Menu

هل يوجد يسار في إسرائيل؟

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

لا يبدو عنوان المقال غريباً ولكنه ربما مضللاً للقارئ الذي يعتقد للوهلة الأولى أن السؤال عن اليسار الراهن بعد تآكل حزب العمل اليساري في العقد الأخير الذي كاد أن يختفي عن الساحة السياسية في إسرائيل لولا وصول زعيمته الحالية ميراف ميخائيلي إلى رئاسة الحزب والتي تمكنت من ايصاله للكنيست بعد أن كانت الاستطلاعات ترشح عدم تمكنه من تجاوز نسبة الحسم لتتمكن رئيسته الجديدة من الحصول على سبعة مقاعد لم تعيده تماماً للحياة السياسية ولكنها لم تنقذه تماماً من الموت.

حين يسأل الفلسطيني عن اليسار في إسرائيل أغلب الظن أنه ربما يسأل عن حالة نقيضة لليمين وهنا ربما يحدث التباس في المصطلح في اليسار لأن إسرائيل دولة مختلفة ليس فقط من حيث الإقامة الصناعية إذا لم تتطور طبيعياً كباقي الدول بل أنشئت بقرار ولكن من حيث التباسات أخرى جعلت كل تفاصيلها تتم قراءتها بشكل مغاير وهنا فإن مصطلح اليسار عندما يتعلق الأمر بإسرائيل يأخذ مفهوماً مختلفاً.

يمكن القول أن اليسار في إسرائيل هو يسار مجتزأ أو يسار عانى من تشوه ليس فقط لحظته التاريخية بل جذور الانتماء لشعب مختلف عن باقي شعوب العالم من حيث الارتباط بالأيدلوجيا التي تشكل عموده السياسي الأبرز ومن هنا لم يتمكن اليسار في إسرائيل من الافلات من وطأة الأيدلوجيا وظل أسيراً لها وتلك لم تحدث في أية أحزاب يسارية في العالم كانت الأيدلوجيا بالنسبة لها ثقافة عالمية فيما الأيدلوجيا في إسرائيل هي هوية شعب خاص.

من أنشأ اسرائيل وأشرف على هندستها هو حزب مباي الإسرائيلي الذي كان يرأسه دافيد بن غوريون وهو حزب يساري تأسس من مجموعة قوى وأحزاب عمالية اشتراكية وظل يحكم بالإضافة لدمج أحزاب أخرى واندماجه في حزب المعراخ الذي ورثه حزب العمل وظل يحكم لثلاثة عقود بعد انشاء الدولة حتى انتزع الليكود للحكم في انتخابات 77 فيما سمى بالانقلاب الكبير لصالح اليمين وبداية ظهور اليمين على خشبة المسرح السياسي.

وإذا كان الحديث عن اليسار في إسرائيل يمكن الإجابة "بلعم" أي نعم ولا ومن هنا الالتباس الحاصل حيث اعتبر الكيبوتس مفرخة اليسار العلماني في إسرائيل واحداً من مؤسسات ما قبل إنشاء الدولة واستمر إلى ما بعدها وأخذ بالتلاشي في العقود الأخيرة تزامناً مع تلاشي حزب العمل فالكيبوتس والحزب مرا بمصير مشترك إذ يعتبر الكيبوتس مجتمع حزب العمل الحقيقي.

وعن سؤال اليسار في إسرائيل فاذا تعلق الأمر بالمفهوم الاقتصادي أو الاجتماعي أي الجانب الاشتراكي "كاقتصاد" والعلماني "كرؤية اجتماعية" أمكن القول أن اليسار جزء من حالة إسرائيل منذ تشكيلها ولا يمكن نفي تأثيره حتى الآن وإن تلاشى سياسياً ولكنه ما زال موجوداً في الاقتصاد والإعلام وفي هذا يمكن حصر دور اليسار الإسرائيلي لكن أزمته التي رافقته منذ التأسيس هي أزمة الهوية ومنتجها السياسي وهو ربما ما لعب الدور الأبرز في هذا التلاشي لأن اليسار السياسي في إسرائيل يمكن وصفه وبلا تردد أنه يمين بامتياز.

التركيز على حزب العمل لا يعني تجاهل حزب ميرتس ذا النكهة الأكثر يسارية من حزب العمل ولكن سنأتي على هويته كذلك لكن التوقف عند حزب العمل لأنه النموذج الذي اعتقد المراقبون أنه يمثل اليسار الرئيسي فيما أن الحقيقة أن اليسار ليس مفاهيم اقتصادية أو اجتماعية بل مفاهيم إنسانية أخلاقية ومجرد القول أن اليسار الإسرائيلي هو من أنشأ الدولة على أنقاض شعب بأكمله وطرده من وطنه وأن هذا اليسار هو من استكمل احتلال باقي الأراضي فتلك وحدها تنفي عنه صفة اليسار بل تضعه على نقيض مع كل اليسار العالمي ومفاهيمه.

ولكن قبل الوقوف أمام مأزق الهوية والأيدلوجيا لا بد من القول أن الانزياح الذي حصل في إسرائيل لم يكن فقط تعبير عن تغيير برامج أو صراع بين يمين ويسار وأن كان هذا الأخير مشوهاً لكن الأمر تعلق بانزياح اجتماعي يتعلق بالعائلات وهويتها الثقافية وعاداتها وبيئتها السابقة حيث تم ترحيل اليهود من عدة مجتمعات وعدة ثقافات ولأن اليسار العلماني أو ممثله حزب العمل يمثل لليهود الذين جاءوا من أوروبا ولأن الاثنيات لم تندمج تماماً في هذه الدولة كما كان يحلم دافيد بن غوريون لذا بقيت الأحزاب والقوى السياسية هي انعكاس طبيعي للتجمعات الاثنية فمثلاً شاس تعبر عن متديني الشرق وليبرمان يعبر عن اليهود الروس وقد جاء يهود أوروبا بثقافة انجابية بعائلة قليلة الأبناء تراجعت الكتلة الأوروبية الاشكنازية لصالح كتل أخرى وتراجع الحزب الممثل عنها سياسياً.

لكن مأزق الهوية هو الأخطر والذي يجعل أن من حق الباحثين نزع الصفة اليسارية عن كتل يسارية في إسرائيل سواء حزب العمل أو حتى ميرتس والتبس الأمر على الفلسطينيين ربما والعرب لأن اليسار في إسرائيل هو يسار داخلي يتعلق بالاقتصاد وعلمنة المجتمع الإسرائيلي ولكن حين يتعلق الأمر بالسياسة والأمن والمفاهيم الإنسانية يقف اليسار على يمين اليمين.

وهل كان يمكن أن يكون في إسرائيل يسار؟ هذا السؤال الأقرب للمنطق لأن تكوين المجتمع اليهودي هو تكوين مختلف كما أسلفت ويكمن مأزقه السياسي والهوياتي بأن إسرائيل الدولة الوحيدة التي يتساوى فيها الدين مع القومية أو تتطابقان في بطاقة الهوية فمن الممكن أن تجد عربياً ومسيحياً وعربياً مسلماً وحتى عربياً يهودياً هكذا كان اليهود الذين عاشوا لقرون في المجتمعات العربية في سوريا والعراق بل أن بعضهم ما زال يحن إلى جذوره العربية في إطار ديانته اليهودية وخصوصاً بعض كتاب إسرائيل من جذور عراقية.

هنا تبدو المسألة أكثر وضوحاً فكلمة يهودي هي كلمة تعود لوصف الشخص بديانة معينة لذا ظل اليساري الإسرائيلي هو ابنا لهوية دينية وتلك الهوية هي في غاية القسوة والشراسة والتمييز تجاه خصومها فمجرد تعريف الفرد لنفسه بأنه يهودي القومية هذا يعني أنه ابنا للديانة اليهودية وهي الديانة التي تفتي بالاستيلاء على أراضي الغير وطردهم وقتلهم.

لم يكن التعبير الأبرز عن نفي اليسارية عن حزب العمل سواء بطرد الفلسطينيين من أرضهم وتدمير قراهم أو باستكمال احتلال فلسطين والاعتداء على الدول العربية أو معاملة العرب كدرجة ثانية لكن الحقيقة بدت أكثر وضوحاً عام 2000 أثناء مفاوضات كامب ديفيد بين الرئيس عرفات ورئيس حزب العمل آنذاك يهود باراك عندما أعلن يوسي سريد رئيس حزب ميرتس اليساري وقوفه إلى جانب باراك في رفضه لعودة اللاجئين الفلسطينيين. تلك كانت الصدفة لأن رفض عودة اللاجئين لا يتعلق بالبعد السياسي أو الاجتماعي بل لأنهم يدينون بديانة أخرى وهنا كأن اليسار في إسرائيل أن يعلن عن انحيازه للأيدلوجيا وللدين وتلك هي السياسة في تلك الدولة التي تشكل الديانة ناظمها ومرجعها كان اليسار أميناً للدين والقومية التي يلتقي فيها مع اليمين الديني تماماً.