري لخلق طبقة برجوازية حقيقية: إذ أن "البرجوازية لا تتكوَّن إلَّا في مناخ علماني"، والعلمانية "من المُحرّمات الثقافية في بلادي وبلاد مماثلة لبلادي"، وغياب الطبقة البرجوازية يعني غياب نقيضها، لأنه: "إذا انتفت البرجوازية انتفت الطبقة العاملة".(1)
وقد أكملت سياسة "الانفتاح الاقتصادي"، التي بدأ نظام "السادات" تطبيقها في مصر، فور انتهاء حرب أكتوبر 1973، على كل الجهود السابقة، في العصر الناصري وما قبله، لـ "تخليق" طبقة عاملة مصرية، ببيع مصانع ومؤسسات وشركات "القطاع العام"، وتشريد العمال والعاملين بلا أي ضمانات من أعمالهم، فحرمت التنظيمات الماركسية من قطاع واسع من قواها الطبقية، عبر تدمير "الحامل الموضوعي" لأفكارها وأيديولوجيتها، المُمثل في المناطق العمالية الواسعة، التي كانت تضم عشرات الآلاف من العمال والعاملين في مئات المصانع والمعامل.
* شراسة النظم المُتتابعة الحاكمة، على اختلاف أشكالها وتلاوينها: احتلال أجنبي، مَلَكيّة عميلة، وطنية تقدمية، رأسمالية تابعة.. مدنية ـ دينية.. إلخ، في حصار المكاسب الديمقراطية المحدودة، المُنتزعة، في بلادنا، ومطاردة الأفكار التقدمية، وقمع التنظيمات الماركسية واليسارية، وخنق المجتمع المدني، وانتهاك الحريات العامة والخاصة، واختراق وحصار النقابات العمالية والمهنية والطلابية وغيرها.
* سيطرة المفاهيم الدينية والرجعية وهيمنة الفكر الغيبي بمدارسه المتنوعة: السلفيين، الإخوان، الصوفية، التكفيرية، ... وتشجيع كافة النظم (ملكية وجمهورية) لهذا الاتجاه، في محاولة لقطع الطريق على تجذُّر وصعود الحركة الماركيبة، وللتقرُّب من الوعي الأوّلي للناس، والهيمنة على الإدراك العام، وللإيحاء بأنها لا تعادي الدين.. إلخ!
* الموجة الفكرية المتخلفة، العارمة، التي واكبت "طفرة النفط" في السبعينيات، ودعمتها هجرة ملايين من العمّال المصريين، ومن دول عربية أخري، لسوق العمل الخليجي الواسع الشره، لتعود مُحملة بأفكار وهابية، ومسحة تكفيرية معادية ـ في المظهر والجوهر ـ للحداثة والتقدم.
* الاستهداف الاستعماري الإمبريالي الصهيوني الذي تعرضت له دول منطقتنا، وبالذات مصر، في الحقبة الناصرية، لوأد التوجه الوطني والقومي الناصري، وهو ما تطلب في مواجهته تخصيص الجانب الرئيسي من طاقة الكوادر والتنظيمات الماركسية.
ويرى الباحث والمستشرق الإيطالي "جينارو جيرفازيو" أن التنظيمات الماركسية المصرية في عقد السبعينيات، المنبثقة بتأثير الحركات الطُلابية اليسارية بجامعات مصر عقب نتائج حرب الخامس من يونيو 1967: (الحزب الشيوعي المصري، الحزب الشيوعي المصري (8 يناير)، حزب العمال الشيوعي المصري)، ما كان لها أن تبذل جل طاقتها في سياق القضية القومية (مواجهة آثار الهزيمة والانخراط في جهود التعبئة لطرد الاحتلال)، المجال، على حساب الاهتمام المُركّز بالعمق الطبقي، وبقضايا الصراع الاجتماعي. (2) وهو تقدير ـ في اعتقادي ـ جانبه الصواب، فما كان بمقدور أي فصيل وطني ـ مهما كان وضعه وأيديولوجيته ـ أن يُدير ظهره لبلاده وهي جريحة، تعاني من الويلات النفسية والمادية بفعل انكسارها العسكري ووطأة احتلال جانب مهم من أراضيها، مهما كانت الدوافع والمُبررات، وهو الوضع الصحيح الذي اتخذته الفصائل والأحزاب الماركسية الأوروبية، علي سبيل المثال، حينما احتل النازي بلادها، فسارعت لمواجهته بكل ما تملك من قوة وعزيمة وقدرة على العطاء والتضحية.
* هجمة "العولمة" الشرسة بطابعها الأمريكي على مجتمعاتنا المتخلفة، واستنزاف جانب مهم من عناصر اليسار من خلال جذبهم للعمل في تنظيمات الـ "N G O’s"، وغياب القدرة على التفاعل مع، ومواكبة معطيات الثورة الرابعة: الذكاء الاصطناعي ـ النانو تكنولوجي ـ إنترنت الأشياء ـ غزو الفضاء العميق ـ تكنولوجيا الاتصال المعزز و"الميتافيرس"، ...إلخ، الأمر الذي أكمل حلقات العزل والحصار حول الدول، والشعوب، وجماعات اليسار.
* تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية، والأنظمة التابعة في بلادنا، لموجات التطرُّف الديني، واستخدامها في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، على نحو ما حدث في أفغانستان وغيرها، تلبيةً للتعليمات الأمريكية، وهو ما اعترف به الأمير "محمد بن سلمان"، في حديثه الشهير لصحيفة "واشنطون بوست" الأمريكية، في السابع والعشرين من شهر مارس 2018.
ملامح الأزمة
غير أن هذه الأسباب (الموضوعية) لا تعفي الأحزاب والقوى الماركسية نفسها من تحمل جانب لا يُنكر من المسئولية، عن تراجع أحوالها، وعجزها عن الوفاء بواجباتها، الأمر الذي أبرزه، منذ نحو 37 عاماً، أحد كبار رموز الفكر الماركسي في مصر، "محمود أمين العالِم" في دراسة بعنوان "اليسار يواجه أزمة حركية"، باعتبار أن أزمة اليسار هي "أزمة تنظيمية تُضعف من الفاعلية الحركية"، مُقدّراً أن "معضلة اليسار الماركسي أن نفوذه الفكري ما زال أكبر من قدراته العملية" (مع مُلاحظتنا أن هذا النفوذ قد تآكل بشدة بفعل أسباب عديدة خلال العقود الثلاثة المنصرمة)، ما جعل وضعها: "أقرب إلى المُعارضة الكلامية النقدية الشعارية، ذات الطابع العام المُجَرَّد المُرتبط بقضايا ومشاكل عامة، لم تبلغ بعد مستوى التعرُّف الدقيق على مشاكل الجماهير العينية، ومطالبها واحتياجاتها الموضوعية".(3)
وفضلاً عن ذلك، فقد رصد العديد من المفكرين والباحثين، من مواقع ماركسية ويسارية، جانباً من أبرز مُسببات أزمة الحركة الماركسية المصرية في الفترة الماضية، وهي لا تختلف كثيراً عن أزمات أشقائها في كامل المنطقة العربية، ومنها: افتقاد الانسجام "بين النظري والعملي"، وانحصار عملها في نطاق شرائح اجتماعية هامشية إلى حدٍ كبير، يغلب عليها الطابع الثقافي الفوقي"، وشيوع ما أطلق عليه "الهشاشة النظرية".(4) أو بحسب توصيف "د. محمود عبد الفضيل": "الميل لاحتقار الوقائع" والتفكير بـ "عقل مُستعار"، وهو ما يقود إلى إعطاء "أجوبة مُعَلَّبة" على "الأسئلة الطازجة" التي يفرزها الواقع اليومي، و"عدم إصغاء" لنبض وإيقاع الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي سيادة "ميل مُغالى فيه لإملاء الأفكار المُسبقة"، وهذا بدوره قاد إلى "الفقر النظري" و"التيبُّس الفكري"، مما حدَّ من "عملية" النهج اليساري الماركسي، وقدرته "كنهج تحليلي لفهم الواقع ودليل للعمل السياسي".(5)
وتكمن الخطورة في هذه الحالة، كما يرى "د. عبد الفضيل"، في أن "فشل النظرية في "التفسير" يعني أنها ستفشل، قطعاً، في "التغيير"، إذ أن آفة منهج "التفسير بالنصوص"، هو الفشل في القيام بـ "التحليل الملموس للواقع الملموس" (6)، تعيين التناقضات الحقيقية في الواقع العيني "المُعاش"، وبالتالي تحديد معسكر "الأصدقاء والحلفاء"، ويعوق التواصل الفعلي مع الجماهير.
مهمات عاجلة
هل يعني هذا الوضع الصعب أن الأمر ميؤوس منه، وأن قطار الزمن تجاوز الحركة الماركسية في مصر والمنطقة؟
على الإطلاق، ولعلي أزيد فأقول بأن هذا القطار تحرك بشعوبنا وأوطاننا في الاتجاه الخطأ والخطر نتيجة لغياب الدور الفاعل للماركسية في مصر وسائر الأقطار العربية الأخرى، ما جعل الطبقات الحاكمة تنفرد بأوضاعنا، وتأخذها إلى حيث شاءت لها إرادات الإمبريالية والصهيونية المُهيمنة من الخارج، ولا يمكن إيقاف عجلة التدهور المُريع في أوضاعها إلّا بوجود قوي وفاعل للحركة الماركسية، بشتّى تجلياتها. وإزاء هذه الوضعية الحرجة، والدور المطلوب، المؤثر والغائب، لأحزاب وتنظيمات وقوى ورموز اليسار في كامل المنطقة العربية، فإنها مدعوة لإجراء عملية فحص نقدي صارم لجماع تجربتها، وفتح حوار بنّاء وموضوعي وشُجاع، حول حقيقة أوضاعها، ومستوى علاقاتها بجماهيرها، وإخفاقاتها ونجاحاتها، بهدف بناء منظومة معرفية ماركسية صحيحة تتجاوز الفهم "البيروقراطي" الميكانيكي السابق، تربط الماركسية بأرضنا وشعوبنا، على نحو ما تم بنجاح في الصين والعديد من الدول الأخرى، وتضع الماركسيين في تفاعل جدلي مع المتغيرات الهائلة التي تحيط بنا وبالعالم، وبالذات على مستوى الانفجارات العلمية والتقنية غير المحدودة، تجنباً للـ "الخروج من التاريخ" والتهميش الموضوعي الذي يُهدد مُستقبلها.
إن هذه "المراجعة" ضرورية، ولا مناص منها، حتى يمكن "تجديد" الماركسية المصرية ـ العربية، ومن أجل صياغة برنامج واقعي للنضال، يُعيد حفز الجماهير للالتفاف حول بؤر الإشعاع المعرفي والتنظيمي الماركسي، انطلاقاً من الثقة في مواقف وأطروحات هذه البؤر، الأمر الذي يسمح بتجديد شباب الأحزاب الماركسية المُتكلسة، ويقوم بضخ دماء جديدة في شرايينها تعيد لها الحيوية والتأثير، عبر تدفق الشباب إلى تشكيلاتها، والذي يمثل ـ في مصر ـ نحو ثلثي عدد مواطنيها، وهو قريب من ذلك في سائر البلدان العربية الأخرى. كما يتطلب النجاح في هذا المسعى، إيلاء الاهتمام الواعي لدور المرأة في البناء الماركسي الجديد المُقترح، لا باعتبارها أيقونة لتزيين العمل الثوري، وإنما باعتبارها شريك فاعل في التأسيس والبناء.
ويحتاج النجاح في هذه المهمة ابتداع آليات تنظيمية مرنة ومتطورة تتجاوب مع معطيات عصر الذكاء الاصطناعي ووسائط التواصل الاجتماعي الحديثة، وتتفاعل مع مدركات ومهارات الأجيال الشابة في بلادنا، وهو أمر ـ من اللافت ـ أجادت استخدامه حتى الجماعات الإرهابية، كـ "داعش" وغيرها، بينما تباطأت الأحزاب والتنظيمات الماركسية عن الولوج إلى محيطه بقوة وإدراك. ويجب أن توجّه هذه الأدوات الفاعلة إلى مهمة أساسية هي إعادة الاعتبار للدور المحوري لـقضية "الوعي" في النضال الماركسي، الأمر الذي يوجب الاهتمام بتثقيف الكوادر، وترسيخ قيم الديمقراطية الثورية، والإعلاء من مبدأ النقد والنقد الذاتي، لقطع الطريق على تغلغل الوصولية والانتهازية، وضمان تطوير العمل ودفعه إلى الأمام.
ومن جهة أخرى، فإن النجاح في مهمة تجديد وإحياء الماركسية في بلادنا، يتطلب إحياء مفهوم الجبهة الوطنية الديمقراطية في الداخل، والتي تنبني على الوعي بأن مُشكلات مجتمعاتنا، وتجذّر أزماتها البنيوية، يوسع من حجم الطبقات والفئات المسحوقة والراغبة في "تغيير" حقيقي، يستجيب لحاجات بلادنا الموضوعية دون تدخلات خارجية مشبوهة، يعبر ببلادنا من مستنقع الاحتراب الأهلي والفقر والتخلف، إلى بر الأمان والتقدم والسلم، وهو ما يقتضي حلف واسع من كل المُضارين من التدهور الحالي الذي يُهدد المستقبل ويُنذر بأوخم العواقب.
كما يوجب هذا الوضع العمل الجاد والمتواصل، لتوثيق عُرى الارتباط بين مكونات الحركة النضالية العربية الماركسية والتقدمية العربية الديمقراطية الجديدة، انطلاقاً من وحدة مصيرها المُشترك، في مواجهة الهجمات والمخاطر الإمبريالية والصهيونية والرجعية، وخاصةً بعد المستوى الذي وصلته العلاقة بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني الغاصب، وتكشّفت ملامحه في العام الأخير!
كذلك لا يجب أن يغيب عن البال أن النجاح في هذه المهمة الشاقة لا يمكن تحقيقه بمعزل عن التعاضد الرفاقي، النشط والفعّال، مع سائر المنظمات والهيئات والأحزاب الشيوعية والتقدمية في العالم، ومع الحركة العالمية المناهضة للعولمة المتوحشة، ومع سائر القوى والمراكز التي تقاوم مخططات الهيمنة الإمبريالية والصهيونية، باعتبارها حليفاً استراتيجياً أساسياً، لا يمكن النجاح بدون التحالف المتين معه.
جدلية "الأزمة" و"الأمل"
وأخيراً، فقد لخّص المثقف والقيادي التقدمي المصري، الذي رحل منذ فترة وجيزة، الأستاذ "عبد الغفار شُكر" جدلية "الأزمة" و"الأمل"، في أوضاعنا الراهنة، فيما يشبه "الوصية"، على النحو التالي:
"على الرغم من جسامة التضحيات التي قدمتها الشعوب العربية خلال الثلاثين سنة الماضية، وعلى الرغم مما أبدته أجيالنا المُتعاقبة من استعداد للتضحية، وعلى الرغم مما يُثبته الشعب الفلسطيني كل يوم من مقدرة فائقة على العيش في أصعب الظروف، إلّا أننا لا نُحقق إنجازاً يُذكر، من هنا فإننا في أشد الحاجة إلى تجديد الحركة القومية والتقدمية العربية، وضخ دماء جديدة في شرايينها، لتبعث فيها الحيوية، وتُزودها بطاقات مُتجددة توفر لها الفاعلية.
إن الأمة العربية في أشد الحاجة إلى جيل جديد من القيادات الشابة المؤهلة فكرياً وعلمياً ونضالياً، لخوض مواجهة طويلة الأمد، بالاستناد العميق إلى فهم عالمنا المُعاصر، وظواهره الجديدة وكيفية مواجهته بفاعلية. قيادات شابة مُسلَّحة بالوعي والمعرفة بحقائق العصر، مُسلّحة بخبرات نضالية حقيقية، قادرة على التواصل مع الجماهير وكسب ثقتها، وقيادتها نحو النصر". (7)
الهوامش:
(1) د. مراد وهبه، أزمة اليسار المصري، مجلة "إبداع"، القاهرة، سبتمبر 1995، ص: 22.
(2) انظر: جينارو جيرفازيو، الحركة الماركسية في مصر (1967 ـ 1981)، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2010، ومقدمته لكتاب "50 عاماً على تأسيس حزب العمال الشيوعي المصري، الوثائق التأسيسية "القضية الوطنية"، الجزء الثاني، تحقيق سعيد العليمي، دار المرايا، الطبعة الأولى، القاهرة 2021، ص: 13.
(3) محمود أمين العالم، اليسار يواجه أزمة حركية، مجلة "الطلوع"، العدد 3، يناير ـ كانون الثاني ـ 1985، مركز إعلام الوطن العربي "صاعد"، القاهرة، ص: 18.
(4) د. سيد البحراوي، غياب الفعالية، إسهام في حوار عنوانه: "المثقف الماركسي في مصر والمُتغيرات المُعاصرة، جريدة "الحياة"، لندن، 9 يناير ـ كانون الثاني ـ 1994.)
(6) المصدر نفسه.
(5) د. محمود عبد الفضيل، اليسار وأزمة فهم الواقع: بعض الملاحظات الأوَّلية، مجلة "الهدف"، دمشق، العدد (1237)، 12 مايو ـ آيار ـ 1996، ص: 28.
(6) المصدر نفسه.
(7) عبد الغفار شُكر، مُنظمة الشباب الاشتراكي (تجربة مصرية في إعداد القيادات) ـ (1963 ـ 1976)، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت ـ 2004، ص: 7.

