بعد يومين فقط من الحملة الإرهابية على العاصمة الفرنسية "باريس" شنت الطائرات الفرنسية غارات على مدينة الرقة السورية، المعقل الرئيسي "لداعش" وتم تدمير عدة أهداف من بينها موقع قيادة ومستودع أسلحة ومركز لتجنيد المقاتلين، من خلال 12 طائرة شاركت في هذه الغارات وأسقطت 20 قنبلة موجهة إلى المواقع المستهدفة.
يمكنني فهم هذا الخبر، باعتباره محاولة فرنسية انتقامية سريعة على أحداث باريس الإرهابية، إلاّ أن سياقاً لا بد من ملاحظته في هذا الخبر، غير العادي والذي يتجاوز الانتقام ورد الفعل، ذلك أن هذه الأهداف التي استهدفتها الغارات الفرنسية، كانت معروفة لفرنسا، كما هي معروفة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، غير أن هذا التحالف أعرض في واقع الأمر عن ضرب مرتكزات "داعش" العسكرية، مستمراً في حملته التشكيلية ذراً للرماد في العيون، وعلى الأغلب أن هذه السياسة ذات الطابع الاستراتيجي، تندرج تحت أهم مقولات عرّاب السياسية الأمريكية، هنري كيسنجر، الذي يقول أنه ليس على الولايات المتحدة وكذلك الحلفاء بذل جهود حثيثة لإنهاء الصراعات، بل على هذا التحالف، إدارة الصراع فقط، وذلك لأن الإبقاء على هذه الصراعات يصب في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها.
والخبر المتعلق برد الفعل الفرنسي العسكري على الحملة الإرهابية على باريس، يعيدنا أيضاً، إلى خبر سابق في سياق تعليق أدلى به أحد قادة التحالف الدولي العسكريين مع الأيام الأولى لقصف روسيا لعدة مواقع في سوريا، قال التعليق أن الغارات الروسية لم تستهدف مواقع لداعش تقع بجانب المواقع التي أغارت عليها الطائرات الروسية!!
وإذا ما وصفنا هذا الخبر في سياقه، فإنه يشير إلى أن قوى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، تعلم وتعرف أين هي مواقع "داعش" لكنها لم تقم بمهاجمتها، فهي تقول، وفقاً للتعليق، إن المواقع معروفة لكن الغارات الروسية لم تستهدفها، وهو اتهام مربك لصاحبه الذي لم يقم بالفعل بمهاجمة هذه المواقع، إذا كان جاداً فعلاً بمحاربة الارهاب الداعشي، كما يدّعي.
وهذا يقودنا إلى صورة فيديو، انتشرت طوال الأسابيع الماضية، لمسيرة عسكرية داعشية، من سيارات نصف نقل تحمل رشاشات متوسطة وثقيلة، تجوب أحد الشوارع في صحراء ربما هي سورية، أو عراقية، بينما طائرة أباتشي أمريكية تبدو أنها تصاحبها، أو على الأقل على دراية بها، تعليق ناشر الصورة الفيديو، إن قوات داعش تتحرك بحرية وبشكل مكشوف، على مرأى من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ومع أن هناك العديد من الصور المتشابهة، إلاّ أن هذا الفيديو بات أحد البراهين الواضحة على أن التحالف الدولي، ليس معنياً بمواجهة فعالة مع الارهاب، بل إدارته وفقاً لمصالح دول التحالف، تمشياً مع مقولة هنري كيسنجر الشهيرة.
وكان البعض يعتقد أن الهجمة الارهابية على العاصمة الفرنسية، باتت كافية للضغط على الحكومات الغربية، لمراجعة سياساتها تجاه ما يجري في سوريا، وإن اللقاءات الثنائية بين القيادات الرئيسية، أثناء انعقاد قمة البريكس الاقتصادية في انطاليا التركية، ستستثمر ما جرى في باريس، لبدء عملية المراجعة، بما تعنيه هذه العملية في وقف إسناد القوى المتطرفة والإرهابية في سوريا، والضغط على الرجعيات العربية والخليجية خصوصاً، لوقف مد هذه القوى الإرهابية بكل عناصر الاستمرار من مال وسلاح، إلاّ أن شيئاً من ذلك لم يحدث، ما يشير إلى أن تمدد الإرهاب إلى عواصم دول الغرب، ليس كافياً لوضع سياسات فعالة لمواجهته وأن نظرية كيسنجر تبقى جوهر الاستراتيجية الغربية، ربما لزمن ليس بالقصير!!

