Menu

الحزبُ الشيوعيّ الصينيّ ذو الخصائصِ الكونفشيوسيّة: شهادة زائر

حمدي عبد العزيز

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد 33 من مجلة الهدف

الحزبُ الشيوعيُّ الصينيُّ ليس حزبًا بالمعنى المتداولِ في الديموقراطيّاتِ الغربيّة، وهذا طبيعيٌّ؛ لأنّ الصينَ خطت خطواتِها منذ ثورتِها خارجَ صندوقِ الديموقراطيّات الغربيّة... في الوقتِ نفسِهِ فالحزبُ الشيوعيّ الصينيّ ليس حزبًا شيوعيًّا تقليديًّا ينتمي لمدرسةِ الأحزابِ الشيوعيّةِ التي ألفناها، بالرغم من أنّه بُني على الأسسِ الماركسيّة ال لينين يّة.

الحزبُ الشيوعيُّ الصينيُّ يمثّلُ حالةً غيرَ مسبوقة، وغيرَ قابلةٍ للاستنساخِ في بلدٍ آخر، فهو حزبٌ يجمع بين استلهام الكونفشيوسيّة، والماركسيّة اللينينيّة، وأفكار ماو، ودينج شاو بينج، وأضاف عليها مؤخرًا أفكارَ تشي جين بينج حولَ الاشتراكيّةِ ذات الخصائص الصينيّة في العصر الحديث.

ولا يمكن التعرّفُ إلى التَّجرِبةِ الصينيّة، والوقوفُ على أسباب قفزتها الهائلة ومراحل تطورها، دون التطرّق إلى دور الحزب الشيوعيّ الصينيّ، لأنّه ببساطةٍ شديدةٍ هو صاحبُ الدور القياديّ الرئيسيّ في قصّةِ التّجرِبةِ الصينيّة، فهو أقربُ إلى الآلةِ الجهنميّة التي تقودُ حركةَ التنمية في الصين، وهو مؤسّسةٌ عملاقةٌ يحترمها الشعبُ الصينيّ كثيرًا، بل ونستطيع أن نطلق تعبير " يجلّها" على العلاقة بين الشعب والحزب هناك، وهذا ليس من فراغ، ولا يمكن تصوّر أنّ هذا أتى نتيجةً لسياسةِ الحديد والنار كما تردّدَ أو سيتخيّلُ البعضُ، وإلّا لثار الصينيّون عليه وطرحوه إلى موقعٍ أقربَ لهامشِ الحياة المجتمعيّة والسياسيّة كما حدث لأحزابٍ شيوعيّةٍ عديدةٍ في العالم، كانت لها سطوتُها وهيمنتُها على المجتمعِ والدولة ..

تستطيعُ أن تلمحَ في الصين أنّ هناكَ ثقةً مفعمةً بالمصداقيّة بين الناس والحزب في الصين، فالحزبُ هناك عبارةٌ عن كيانٍ كونفشيوسيٍّ كبير، ولا غرابةَ في ذلك؛ فأفكارُ كونفشيوس التي تقدسّها الغالبيةُ الساحقةُ للشعب الصينيّ تجسّد روحَ الأخلاق والنظام، والحزبُ الصينيّ يستلهمُ تجرِبتَهُ منها، ويحاول تجسيدَ هذهِ الروح في عمله، ومن المعتاد جدًّا أن تجد تمثالًا ضخمًا لكونفشيوس في ردهة أحد مقرّات الحزب الشيوعيّ الصيني، هذا فضلًا عن عنصر الصدق في تحديد الأهداف الممكنة التحقّق، والمناسبة للواقع، والبعد عن الشعاريّة ودغدغة العواطف، والتصارح الدائم، وتراكم ما تحقّق من منجزاتٍ وأهدافٍ وعد بها الحزبُ فحقّقها على أرض الواقع الملموس

والحزبُ هو الذي يحدّد الخططَ والبرامجَ المتعلّقةَ بالتنمية، ويشرفُ على إنجازها في كلّ المجالات، ويعملُ بشكلٍ هرميٍّ من حيثُ الأهدافُ الاستراتيجيّةُ العامةُ والإشرافُ والمحاسبة، وبشكلٍ شبكيٍّ من حيث ترجمة هذه الأهداف في الواقع العملي، وابتكار الأساليب والوسائل التي تحقّق التنفيذ الفعليّ لهذه الأهداف، والإشراف على تحقيقها في المدن والقرى والمقاطعات  ..

وهناك تقييمٌ لكلّ كادرٍ لا يتمّ على أساس الكفاءةِ الإيديولوجيّة، والمعارف السياسيّة، فهذا أمرٌ تأسيسيٌّ مفروغٌ منه، كالتعليم الأساسيّ، فهناك المدرسةُ الحزبيّةُ التي تتولّى تعليم الكادر، وتأهيله عدّةَ سنوات، ويحصلُ على تأهيلٍ منها، ثم يعودُ إليها بشكلٍ دوريٍّ حسبَ موقعِهِ، وتتطوّر قدراته لأسابيع، والدراسة في هذه المدرسة تصلُ إلى تحضير الماجستير أو الدكتوراه كدرجاتٍ علميّةٍ لكوادر الحزب ..أمّا التقييمُ الرئيسيُّ والفعليُّ لكادرِ الحزب، فهو أقربُ إلى محاسبةٍ تتمّ في نهايةِ كلِّ عامٍ لكلِّ كادرٍ مهما كان موقعه على أساس دوره في المهمة الأساسيّة للحزب، وهي تحسينُ مستوى معيشة الشعب، وفي تنفيذ خطط التنمية وإدارة شؤون مجتمعه، والتجارِب والابتكارات التي قدمها في هذه المجالات، التي يمكن أن تشكّل قصصَ نجاحٍ  يجري تعميمُها أو الاستلهام منها في بقيةِ أفرع الحزب، ويشكّل هذا أساسًا لتصعيد الكوادر للمستويات الأعلى داخل الحزب، وبالمناسبة، فإنّ عضويةَ الحزب والتصاعد في مستوياته لاتعطي أيّ تميزٍ أو وجاهةٍ لصاحبها، فالتواضعُ هو قيمةٌ أساسيةٌ لدى الشعبِ الصيني والحزب أيضًا.

 أمّا الإخفاق، فإنّه يقتضي التنزيل إلى المستويات الأدنى فالأدنى، وهناك أخطاء تستوجب المحاكمة الحزبيّة، وإنزال العقوبات، ومن بينها إرسالُ المذنب للعمل في مقاطعاتٍ وقرى نائية، على ألا يعود إلا بعد إثباتِ جدارةٍ ونجاح، وقد يقتضي الفصلُ والتحويلُ إلى المحاكمة الجنائيّة، مهما كان الموقع القياديّ للمخطئ، وهذا أعطى الحزبَ القدرةَ على تجديد نفسه وتحديثها أوّلًا بأوّل، بل واستطاع أن يكون كاسحةً ضخمةً لألغامِ الفساد، ورافعةً من روافع الحوكمة الإداريّة في الصين.

وخطاب الحزب لا يكابر أبدًا، فهو يعترفُ بالإخفاقات حين تقع، ويتحمّل مسئوليّاتها، ويشيرُ إلى التناقضات التي لم تحل في المجتمع، ففي الخطة الخماسية الثالثةَ عشرةَ اعترف الحزبُ بوجودِ فجواتٍ اجتماعيّةٍ لا بدّ من معالجتها ما بين مقاطعاتٍ ومقاطعاتٍ أخرى، وما بين الريف والحضر في المقاطعات التي امتدّت لها يدُ التحديث والتنمية، ولذلك وضع في خطّتِهِ هذهِ أولويةَ التنمية المتناسقة جغرافيًّا واجتماعيًّا.. وهو خطابٌ لا يحفل كثيرًا بالتأطيرات الأيديولوجيّة، ولا المناظرات النظريّة، هو دائمًا خطابٌ يميلُ إلى كونِهِ دليلَ عملٍ وتخطيطٍ ومتابعةٍ لتحقيق الأهداف، ولمواطن الإخفاق في تحقيقها ..ولذلك فالحزبُ الشيوعيّ الصينيّ الحاكمُ تحوّل إلى آلةٍ جهنميّةٍ جبارةٍ  تقود الدولة ومؤسّساتها، وفي الوقت نفسه تقود العمل المحليّ، والمبادرات الشعبيّة في سياقِ تحقيقِ التطوّر والإصلاح والتنمية.

وهو يقودُ القطاعات العامة المملوكة للدولة، والقطاعات المملوكة للتعاونيّات والقطاعات الخاصّة والقطاعات الأجنبيّة والقطاعات المشتركة، كمايسترو يقود أوركسترا متنوعةَ الآلات ومتعدّدةَ النغمات في سياقٍ هرمونيٍّ نحو هدفٍ أعمَّ، هو تحقيقُ خطّةِ التنمية، وهو يمكنُ تصوّرُهُ أيضًا كرجلِ أعمالٍ أكبرَ يشرفُ على قطاعات العمل ورجال الأعمال والمستثمرين، بحيث يمكن جدًّا أن يرى الزائرُ في أيِّ مقرِ شركةِ قطاعٍ عام أو خاص أو مشترك أو تعاوني،  مكتبًا لمسؤول متابعة الحزب، بل وأن المستثمرين الأجانب يعرفون هذه الحقائق جيّدًاً ويتعاملون معها ومع الشروط التي تضعها الحكومةُ الصينيّةُ ممثّلةً للحزب، وهم يقبلون بهذهِ الشروط وغيرها، التي تكفل أن تعود أعمالهم على خدمة أهداف الحزب الشيوعيّ الصينيّ في التنمية والتحديث، ونقل التكنولوجيا وما يتعلّق بها من خبراتٍ إلى الصينيّين؛ لأنّهم يدركون جيّدًا أنّهم يتعاملون في أوسعِ أسواق العالم (مليار وأربعمائة مليون نسمة) ويتحصّلون على فرص أعمالٍ في مصنع العالم، ومنطقة إبداعاته الاقتصاديّة  الحيويّة الآن، وهذه حوافزُ لا يمكن التحصّلُ على مثل حجمها في أسواق بلدانهم أو حتى في أسواقٍ أخرى، وهذا جزءٌ مهمٌّ من خصائص التَّجرِبةِ الصينيّةِ نختلفُ حولَهُ أو نتفقُ فهذا ليس إلا محاولةَ تقريرِ واقع، ومن واقعِ المعاينة والمشاهدة المباشرة لتجرِبةٍ غيرِ قابلةٍ للاستنساخ في بلدٍ رفض مبدأ استنساخ التجارِب، واعتمد على خصائصِهِ الذاتيّة، وانطلق بها نحو التطوّر المتعدّد المراحل، والسرعات إلى أن وصلَ إلى ما يشهدُهُ له الناسُ في أنحاءِ المسكونة.