Menu

الصراع ما يزال قائما بين اليمين واليسار

السموأل راجي

منذ أواسط القرن العشرين ونغمات التشاؤم القصدي أو العفوي المتغنية بالتساؤلات عن راهنية الصراع بين اليمين واليسار وهي قائمة، تعلو أحيانا خاصة مع تواتر الانكسارات وانحدار مؤشر النضالات الشعبية وخيبات الأمل كما يقال، وتخفت كلما احتدت المواجهات بين معسكرين كانا وسيبقيان متناقضين متصارعين لا يزول تناقضهما إلا بزوال جدلية وجودهما أي معسكر المستغَل وناهب جهده، وحتى لا نسقط في عقم الإعادة والتكرار والسماجة في شرح وإعادة شرح وتفتيت لحد جعل الفهم مستحيلا لمفاهيم اليسار واليمين، سنلجأ للأسلوب اللِّينينِيّ الفذ وهو التبسيط دون التسطيح، وعليه، اعتمادا على التحديد الأكاديمي المحايد لحد ما، فاليسار هو كل طرف من تنظيم أو مجموعة أو حلقة بحثية تتبنى برنامجا تقدميا لصالح الطبقة العاملة والشعب سواء ثقافيا أو اقتصاديا أو سياسيا شاملا وصولا لطرح افتكاك السلطة، واليمين نقيضه تماما.

كل معسكر منهما يقيم تحالفاته على هذه القاعدة وبارتباط معها وبالتفاعل مع الواقع القائم وليس المتخيّل، وبالضرورة، لكل جانب فكره الخاص وأدوات التقاطه للواقع وطرق لفتح مجال الانتشار والدعاية المباشرة أو غير المباشرة (المناورة) وهذا النمط ببساطة دون الدخول في التعقيد الفلسفي السياسي وحتى الأكاديمي الليبرالي هو ما يسمى "أيديولوجيا"، وبالمناسبة، لكل متحدث وكاتب ومتابع حتى شكل ونمط تفكير له بداية أي منطلقات وله أهداف أو غايات وبالتالي للجميع من هذا الجانب أو ذاك أيديولوجيا بما في ذلك من ينبح صباحا مساء شاتما الأيديولوجيات وحامليها باعتبار معاداة الأيديولوجيا هي نفسها أيديولوجيا، وبارتباط مع كل ما تقدّم، فإن هذا النمط الفكري ينقسم وفق وظيفته وأهدافه إلى قسمين لا ثالث لهما:

  • أيديولوجيا تبريرية تهدف تبرير السائد واستدامة سيرورة الاضطهاد والقهر والاستغلال تستعمل كل المبررات العقلانية وحتى غير العقلانية وتلجأ في قمعها لترويج الرعب أو الخوف وبث صور الفوضى وإسقاطها على واقع قابل للتحول للثورة والانتفاض، وأصحابها بين مظهر عصري ورباطات عنق متمنطقين بمصطلحات أكثر من نصفها لا معنى لها، أو هم ملتحين يتصارخون من فوق منابر الجمعة التي أصبحت تقام حتى يوم الاثنين مروجين للطاعة أو لبدائل سياسية منهم يقدمونهم كأولي الأمر يكادوا أن يكونوا من المعصومين وحاملي مفاتيح الغد الأفضل في الجنة.
  • أيديولوجيا تغييرية تستهدف قلب الواقع وجعل حفنة العصابات الحاكمة والمهيمنة اقتصاديا محشورة في الزاوية التي تستحقها في مجرى التاريخ والقضاء على شروط الاستغلال نفسه، والواقع، هذا الصنف تحديدا لطالما تم اختراقه بشعارات وعبارات تتعدد من الليبرالية للانفتاح وصولا لاعتبار صرعات الموضة وشطحات غريبة عجيبة نوعا وشكلا من أشكال اليسار وكثيرا ما كانت هذه الاختراقات تنمو لتصبح جسدا سياسيا أو تيارا فكريا أو جمعية هجينة منفرة مقززة خاصة مع هيمنة العناصر الأكثر فسادا والأشد غيابا عن النضال الحقيقي من البورجوازية الصغرى فتجعل من صورة اليسار رديفا للانحطاط الأخلاقي مثلا أو لمدمني الفنادق وصالات مغلقة وخلق حالة من النخبوية الزائفة والقطيعة مع جماهير تتطلع للتوجيه نحو خلاصها فلا تجد أمامها حاضرا جاهزا إلا ملتحي وصاحب عمامة.

سؤال المعركة بين اليسار واليمين: هل ما زال لها معنى في البيئات السياسية والاجتماعية الجديدة؟ يحمل في طيات طرحة الإجابة، فما دام اليسار الفعلي والمعبر عن تطلعات العمال والشعب في التحرر والانعتاق موجودا، ويقابله يمين يفعل ما في وسعه ويمتلك من الإمكانيات ما لا يكاد يمكن حصره عاملا على استدامة هيمنته أو تغيير وجوهه من عصرية لملتحية والعكس صحيح، أو يعمل على تداول الهيمنة السياسية وتقاسم الكعكة الاقتصادية بين أطرافه، فبالضرورة الصراع قائما بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وفي كل أرجاء العالم بدون استثناء، قد يتخذ أحيانا شكل مظاهرات عارمة عمالية أو شعبية وقد يكون في شكل مقاومة شبابية تناهض سطوة تجار دين وقد تنحو منحى الصدام الدموي لكنها حتى وإن خفتت أحيانا لتترك المجال من جديد أمام طرح السؤال من جديد حول راهنية الصراع أو هل أن اليسار فعلا موجود، فإن هذه الموجات الصراعية الكمية الهجومية أحيانا تتواتر وحتى في سرعة وتلاحق في بعض المناطق، في كلمة، ما دام هناك تفقير وهناك استغلال فبالضرورة الصراع قائما موجودا وبالتالي يستمد معناه من واقع وجوده مهما كانت البيئة السياسية أو الاجتماعية التي تتغير شكلا وليس موضوعا.

إذا ما اتفقنا أن قوى اليمين واضحة لا غبار عليها تتعدد وجوهها وألوانها لكن جوهرها واحد، فإن السؤال الحقيقي هو: هل من يدّعي التعبير عن اليسار وتمثيله هو بالفعل يسار؟ وماهي معايير الفرز هنا؟ هل ادعاء النخبوية للانعزال وتبرير الفشل في الانغراس وتجنب الجماهير وعدم الالتحام اليومي معهم والشرح المبسط وتحمل المسؤوليات يندرج في إطار اليسار؟ هل مهادنة قوى رجعية فاشية تتغلف بالدين وتروج لمقولاتها مستفيدة من تدفق نسب من ريع النفط في أرصدتها تحمل واجهة شعار يساري هو المقاومة والثورة والتغيير دون فضحها وتعريتها ومواجهتها وبناء استقطاب شعبي جماهيري مقاوم بالفعل على نقيضها بأفق يساري هو فعل يساري أم لا؟ وهل الاستكانة لليمين الليبرالي (وهو بنفس تعاسة اليمين الظلامي وكلاهما تعاسة وكارثة) بدعوى مواجهة الخطر الظلامي لخلق جدار حقيقي أمام جماهير مسحوقة وتحويل أنظارها عن هدفها الرئيسي هو من اليسارية أم يندرج في إطار الاختراق اليميني لليسار بعناصر بورجوازية صغرى بائسة بغيضة؟

في مطلق الأحوال، ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يعرف فيها اليسار الحقيقي موجات هجومية من كل الاتجاهات، فأكثرها عنفا كان في بداية ومنتصف التسعينات بعد انهيار ما تبقى من الاتحاد السوفياتي المنهار فعليا منذ 1956 بعد تخليه في المؤتمر العشرين للحزب عن مفهوم "الصراع الطبقي" وتبنيه لمقولة جوفاء اسمها "التعايش السلمي" التي لا تنطبق إلا على قوميات وأعراق وحاملي أديان مختلفة تعيش داخل نفس الرقعة الجغرافية المحددة يربط بينها التعايش على قاعدة احترام الهوية لكن الصراع بين المُهيمن والمُهيمَن عليه، جاء في الأرضِيّة التّكتِيكِيّة للأُمَمِيّة الشُّيُوعيّة التي تمت صياغتها في 1994 (بالمناسبة غالبية تحاليلها واستنتاجاتها ورسومها للمستقبل أثبتها الواقع وأحيانا بطريقة تفصيلية وأنصح بقراءتها) "عندَما بدَأت الهجَمات ، واتّخذَت شكلَ مَوْجَةٍ عامَّةٍ في منتصف التِّسْعِينات، وَجَدت الطّبقة العَاملة ومَعنويًّا وتَنظيمِيًّا في أَدنَى مُستَوَيَاتِها، سواء كان ذلك على النِّطَاق الأمَمِيّ أو الوطَنِيّ. صدّقَت شُعُوب الأقطَار التّابِعَة والقَومِيّات والأقليّات العِرْقِيّة الوَاقِعة تحتَ سِيَاط القَمع في تلك البُلدَان، مع استِثنَاءَات قليلة، الأكَاذِيبَ المَرْوِيّة حولَ مَزايا "نِظامٍ جدِيدِ" و "عَوْلَمَة" فَسَقطُوا في "وهم" التّصحِيح والإصلاح الإمبِريَالِيّ ليُعَدُوا جيرَانَهُم". لكنها وصلت إلى خاتمة "ليس مُستغْرَبًا أنّهُ فِي خِضَمّ هذه الأزَمَات والصِّرَاعَات، اسْتِنادًا إلى التّجَارب التّارِيخِيّة لِلحَرَكة، أن تُدَمِّرَ مَفَارِز مِن الطّبَقَة العَامِلة فِي أقْطَارٍ تُشَكِّلُ الحَلَقَة الأَضْعَف دُعَاة الحَرْبِ مُسْتَوْلِيَةً عَلَى سُلطَة الدّولَة. في عالم الرأسمالية التي لَم تتّعِض بدُرُوس وَحْشِيَّتِهَا في القَرنِ المَاضِي، لَا يُوجَد أيّ سَبَب للشكِّ فِي أن فَيَالِق الطَّبَقَة العَامِلَة في أيّ دَولَةٍ "كُبْرَى" سَتُنْجِزُ، بِنِضالِيَّةٍ عالِيَةٍ، المَهَامَّ المُلقَاةِ على عَاتِقِهَا.

هَل حُكِمَ عَلَى الطَّبَقَة العَامِلة والشُّعُوب بِهَزِيمَة أَبَدِيّة آتِيَةٍ فِي يَأْسٍ وقَتَامَة علَى الرَّغْم مِنْ جَمِيع الجُهُود والتّضْحِيَات المَبْذُولَة؛ أو هِيَ فِي تّجَاهِ تحْقِيقِ تَقَدُّمٍ في تَوظِيفٍ نَاجِحٍ نَاجِعٍ لِجَمِيع الوَسَائِل ولِحَيَوِيَّة الحركة فِي مُوَاجَهَة التّحَدِّيَات عَبْرَ تقْلِيل الخَسَائِر؟

الإشْكَالِيّة المَرْكَزِيّة والأساسية اليوم هِيَ التّركِيز بِلاَ شكٍّ عَلَى ردِّ الطَّبَقَة العَامِلة والشُّعُوب حَاضِرًا ومُسْتَقْبَلاً".