بينت تجارب التغيير العديدة أهمية وجود قطب ثالث مستقل تتلاقى مصالحه مع مصالح الفئات المجتمعية الواسعة، وبخاصة في زمن التوحش الاقتصادي النيوليبرالي الذي عمق من واقع يزداد فيه الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا.
عربيا وفلسطينيا، ثمة حاجة لقطب ثالث مستقل يكون مؤهلا لتجاوز ثنائية الدولة العميقة أو سلطة العسكر من جهة، والإسلام السياسي في الجهة الأخرى، تلك الثنائية التي تسببت في إحداث انسداد ديمقراطي يرقى إلى مستوى استعصاء، وقد أفضى إلى كبح المشاركة الشعبية في عملية التحرر والبناء وفي مكافحة تغول الرأسمال غير المنتج وهشاشة التنمية. مركزا السيطرة المشار إليهما قادا المجتمعات إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية غير قابلة للحل في إطار علاقات السيطرة الداخلية والتدخلات الخارجية، وحيث لا يمكن حل التناقض باستبدال مركز بآخر أو ببقاء الصراع بينهما على حاله، وكل ذلك يؤكد الحاجة إلى قطب ثالث يعمل على فتح الانسداد تدريجيا. الطرف المفترض المرشح للعب دور القطب الثالث، هو اليسار المنظم ومثقفون ثوريون، يملكون رؤية ومقومات التغيير المنشود، رؤية تستند لقيم التحرر الوطني والاجتماعي وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وتواكب التطور العلمي والتقني بذهنية منفتحة على كل تقدم. ومن أسباب التعويل على اليسار أن بنيته ليست جزءا أو امتدادا للطبقات الاستغلالية، ولا يوجد مصالح طبقية لجسمه الرئيسي تدفعه، لأن يكون مستغِلا للغير وفاسدا، مع أن لدى العديد من قيادات اليسار انحرافات من نوع التذيل للقوى المستغِلة أو تشكيل غطاء لها، محدثا تشويشا على دور اليسار، ليس أقله فقدان استقلاليته ومصداقيته وتهميش دوره.
متطلبات الواقع
قبل التوقف عند دور اليسار الفلسطيني كقوة تغيير مفترضة، يجدر البدء بالمتطلبات التي يطرحها الواقع، وهنا سنجد مهاما من كل الأوزان والعيارات، يقع في مركزها حل المسألة الوطنية بما هي عملية تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال وتقرير مصيره. المهمة الملموسة هي انتقال الشعب الفلسطيني من مسار أوسلو وقيوده واستخداماته ونتائجه، إلى مسار تحرري مستقل عن كل أنواع التدخلات والوصاية، وما يعنيه ذلك من تنظيم مشاركة الشعب الفلسطيني بمختلف مكوناته في معركة الخلاص من الاحتلال.
إن إعادة الاعتبار للمشاركة الشعبية في التحرر وتقرير المصير، يطرح مهمة معالجة الاستعصاء الديمقراطي الفلسطيني الذي من مظاهره تكلس المؤسسات والهيئات وانفصالها عن الأجسام التي تمثلها، يطرح تصويب وضع المؤسسات في إطار المنظمة والسلطة والاتحادات والنقابات، ذلك التصويب الذي يحتاج لإعادة البناء من داخل البنية التحتية وعبر معارك ديمقراطية وحراكات اجتماعية تضم الفئات والأجسام التي لها مصلحة في التغيير. على سبيل المثال، لا يمكن تغيير الواقع المترهل البيروقراطي لاتحاد العمال والنقابات المحسوبة عليه، إلا من خلال العمال وقاعدتهم العريضة. الشيء نفسه ينطبق على اتحاد الكتاب، والإعلام، والمرأة، والمعلمين، والمحامين، والفنانين، والطلبة.
هناك فرق جوهري بين اختيار معبرين لتلك الاتحادات والمنظمات من الاجسام القاعدية على أساس البرامج والمهمات والحاجات والأداء والمساءلة والمحاسبة، وبين استمرار الاعتماد على التعيين ونظام المحاصصة "الكوتا" وسيطرة التنظيم الحاكم والتنظيمات السياسية على تلك الاتحادات وحصرها في مهمة الولاء السياسي.
البلد بحاجة إلى نظام مؤسسي ديمقراطي يربط المهمة الوطنية للاتحادات بالجانب المهني والحقوقي المطلبي وبحرية التعبير والنقد والضغط على مراكز القرار. إن تعافي الاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، يعنى إشراك قواعدها وأجسامها في النضال الوطني الديمقراطي والمطلبي الاجتماعي، هذه الشراكة الضرورية تشكل بديلا لحالة استخدامها كأداة سيطرة بعد تفريغها من مضمونها الديمقراطي. ثمة فرق بين الاستقواء بالاتحادات المعبرة عن قواعدها – فئات واسعة من الشعب - في المعركة الوطنية وفي عملية البناء، وبين الاستقواء بالعائلات والعشائر وأجهزة الأمن.
ومن متطلبات التغيير والتطوير التي يطرحها الواقع الفلسطيني أيضا، نظام التعليم المحافظ الذي يقيد العقول ويُستخدم كأداة لسيطرة سياسية واجتماعية، ويميز في مجالات الدين والجنس ويتجاهل قيم الحداثة غير المادية، ويعتمد سياسات تعليم تقليدية قائمة على التلقين والحفظ وايداع المعلومات، وفصل العلم عن حاجة المجتمع لاستخدامه في تطوير المجتمع في المجالات المختلفة. مهمة الانتقال من نظام تعليمي محافظ وتقليدي إلى نظام تعليمي تحرري يزيل القيود عن العقول، تعد من المهام الأساسية التي تدعم مناعة المجتمع وتفتح الطريق أمام الابتكار والإبداع ومواكبة التطور العلمي الهائل على صعيد كوني. ثم تأتي مهمة تغيير منظومة القوانين الرسمية التي ما زالت تنتمي إلى العهود الغابرة وللقانون العشائري الذي ينتمي إلى مجتمع رعوي ما قبل مدني، واستبدالها بمنظومة قوانين وضعية وعصرية متوائمة مع منظومة القوانين العالمية وبخاصة في مجال حقوق الإنسان والمساواة مع نصف المجتمع ومع قانون عصري للضمان الاجتماعي وقوانين تكفل حريات التعبير. هذه المهمة ضرورية لجهة اعتماد معايير متقدمة موحدة وملزمة كبديل للأعراف والتقاليد التعصبية المتأخرة التي عفا عنها الزمن. مهمات تحتاج إلى جهود كبيرة، وتحديدا إلى إشراك كل القوى التي لها مصلحة في تغيير الواقع، وتحتاج إلى مدى زمني قد يطول، وإلى مواءمة اليسار لجهة امتلاك مقومات الشروع بالتغيير والبناء.
المواءمة اليسارية المطلوبة
طالما طرح تغيير الواقع على أجندة القوى اليسارية، فمن المنطقي أن يبقى الفكر مطروحا للتصويب والتطوير والنقد باعتباره من أهم أدوات التغيير. في واقعنا الفلسطيني هناك علاقة بين مشروع التحرر الوطني والاجتماعي وبين النشاط المعرفي والفكري، والحوار والسجال والنقد الذي يساهم في حل التناقضات وايجاد الحلول للمشكلات وتحصيل حاصل يقود إلى تطور الفكر السياسي، لكن الغلبة كانت للعمل الوطني على حساب الثقافة والمعرفة والفكر، وهذا يتعارض مع حقيقة أن الظواهر في تحول مستمر، ومنهج دراسة الظواهر في تعمق مستمر، ما أدى إلى نمو تيارات ومدارس فكرية كبرى على صعيد كوني، كالبنيوية، والتفكيكية، ومدرسة فرانكفورت، ومدرسة تشومسكي السنديكالية".
ما يعنينا هنا تطور الفكر التحرري الفلسطيني، الفكر المنشود الذي لا يتطور بمعزل عن التواصل مع المدارس والتيارات القائمة والمستجدة، وبمعزل عن السجال مع الثقافة المحافظة والمتزمتة السائدة في المجتمع والتجمعات الفلسطينية، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الواقع. سجال يدمج التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي وينتصر للعلمانية والتنوير والعقلانية، ويجتذب الأجيال الشابة التي كانت فريسة سهلة للثقافة المحافظة وتياراتها التي تستخدم التحريم والتكفير والتخوين -الترهيب – في نشر وتكريس الثقافة المتزمتة. ما يهم هنا الترابط بين المهمتين الوطنية والاجتماعية، فلا يعقل التغاضي عن تجاوزات تمس العدالة والمساواة وحرية التعبير بوجود اتفاق حول المسألة الوطنية، وبالتشارك في مقاومة المحتلين، ولا يعقل التسليم بقيادة التحرر الوطني لقوى غير ديمقراطية وتناصب العداء للتحرر الاجتماعي. وما يهم مساهمة الفكر في توليد حركات وممارسات اجتماعية جديدة، وتوليد أشكال من المقاومة الشعبية، للتغلب على سيطرة المستعمرين وللتغلب على أشكال الاستغلال والاستلاب والظلم داخل المجتمع.
المواءمة التي لا تقل أهمية عن الفكر بل هي جزء لا يتجزأ من الفكر والتي يحتاجها اليسار كي يلعب دور القطب الثالث هي الديمقراطية، أكثر من ألف مساهمة نظرية راجعت التجربة الماركسية ونقدت المركزية بشدة، المركزية المخولة بكل شيء من خلال نظام سيطرة مغطى بالديمقراطية التي أضيفت كمصطلح إلى المركزية بالشكل وانفصلت عنها في المضمون والفعل.
تقول روزا لوكسمبورغ، إن الاشتراكية لا يمكن تأسيسها على الطاعة العمياء ولا على تبعية مناضلي الحزب وكل منظمات الحزب في كل نشاطاتها حتى أدق التفاصيل بعماء لسلطة مركزية تضطلع وحدها بالتفكير واتخاذ القرارات في الوقت الذي تنفصل فيه عن البيئة الثورية، وبدون ديمقراطية لا يمكن تحقيق إنجازات كبرى، ولا يمكن التضحية بالديمقراطية على مذبح متطلبات النضال. لقد أعادت المراجعات النظر في ديكتاتورية البروليتاريا واعتبرته هدفا متناقضا مع الديمقراطية، وغير قابل للتحقيق بل كان غطاء لديكتاتورية قيادة الأحزاب وتحصيل حاصل للأحزاب ذاتها. واستند المراجعون إلى التحولات العميقة التي شهدها الإنتاج - الهايتيك ومجمل الصناعات الإلكترونية- التي استبدلت كما ضخما من العمال بعدد قليل من المهندسين والعمال الفنيين، وعبر صعود حركات اجتماعية جديدة عن تراجع الدور المركزي للطبقة العاملة، ووضع أساسا للانفتاح على الأشكال الديمقراطية للتنظيم، وعلى العقول الشبابية المنفتحة على تقنيات العصر ووسائله الحديثة. لا بديل عن الديمقراطية داخل الأحزاب اليسارية وفي العلاقة فيما بينها وفي العلاقة داخل المجتمع الفلسطيني والتجمعات في مختلف البلدان، وفي العلاقة مع الحلفاء فالديمقراطية لا تتجزأ. ولا يمكن لليسار أن يخوض معركة الديمقراطية في إطار مؤسسات منظمة التحرير، إذا لم يكن هو ديمقراطيا في مؤسساته وفي علاقاته، فالديمقراطية لا يصنعها غير الديمقراطيين، كما الحرية التي لا يصنعها غير الأحرار.
الطريق إلى وحدة اليسار يمر عبر الديمقراطية، سيما وأن الاتفاق في القضايا الاجتماعية كبير والاتفاق على إنهاء الاحتلال ونظام الابارتهايد الاستعماري جوهري، إزاء ذلك لا يوجد مبررا موضوعيا لتشرذم اليسار، وتحديدا لا يوجد ما يبرر لليسار خوض الانتخابات مبعثرا.

