Menu

العلاقةُ بين اليسارِ والليبراليّة في ظلّ اشتراطاتِ مرحلةِ التحرّر الوطنيّ

د . عابد الزريعي

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

يستدعي تناولُ موضوعِ العلاقةِ بين التيّاراتِ السياسيّةِ والفكريّةِ تحديدًا لتلكَ التيّارات، وللمرحلةِ التاريخيّةِ التي توجدُ فيها بكلّ اشتراطاتها، دون ذلكَ يبقى طرحُ موضوعِ العلاقة مبهمًا وغامضًا. هذا المقال سيتناولُ العلاقةَ بين اليسار والليبراليّة في الساحة العربيّة، وفي ظلّ جملة الشروط والتحدّيات التي تطرحُها مرحلةُ التحرّر الوطنيّ العربيّ الجارية تحديدًا.

أوّلًا: اليساريّون القدامى

نشأ مصطلحُ اليسار صيغةَ تقاطبٍ مكانيٍّ إبّان الثورة الفرنسيّة، ثمّ تحوّل إلى تيارٍ فكريٍّ وسياسيٍّ يسعى لتغيير المجتمع على قاعدة المساواة والعدالة، وتمثّل في عديد التنظيمات التي تلتقي وتختلف ضمن خارطةٍ واسعةٍ من الممارسات السياسيّة والمرجعيّات النظريّة والأيديولوجيّة، ومنها الشيوعيّةُ والاشتراكيّةُ ويسار الوسط (الديموقراطيّة الاجتماعيّة)، واليسار الراديكالي، وغير ذلك. وبالنسبة لليسار العربيّ فقد تمثّل في جملة القوى الاشتراكيّة والقوميّة والماركسيّة التي نشأت أواسط عشرينات القرن الماضي في خضمّ النضال ضدّ الاستعمار، بكلّ ما ترافق مع ذلك من قضايا سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّة. وباتت تتجلّى ملامحُهُ في اللحظة الراهنة في مجموعة القوى السياسيّة المتبقيّة من الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، والقوى القوميّة والعروبيّة، واليسار القوميّ الذي تشكّلت ملامحُهُ بعد عام 1967، وذلك ارتباطًا بالتحوّلات الفكريّة التي شهدتها حركةُ القوميّين العرب، قبل ذلك بعقدٍ من الزمن، وكذلك ما انفلّت من هذه الأطر من أفرادٍ باتوا يعملون مستقلّين وخارج الأطر الحزبيّة. ويكاد يكون الخيطُ الناظمُ بين مختلف هذه القوى تمييزها لنفسها عن قوى أخرى، بكونها ليست يمينيّةً أو رجعيّة، وربطها بين قضيّة التحرّر الوطنيّ، وقضايا العدالة الاجتماعيّة والاستقلال الاقتصاديّ. وعلى طول مسار تلك القوى نشبت صراعات، وتشكّلت تحالفاتٌ وبنيت جبهاتٌ فيما بينها، تمايزت من حيث عدد الأطراف المشاركة، والقدرة على الاستمرار والفاعلية.

ثانيا: الليبراليّون الجدد

مرّت الليبراليّةُ في تطوّرها بمحطّاتٍ بثلاثةٍ رئيسة، أوّلها الليبراليّة الكلاسيكيّة وهي بداية سيرتها التي قامت على المناداة بحريّة الفرد، ثمّ الليبراليّة الجديدة التي برزت في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، وترافقت مع ظهورِ المحافظين الجدد، وذلك بالتوافق مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتّحاد السوفييتيّ، ثمّ كانت الليبراليّة الاجتماعيّة التي نادت بإعادة تفعيل دور الدولة في الاقتصاد، من أجل الحفاظ على الرأسماليّة واقتصاد السوق، بعد فشل سياسات الليبراليّة (الجديدة) وما ترتّب عليه من أزمات. وقد تشكّلت الليبراليّة العربيّة في صيغتها الراهنة في ظلّ طغيانِ موجةِ الليبراليّة الجديدة، وانتظم في صفوفها من انسلَّ من صفوف اليسار، مثل أحزاب الديمقراطيّة الاجتماعية ذات الأصول التروتسكية وغيرهم.، هذا إلى جانب حاملي الفكرة السابقين. وقد احتشد الأغلبيّة العظمى من هؤلاء في منظّمات المجتمع المدني، كما شكّلوا أحزابًا سياسيّةً خاصّةً بهم. وفي السياق هذا، تأسّس الاتّحادُ الليبراليّ العربيّ في القاهرة عامَ 2008م، تحت اسم "شبكة الليبراليين العرب". وفي عام 2011، صار اسمه «التحالف العربيّ للحريّة والديمقراطيّة"، الذي شارك في الليبراليّة الدوليّة. وفي عام 2016م، تم تغيير الاسم ليصبح "الاتّحاد الليبراليّ العربيّ"، الذي ضمّ آنذاك 13 حزبًا من 8 دولٍ عربية. وقد أعلن التحالف الالتزام" بمبادئ الحريّة والمسؤوليّة والتعدّديّة والتسامح واقتصاد السوق والدولة المدنيّة والتأكيد على فصل الدين عن السياسة، ودعم الإصلاحات الليبراليّة لضمان حياةٍ أفضلَ في ظلّ الحريّة والرخاء في العالم العربي".

ثالثًا: شرط التاريخ وتخومه

ليست التخوم الفاصلة والمحددة للعلاقة بين التيارات السياسيّة، إلا انعكاسًا لاشتراطات مرحلةٍ تاريخيّةٍ محدّدة، تتمثّل في حالتنا المتعينة في مرحلة التحرّر الوطنيّ، التي تنتظم في سياقها شعارات حركة التحرّر العربيّة (التحرير والوحدة والخروج من التبعية)، بما ينسلُّ عنها من شعاراتٍ وأهدافٍ تتعلّق بالديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. وتتلخّص القاعدة الضابطة لكلّ هذه الاشتراطات في توفّر الإرادة الجماعيّة الصلبّة، التي تستمدّ صلابتها من تجذّرها القوميّ والطبقيّ والتنظيميّ، الذي تقتضيه أية مرحلة تحرّرٍ وطنيٍّ في التاريخ، وهي مسألةٌ لا يمكن فصلها في الحالة العربية عن وضوح الهُويّة القومية ببعدها الديني والفكري والحضاري، وعن الفعل النضالي المتعين بأدواته التنظيمية وقواه الفاعلة، ارتباطًا بالقضيّة الفلسطينيّة ومسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني. إنّ المعالجة الخاطئة لأيٍّ من هذه القضايا ستقود بالضرورة إلى الاصطدام مع الغالبية الشعبية التي تشكّل اللحم الحي للإرادة الجماعيّة، وبالنتيجة بناء مواقفَ سياسيّةٍ وفكريّةٍ متناقضةٍ مع اشتراطات المرحلة التاريخيّة.

على ضوء ما تقدّم، فإنّ مستقبل العلاقة بين اليسار والليبراليّة العربيّة ليس رهين الإرادة الذاتيّة، بقدر ما هو إفرازٌ موضوعيٌّ يتعلّق بمدى قرب أو بعد أي منهما من تلك الاشتراطات، خاصّةً وأنّ الطرف الأكثر تعبيرًا في مواقفِهِ عن تلك الاشتراطات، يصبحُ هو المعنيّ بضبط نسقِ تلك العلاقة وليس العكس. وفي سياق هذا التصوّر تبرزُ عديدُ القضايا التي تحتاج إلى وضوحِ موقفٍ وهي:

1 ـــ القضيّةُ الفلسطينيّة: وهي مسألةٌ ذات شقّين يتبدّى الأوّل في الموقف من نضال الشعب الفلسطينيّ، أدواته وقواه وآليّاته ومنتهاه. في حين يتبدّى الثاني في الموقف من العدوّ الصهيونيّ ومستوى التناقض معه. وتتجلّى جدليّةُ العلاقة بين المسألتين في أنّ كلَّ تهاونٍ في جانبٍ يقود إلى تهاونٍ في الجانب الآخر، فالتهاونُ في دعم نضال الشعب الفلسطيني، يترتّب عليه الاستعدادُ للتطبيع مع الكيان الصهيونيّ بغض النظر إن كان التطبيعُ آجلًا أم عاجلًا، والاستعدادُ للتطبيع يقود إلى التهاون في دعم نضال الشعب الفلسطينيّ، بما يترتّب على كلّ ذلك من تناقضٍ مع أوسع كتلةٍ جماهيريّةٍ تشكّل القضيّة الفلسطينيّة سدى ضميرها ووجدانها العميق، بالرغم من كلّ المحاولات التي تبذلها القوى المعادية لتزييف هذه الحقيقة.

2 ــ الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة: إنّ رفع شعار تحقيق الديمقراطية على أهميته ليس شعارًا مجرّدًا، ذلك أنّ كلَّ منجزٍ ديمقراطيٍّ يبقى ناقصًا ومهدّدًا، ما لم يتمّ تسويره بالعدالة الاجتماعيّة، التي توفّر القاعدة الجماهيريّة الأوسع القادرة على الدفاع عن منجزها الديمقراطي وتطويره، بما يعنيه لك من أنّ شجرة الديمقراطيّة تنمو على قاعدة المشاركة الشعبيّة والعدالة الاجتماعيّة، وليس في أرض بور. وفي السياق هذا تبرز الحقوق الفرديّة عندما تطرح على قاعدة عدم التناقض مع الهُويّة ببعدها الجمعيّ والجماعيّ، كآليات تحفيزِ المشاركة الشعبية وتعزيزها، وتعزيز الإرادة الجماعيّة وليس تفتيتًا لها.

3 ــ الموقفُ من الدين: إنّ الصراع مع قوى الإسلام السياسيّ يجب ألا يتحوّل إلى استهدافٍ للدين تصريحًا أو تلميحًا إعلانًا أو استبطانًا، بما يترتّب على ذلك من دخولٍ في مواجهاتٍ عبثيّةٍ ومعاركَ مفتعلة، لا يستفيد منها إلا تلك القوى في تحشيد الناس من حولها. إنّ الصراعَ الحقيقيّ والمنتج يجب أن يدور حول البرامج ومدى الإيفاء باشتراطات مرحلة التحرّر الوطنيّ وتلبية احتياجات الناس الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

4 ــ التحرّر من التبعيّة: إنّ الديمقراطيّة لا يمكن تكون رهانًا على قوى خارجيّةٍ، واستجلابًا لتدخّل قوى استعماريّةٍ بحجّة القضاء على استبدادٍ داخليّ، بما يعنيه ذلك من خطأ وخطيئة التعامل مع القوى الخارجيّة والاستقواء بها من أجل إحداثِ تغييراتٍ داخليّة، لأنّها لن تقوم بهذا الدور إلا لصالحها، ومن أجل تثبيت مصالحها وحمايتها التي تتصادم بالضرورة مع أهداف الشعوب العربيّة وتطلّعاتها.

رابعًا: احتمالاتُ المستقبلِ، التحالفُ أم المواجهة؟

تشكّل القضايا المشار إليها ضابطًا مستقبليًّا لنوعية العلاقة التي يمكن أن تقوم بين الطرفين، وذلك ارتباطًا بالمسافة التي يقفها كلٌّ منهما من تلك القضايا، لكن ذلك يحتاج إلى قوّةٍ ضابطةٍ وموجّهة، ومن المنطقي أن يكون اليسارُ هو المرشّح لذلك، أوّلًا بسببِ تشكّله التاريخيّ الذي ارتبطَ بالمرحلةِ التاريخيّة، وثانيًا لأنَّ الليبراليّة العربيّة في صيغتها المعاصرة ولدت في سياقٍ نقيضٍ لأهداف المرحلة، نتيجةً لارتباطِها بالموجةِ الليبراليّة الجديدة، وهذا لا ينفي أنّ أيًّا من الطرفين لا يشكّلُ كتلةً واحدة، حيث تتباينُ المواقفُ وتختلفُ حولَ هذه القضيّةِ أو تلك، وارتباطًا بهذهِ المسألةِ تبرزُ حقيقتينِ هما:

1ــ إنّ قدرة اليسار على أداء الدور المرهون به يبقى رهينَ مراجعاتٍ شاملة، خاصّةً أنّ أغلب - إن لم يكن كلها - تلك القوى تعاني حالةَ تراجعٍ وتشرذمٍ وارتباكٍ إلى حدِّ أنّ بعضَ التحليلات تخرجها من ساحة الفعل المؤثّر في الواقع السياسيّ الجاري. وقد وصلت حالةُ الارتباك إلى حدِّ اتّخاذِ بعض اليسار العربيّ منحى ليبراليّ فجّ، خاصّةً في ظلّ نهوض الحركات الإسلاميّة، وحصر الصراع مع الغرب في الجانب السياسيّ دون الصراع الحضاريّ بما يعنيه من قَبولٍ بقيمه.

2ــ إنّ منصّاتٍ إعلاميّةً عربيّةً مملوكةً لقوى رجعيّةٍ واستبداديّةٍ ومعاديةٍ لحقوق الإنسان؛ فتحت أبوابها لكثيرٍ من الليبراليين - وأغلقتها على غيرهم - الذين استغلوا ذلك في الهجوم على كلّ من لا يقول بقولهم في الساحة العربيّة، فرموا القوميّ بالشوفينيّة واليساري الماركسي بالستالينيّة، ولم يسلم أي رمزٍ من رموز الأمّة من سهامهم، كما دأبوا على بثّ خطابٍ تفكيكيٍّ للمجتمعات وللهُويّات.

هاتانِ الحقيقتانِ في اشتغالهما يقودانِ إلى علاقةٍ مرتبكةٍ ومضطربة، ذلك أنّ الطرفَ اليساريَّ وبحكمِ واقعِهِ المتعيّن غيرُ قادرٍ على أن يشكّل قوّةَ ضبطٍ حقيقيّة، تفرضُ قطيعةً أم اتّصالًا ولأهدافٍ واضحةٍ ومحدّدة. أمّا الليبراليُّ فيعبّرُ في كلِّ لحظةٍ عن إصرارِهِ في جني ثمارِ اللحظة، وغيرِ مهتمٍّ بالجماهير الشعبيّة على مستوى قيمها، وبالنتيجة على مستوى معيشتها، ومستوى طريقة إدارة حياتها حتّى لو ادّعى غير ذلك، باستثناءاتٍ قليلةٍ من بين صفوفِه، ذلك يُبقي المجالَ مفتوحًا لتقدّم طرفٍ ثالث، بما يترتّب على ذلك من بقاءِ البابِ مواربًا بين الطرفين.