فى كتابه عن الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعرى يُصدر المفكر التنويرى الدكتور طه حسين مؤلفه المهم بعبارة بليغة ودالة: (إلى الذين لا يعملون ويؤذى نفوسهم أن يعمل الناس أهدى هذا الكتاب).
ويختزل الإهداء السابق تاريخا من الحكمة، والنضج النفسي، ومعاينة تبدلات العالم وتحولاته، ومعرفة دقائقه، والمحن المجانية التى قد تواجه أصحاب الرأى والمنطق، والعمل المثمر الجاد.
وإذا كانت كل فكرة لامعة خلفها عقل كبير، فإن كل معنى نبيل يحمل معه أنصاره ومريديه، مثلما يحمل كارهيه ومهونى شأنه، وفى كل فإن على المرء أن يعمل وليس عليه أن ينتظر ما يقرره الآخرون .
وتحمل عبارة المفكر الأبرز فى ثقافتنا الحديثة حسا ساخرا امتاز به طه حسين كثيرا، وأعانه على المضى والمجاوزة. وتنفتح عبارته الملهمة على جملة من الدلالات المتجددة ولعل من أبرزها تعزيز ثقة الإنسان الفرد فى نفسه، وعدم اعتداده بما هو خارج الذات، فالذات هى أصل الأشياء؛ ولذلك فإن على الإنسان أن يصنع عمله بإتقان الواثقين، وصنيع المحبين، ويمضى دون التفات لما يحاط به.
إن وعى الإنسان بذاته عتبة مركزية فى سبيل بنائه الداخلي، وتشييد عالمه الخاص الذى كلما اقترب من الحب، والتسامح، والمعرفة، ازداد قربا من النبل، والمروءة، وإنسانية الإنسان.
وفى عالم معقد للغاية، تحاصره نسبية التصورات، على الإنسان أن يتمتع بما اسماه نيتشة بإرادة القوة التى يرى المفكر والفيلسوف الألمانى أنها تتجلى فى الإبداع، والاستقلال والتحكم فى النفس، ومغالبة الظروف وقهر الصعاب، ويفرق نيتشة بين ما اسماه بأخلاق السادة فى مقابل أخلاق العبيد، وعلى الرغم من قسوة نيتشة التى عُرف بها، وآرائه الجذرية التى أجاد التعبير عنها. من قبيل هذا التصور الحدى عن السادة والعبيد، فإن السمات التى طرحها وميز بها كل فريق كانت معبرة للغاية، فحيثما تكن النبالة تكن الشجاعة والاعتماد على النفس، والقوة، وحيثما تكن الخسة يكن الخضوع والهوان.
إن السعى الدائم للإنسان الحقيقى يجب أن ينطلق صوب النور، صوب أن يكون الإنسان نفسه بمثابة الضوء فى النفق المعتم.
إن مشاعر التشاؤم، والإحباط، والسخافات اللانهائية قد تتجاوز الأفراد أحيانا إلى المجتمعات، فيصبح كل عمل يُشيد مدعاة للسخرية واللوم، والرفض المسبق، ويصبح كل بناء عرضة للانتقاد غير الموضوعي، وهذا ما نراه أحيانا لدى بعض الساخطين على أى شيء، وكل شيء، فهناك ثقافة سائدة تسمى السخط المجاني، والذى لا ينهض على أى أسس موضوعية، وإنما يكون تعبيرا عن الإخفاق الذاتى الذى يريد المرء تعميمه على المجتمع ككل وما يحدث فيه، وتكون غاية صانعيه بث الإحباط فى النفوس، وتخليق الطاقات السلبية باستمرار.
إن افتقاد النظرة الموضوعية، واتباع الهوى وإقصاء المعايير يفضى إلى حالة من التصور الخادع عن الحياة والعالم، هذا التصور الذى هو عين الوجود الزائف وجوهره فى وقت واحد.
وفى الآن وهنا، على الإنسان أن يعى وجوده الأصيل، وأن يهنأ بما يفعل.
وأن يرى العالم من منظور أكثر رحابة، وأن يفرح بنجاحات الآخرين، وأن يدرك أن قوته الحقيقية تكمن فى ذاته، وفى قدرته على التصالح مع العالم من منطق القوة والمحبة والتسامح الخلاق.
إن النفس البشرية بكل تعقيداتها، لا يمكن ترويضها إلا عبر ثقافة الحياة ذاتها، فالنهل من المحبة، والفرح بالوجود الإنساني، والاعتداد بالذات دون مبالغة، أو تغول على الآخرين، وتدعيم الفرد لمحيطه الاجتماعي، جميعها صفات إنسانية خالصة تنتشل المرء من عثرات الروح إلى براح وسيع، عماده التأمل والتدبر الواعى للمآلات والأحداث والمصائر، حيث يحقق المرء ذاته حينما يكون نفسه وليس شيئا آخر، وحينها تكون السعادة الحقيقية التى يبتغيها الإنسان، والتى تنبع من داخله، من اتساقه مع ذاته، ومحبة الوجود، والإيمان المطلق بأن قوة المجتمع تأتى من قوة أفراده.
وبعد.. ربما يكون الإهداء القادم لأحدنا يوما ما ( إلى الذين يعملون ويسعد نفوسهم أن يعمل الناس)، أو حتى ( إلى الذين لا يعملون ويسعد نفوسهم أن يعمل الناس).

