إن أي مقاربة لعنوان يتحدث عن اليسار الأوروبي كتب نصها بحروف عربية، وموجهة لجمهور الهدف، هي محاولة لنقاش واختبار مجموعة من الأفكار حول هذا العنوان ليس أكثر، ففي هذه المساحة لا موضع إلا لمقاربة تنطلق بالأساس من الرفض والعداء للإرث الاستعماري الأوروبي، كما للمركزية والهيمنة الغربية الرأسمالية بمختلف أبعادها، بما في ذلك في قراءة واقع كتلة أوروبية ما.
خمسة من دول الاتحاد الأوروبي فقط يحظى فيها اليسار ويسار الوسط الأوروبي حاليا بنصيب من السلطة، وهنا الحديث بالتأكيد عن أحزاب في معظمها كما في مواقفها سقف مواقفها الاشتراكية الديمقراطية المنضبطة لمعايير النظم الرأسمالية.
في المقابل فإن حكم أحزاب اليمين المحافظ ويمين الوسط هو المهيمن على معظم دول الاتحاد، في ظل صعود متزايد للحركات اليمينية الشعبوية وانزياحات خطيرة في موقف معظم أحزاب اليسار في القضايا الشاغلة للمزاج الأوروبي، وخصوصا قضية المهاجرين القادمين من المستعمرات السابقة ودول العالم المنهوبة غربيا.
تنسب قراءات عدة هذا التراجع لتغير كبير في الهيكل الاجتماعي والطبقي في البلدان الأوروبية خلال العقود الأخيرة وفشل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في التعامل مع هذه التغيرات، بما في ذلك التحولات في القواعد الداعمة تقليديا لهذه الأحزاب بما فيها الاتحادات العمالية والأطر النسوية والحقوقية. لقد تغير مفهوم العمل وشكله، وأيضا تغيرت أدوات العمل السياسي، وتطورت قدرات اليمين على الفرز وبناء أدوات التواصل تجاه شرائح بعينها بفضل ما توفره قواعد البيانات الهائلة من معلومات تفصيلية عن المصوتين وأوضاعهم وتوجهاتهم.
في البحث عن التفسير
تغفل التفسيرات السابقة على أهميتها معطيات أخرى هامة منها أن أحزاب اليمين الشعبوي محدودة الموارد تقنيا وماديا قد حققت تقدم كبير في مقابل تراجع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وأن جزء من المصوتين التقليديين لهذا النوع من اليسار لم تجتذبه أحزاب اليمين التقليدي بحيل تقنية قادمة من عالم تكنولوجيا المعلومات، ولكن بالأساس موقف يسار المنظومة الحاكمة من هذه الشرائح ودوره في الأسئلة التي يصوت الناخبين على أساسها.
خلال الأعوام الماضية وخصوصا بعد تدفق موجات اللاجئين الكبيرة في العام 2015 إلى أوروبا، شاركت أحزاب اليسار في جدل كانت تخسره يوميا، يتعلق بالموقف من الهجرة واللاجئين والضوابط الأوروبية بشأن استقبالهم والتعامل معهم، ومضت الحكومات الأوروبية، بما في ذلك تلك التي تشارك فيها أحزاب يسارية أو تقودها في ترتيبات تهدف في معظمها لمنع قدوم اللاجئين ووضع مخاطر وعقبات إضافية على طرق الهجرة والتهريب التي يسلكها هؤلاء، لقد اختارت هذه الأحزاب أن تجادل في مساحة ووفق شروط سيفوز فيها اليمين الأوروبي بكل تأكيد، وقدمت خطاب يدافع عن سياسات "متسامحة" مع اللاجئين لخلفيات حقوقية أو بحجج تتعلق بدور هؤلاء في تنشيط الاقتصاد الأوروبي، متجاهلة حقيقة قضية هؤلاء اللاجئين وأسباب تدفقهم لأوروبا.
الإرث الاستعماري وعمليات النهب المستمرة والتدخل العسكري والهيمنة السياسية ودعم الديكتاتوريات في دول هؤلاء اللاجئين أحالت حياتهم فعليا لأمر مستحيل ودفعتهم ولا زالت للمخاطرة بأرواحهم على أمل الحصول على فرصة لحياة ما أفضل، هذه المسؤولية التي يتم تجاهلها أوروبيا، فيصبح الجدل يتمحور حول قيمة حقوق الإنسان في مقابل حقوق أوروبيين بيض في دفع ضرائب أقل أو عدم تحمل المنافسة على الوظائف البسيطة مع المهاجرين الجدد.
في ضوء هذا النوع من الجدل الانتخابي، طبيعة السؤال المطروح كموضع لفرز توجهات المصوتين، يتشكل بفعل ميل لدى أحزاب اليسار لتجاهل دور الشركات الكبرى الأوروبية ومتعددة الجنسيات في عمليات النهب الجارية في بلدان الهجرة، كما في دور الميزان الضريبي المختل وقوانين العمل المجحفة في تخليق المعاناة لشريحة واسعة من الطبقات الدنيا في البلدان الأوروبية ذاتها، بدلا من ذلك تواصل هذه الأحزاب من موضعها داخل الحكومات أو في المعارضة مجاملة سياسات الهيمنة والنهب الأوروبية، والتدخلات العسكرية، فالسؤال الذي على المحك هل ستعمل هذه الأحزاب على مواجهة سياسات الشركات الكبرى؟ وهل ستقول لناخبيها المحتملين أن المسؤول عن إفقارهم -النسبي قياسا بأي شخص يعيش في جنوب الكرة الأرضية- هو هذه الشركات، وأن موجات اللاجئين لا تأتي من تلقاء ذاتها، بل بفعل هذه السياسات التي تتحمل هذه الأحزاب وانحيازاتها مسؤولية عنها الآن وتاريخيا؟
نحو التاريخ
إهمال السياق التاريخي لموقف هذه الأحزاب من سياسات دولها تجاه العالم، ومن المنظومة الرأسمالية يقود لمغالطات خطيرة يبدو أن "اليسار الديمقراطي" لا يدفع ثمنها وحده، وإذا كان الثمن الذي يدفعه هذا اليسار يتصل بموضعه في تقاسم السلطة في بلاده فهناك من يدفع ثمنها من الدم حول العالم.
ما زالت عديد من المراجع والمراجعات التاريخية تُؤثر تقريع جوزيف ستالين وزعماء الاتحاد السوفياتي السابق على موقفه من نزوع قوى اليسار الأوروبي نحو القبول بمعايير المنظومة الرأسمالية ومقولاتها حول الاشتراكية الديمقراطية، معتبرة أن ذلك شكل تعبير عن ميل من الحزب الشيوعي السوفياتي للهيمنة على هذه الأحزاب وسياساتها، وأن ذلك قد أضاع فرصة لخلق يسار موحد. المشكلة في هذا النوع من المقاربات أنها تتجاهل تحديدا أن الأمر لا يتعلق بتوحيد مجموعة من الشركات في شركة متعددة الجنسيات بل تحديدا في هزيمة الرأسمالية والانتصار للإنسانية، وأن لا معنى لتعريف هذا الحزب أو ذاك يسارا وفق موقفه من السياسة الضريبية في بلاده أو عدد ساعات العمل، فهذا لا يمكن فصله عن سياق عالمي أشمل، فما حدث أن هذه الأحزاب قد اختارت الانحياز ضد فرصة الإنسانية في هزيمة الهيمنة الرأسمالية، ولا زالت تفعل ذلك، ولا تظهر أي ميل لمراجعة تاريخها وواقعها بهذا الشأن.
المفارقة أنه في ظل غياب الاتحاد السوفياتي تحديدا تتراجع شعبية هذه الأحزاب، والأهم أن معظم المكتسبات التي حققتها الطبقة العاملة والشرائح المهمشة في أوروبا تتراجع على نحو مستمر منذ انهيار الخصم اللدود للرأسمالية الغربية، فيما تتواصل أدوار هذه الأحزاب في بناء سياساتها على ذات النحو.
في مفارقة أخرى يجب الإشارة إليها، فإن صعود القوى اليسارية الأوروبية للحكم داخل المنظومة الغربية ارتبط بتحول تاريخي في دور هذه الدول فرضته انتصارات حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث التي تعرضت للاستعمار، خسارة البرتغال لحربها ضد قوى التحرر الوطني في غينيا بيساو وأنجولا وموزمبيق، كانت شارة الموت لنظام سالازار بعد وفاته بفترة قصيرة، كما تكفل انتصار الثورة الجزائرية بإحداث تحولات هامة في المشهد السياسي الفرنسي فأسقطت الجمهورية الرابعة وسمحت بولادة الخامسة.
خاتمة
التواطؤ المستمر لعقود بين أجنحة المنظومة الرأسمالية في أوروبا سمح خلال السنوات الماضية بإغلاق الأبواب أمام فرص صعود قوى يسارية تتخذ مواقف جدية من أطراف منظومة النهب والهيمنة الرأسمالية، كما سمح بسحق تجربة حركة سييرا اليسارية في اليونان وإسقاطها من الحكم حينما حاولت فقط خوض مفاوضات عادلة بشأن ظروف حياة اليونانيين وآليات تسديدهم لديون بلادهم.
لكن بالذهاب لمفهوم أكثر واقعية لمفهوم اليسار، فإن هناك قوى أوروبية عدة تنحاز لخيار المواجهة مع الرأسمالية، فهناك شبكة واسعة من الأحزاب الصغيرة التي يجري تهميشها وحصار خطابها من الأدوات الإعلامية للمنظومة الرأسمالية، وسحق حضورها بفعل علاقات القوة داخل هذه المنظومة، كما أن مساحات التضامن مع حقوق الشعوب الضحية للاستعمار والهيمنة وحروب المنظومة الرأسمالية وسياساتها، لا تقتصر على التضامن الإنساني بمعناه الحقوقي الليبرالي، ولكن وبشكل أكبر تتشكل في هذه المساحة شبكات تؤمن بصلة مواقفها من هذه القضايا بمصير الأوروبيين ومستقبلهم وواقعهم، قوى ترى في مقاطعة الاحتلال الصهيوني مسار ضروري للنضال، ولا ترى في حزب العمل الصهيوني شريكا اشتراكيا لها، فيما تبني في قضايا "الداخل الأوروبي" مواقفها استنادا لانحياز واضح ضد علاقات الاستغلال.

