رغم ما أصاب الكيان الصهيوني من حمى الجنون والفزع أمام إبداعات الشباب الثائر وابتكاراته اليوميه التي حولت أدوات بسيطة لأسلحة أعادت توازن الرعب مع جنوده وقطعان مستوطنيه، ليعقد أكثر من 15 إجتماع لمجلسه الأمني المصغر ويستصدر عشرات القوانين لمواجهة هذه الثورة، إضافة لما يمارسه من إجرام وهمجيه لاستعادة التوازن المفقود .
يُترك جموع الشباب الثائر في مدن الضفة وغزة و فلسطين التاريخيه وحيداً بالميدان، ليزداد توجسه المحق والمبرر على خطوطه الأمامية، غير مطمئن وآمن على جبهته الداخلية، وبقدر كبير من الشك والريبة في كفاءة ونزاهة ومقدرة القيادة الفلسطينيه على إدارة الصراع بعيداً عن التفرد والهيمنة و الفوضوية، والاستحواذ والمساومات الماليه والسياسية التي كانت سبباً رئيسياً للهدر والإضاعة التي تعرضت لها الانتفاضة الأولى دون أن تحقق أهدافها التي انطلقت لأجلها.
فهؤلاء الشباب لم يَغفلوا للحظة عن الاختراقات الكبيرة التي حققها هذا الكيان المسخ في مراكز متنفذة في بنية القيادة والمشهد السياسي الفلسطيني، أو تلك المركز التي أنتجتها اتفاقات أوسلو وملحقاتها الأمنية والاقتصادية وارتبطت عضوياً واقتصاديا بهذا الكيان واحتلاله المقيت .
فالشباب اليوم لديهم علاقة مشوبة بقدر كبير من الازدواجية ما بين ما تفرضه الحاجه ومتطلبات الاستمرار والتنظيم لهذه الثورة، مقابل تصورهم لأحوال ونوعية القيادة الحالية ورجالاتها وصبيان السلطة، وفي هذا السياق يدركون بأن هذه الانتفاضة جاءت لتفاجئهم في الكثير من المواقع وتقطع طريق الصراع على السلطة ومغانمها.
مدركين جيداً أن هذه القيادة وعلى اختلاف انتماءاتها السياسيه والفكرية تحاول استخدام ثورتهم- التي لم يكن بامكانها القفز عنها- في المناورات الداخليه بأكثر مما يساندونها.
كذلك ما يبدو من طرف تلك القيادة المنقسمة على ذاتها التي تقف لتتغنى ببطولاتهم وتمجد تضحياتهم، انها ما زالت تعيش نوع من الصدمة والخشية من أن يتجاوزها الشباب فيختار قيادته الموحده كما اختار زمان ومكان ثورته.
ونتيجة لما سبق فإن العلاقة ما بين المنتفضين في الميدان والقيادة اتخذت طابعاً لا يطمئن به جانب للآخر وكانت سمتها الأساسيه عمليه مستمرة من المداورة والالتفاف وكسب الوقت، دون أن تدرك القياده بأن فترة السماح التي لديها محدودة وآخذه بالنفاذ وأن عليها التحرك وبسرعة ودون تلكؤ لتأخذ دورها المطلوب بدءً من إعادة بناء جسور الثقة مع المنتفضين في الميدان عبر تطهير المراكز القيادية من كل مراكز القوى التي ارتبطت مصلحيا بالاحتلال، لتقوم بدورها في الشراكة الميدانية مع المنتفضين وادارة المعركة سياسيا.
خصوصاً أننا أمام أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة السيوله تنبئ بتغيرات واسعة النطاق على مستوى العالم وعلى مستوى المنطقة العربية خصوصا، فوجودنا اليوم محاط بمناخ أشاعته الأوضاع الفوضوية التي تعيشها مجتمعاتنا العربيه مظهرها الأساسي تقسيم المقسم وتفتيت المفتت، لترسم حدود جديدة تقوم على أساس مذهبي وعرقي وديني يحاول العدو إستثمارها سواء عبر التمترس خلف "يهودية الدولة" أو عبر ممارسة أبشع صور الإعدام بدم بارد، بهدف استحضار مخططات الترانسفير الجماعي الذي دفنته الجماهير العربيه في هبة يوم الأرض الخالد، وستجهز على عظامه ثورة وانتفاضة الشباب الفلسطيني على طول الوطن وعرضه.
وحتى لا يترك الثوار المنتفضين بتدبير مقصود، او بفعل الظروف المحيطة، للوحش الطائفي الذي نشأ تحت الأرض وراح يمارس نشاطه العلني على شاشات التلفاز وفي حروب الوكالة،
وحتى نقطع الطريق على خطوط الاتصال التي بدأت تتقدم نجو جموع الشباب الثائر وبأسماء ومسميات مختلفة ومتعددة لا نظنها إلا هادفة للالتفاف على ثورة الشباب وبعثرتها لصالح أجندة لا زالت تغذي الاحتراب الطائفي والديني بالمنطقة العربية، في محاوله منها لحرف البوصلة التي أعادها الشباب المنتفضين بدمائهم وتضحياتهم لوجهتها الحقيقية
على تلك القيادة أن تتحرك وتحث الخطى للحاق بثورة الشباب وتوفير الحماية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهم وللمدن والقرى التي شكلت خطوط تماس واشتباك متقدمه مع العدو وقطعان مستوطنيه.

