أصدرت السلطة الفلسطينية مؤخرا دعوة لعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم السادس من شباط/فبراير المقبل: “لمناقشة الأوضاع التي تهم الساحة الفلسطينية والتصدي لما تتعرض له القضية الفلسطينية من هجمة استعمارية شرسة، ولتعزيز الوحدة الفلسطينية، وتفعيل دور مؤسسات ودوائر منظمة التحرير، بما يعزز دور هيئاتها ودوائرها، ومن أجل تمتين الوضع الداخلي وتعزيز صمود شعبنا، ولمجابهة محاولات الاحتلال الإسرائيلي المتسارعة تنفيذ مشروعه الاستيطاني، خاصة في مدينة القدس ، وتنكره لقرارات الشرعية الدولية كافة ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية”.
لقد اخترنا اقتباس الفقرة الكاملة التي سيقوم المجلس المركزي في اجتماع يستمر يوما أو بعض يوم، ببحث كل هذه المهمات العظيمة التي اكتشفت مرة واحدة، وبات من الضروري عقد اجتماع تاريخي للمجلس المركزي للتعامل معها جميعا. ومن تعداد أسباب عقد الاجتماع التاريخي، كما جاء في الدعوة، يتبين بكل وضوح أن القضية الفلسطينية تتعرض لهجمة استعمارية، وأن الوحدة الوطنية مخلخلة وبحاجة إلى تعزيز، وأن مؤسسات ودوائر منظمة التحرير غير فعالة وبحاجة إلى تفعيل، وأن الوضع الداخلي مترهل وبحاجة إلى تمتين، وأن صمود شعبنا أصابه وهن وبحاجة إلى تعزيز لمجابهة الاحتلال ومحاولات (فقط – محاولات) تنفيذ مشاريعه الاستيطانية، خاصة في القدس، وكذلك ضرورة التصدي لتهرب إسرائيل وتنصلها من قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. وكان الله في عون المجتمعين.
المجلس المركزي بين الواقع والطموح
المجلس المركزي هو الحلقة الوسطى بين المجلس الوطني (البرلمان) واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، يعمل أساسا على مراقبة أعضاء اللجنة التنفيذية وأدائها في تنفيذ قرارات المجلس الوطني، بين الدورة السابقة والدورة اللاحقة. ومن مسؤولياته الاطلاع على حسن سير عمل دوائر المنظمة، وتقديم التوصيات اللازمة بذلك إلى اللجنة التنفيذية، لاتخاذ إجراءات تنفيذية لتفعيل تلك الدائرة أو الجهاز.. هو ليس صانع سياسة ولا جهازا تنفيذيا، بل جهاز رقابة ومتابعة وتحذير وتأكيد على سياسة مقرة أصلا من المجلس. هو الجزء والمجلس الوطني الكل، ولا يجوز قانونيا أن يصادر الجهازُ الأصغر دورَ الجهاز الأكبر الذي أفرزه.
يتكون المجلس المركزي من أعضاء اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني ومجموعة صغيرة من أعضاء المجلس الوطني، تمثل أطياف المجلس كافة من فصائل واتحادات ونقابات، إضافة إلى بعض الشخصيات الوازنة المستقلة. ويكون العدد الإجمالي يساوي على الأقل ضعفي عدد أعضاء اللجنة التنفيذية. أنشئ المجلس المركزي عام 1973 بعدد قليل لا يزيد عن 32 شخصا، وبقي العدد يرتفع في ظل تباعد جلسات المجلس الوطني، ووصل العدد (بقدرة قادر) إلى 120 لغاية 2015 عندما عقد آخر جلسة، طالب فيها اللجنة التنفيذية بوقف التنسيق الأمني. كيف ولماذا وما هو الهدف من هذا التوسيع؟ أسئلة يمكن الإجابة عنها تحليلا لا يقينا. ومن بين المهمات التي نص عليها النظام الأساسي للمجلس المركزي:
– يجب أن تكون قرارات المجلس المركزي منسجمة مع الميثاق الوطني والنظام الأساسي وقرارات المجلس الوطني، وتتولى اللجنة التنفيذية تنفيذ قرارات المجلس المركزي.
– يحق للمجلس المركزي تجميد أو تعليق عضوية أي عضو أو تنظيم، واتخاذ أي عقوبة بشأنه على أن يعرض الأمر على المجلس الوطني، في أول دورة لانعقاده.
هذه مقدمة توضيحية لتنبيه القراء والمتابعين إلى أن الاجتماع المقبل للمجلس المركزي ليس معنيا بكل هذه المهمات، بل سيتخذ قرارات خطيرة مخالفة للميثاق والنظام الأساسي، وقرارات المجلس الوطني. الهدف من الاجتماع تكريس القيادة الفردية المطلقة للرئيس محمود عباس ، وتعيين حسين الشيخ عضوا عن حركة فتح في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في منصب أمين سر اللجنة، المنصب الذي كان يشغله المرحوم صائب عريقات، وإقرار تعيين عزام الأحمد في اللجنة التنفيذية، ثم تعيين روحي فتوح رئيسا للمجلس الوطني الفلسطيني بديلا لسليم الزعنون. وهذه التعيينات من اختصاص المجلس الوطني، وليس من الحلقة الأصغر المنبثقة عن المجلس، فالمجلس المركزي لم يكن أبدا مفوضاً بذلك.
وحسب تقرير مطول في صحيفة “الجيروساليم بوست” يوم 25 من هذا الشهر تحت عنوان “الرجل الذي يمكن أن يصبح رئيسا للسلطة الفلسطينية” فإن هذا التعيين مقدمة لتسلم حسين الشيخ مسؤول التنسيق الأمني منذ عام 2007، منصب أمين سر اللجنة التنفيذية، أي الرجل الثاني مباشرة بعد رئيس اللجنة الذي هو عباس. وهذا التعيين يفسر قيام محمود عباس في العام الماضي، بتهميش جبريل الرجوب، الذي قاد محاولة التصالح مع حماس، ومحمود العالول، نائب رئيس حركة فتح، الذي يحظي بالكثير من الاحترام داخل حركة فتح وخارجها، وقرّب منه حسين الشيخ وماجد فرج مسؤول المخابرات، ولم يعد يتحرك، من دون أن يكون الرجلان ملازمين له كظله. إذن هناك ترتيب حثيث لخلافة عباس ليكون الانتقال هادئا ومريحا لمجموعة التنسيق الأمني، والرافضين لكل أنواع المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، وغير المعنيين بالمصالحة الوطنية.
هذه القرارات الفردية تأتي لتنهي أي دور لعمل المؤسسات الفلسطينية، بعد أن تم إلغاء المجلس التشريعي وتهميش المجلس الوطني، وتحويل حركة فتح إلى حزب القائد، يسيطر عليه فرد واحد أحد، وإنهاء أي دور لمنظمة التحرير الفلسطينية وتحويل لجنتها التنفيذية إلى “ختم مطاطي” في يد شيخ القبيلة. وحسب تقرير الصحيفة الإسرائيلية، فإن هذه الأسماء قد تحظى بتأييد كبير من الإدارتين الإسرائيلية والأمريكية، ولكن لا أحد يسأل ماذا يريد الشعب الفلسطيني؟
الوضع الراهن
تأتي هذه التوجهات الانفرادية الخطيرة، في الوقت الذي يتعرض فيه ما تبقى من أرض فلسطينية لأوسع مشاريع الاستيطان ومصادرة الأراضي والاستيلاء على الموارد الطبيعية، ومحاولة تصفية حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية الثابتة، وتصعيد العنف والقتل والاعتداءات اليومية على كل أرض فلسطين وبشكل غير مسبوق، خاصة في القدس، وتعزيز الحصار على غزة برا وبحرا وجوا. إن تمادي ممارسات الحركة الصهيونية هذه، لا يمكن أن تكون بهذه الحدة لولا أن الوضع على الساحة الفلسطينية قد وصل ذروة انهياره على مستوى السلطة والمنظمة والانخراط الرسمي الفلسطيني في أوهام أوسلو، والتجاوب الفعلي الآن مع “سلطة الحكم الذاتي” إضافة إلى التفكك العربي الرسمي وتوسع دائرة التطبيع وانشغال العديد من الدول في قضاياها الداخلية. ومن هنا لا بد للقوى الوطنية من فصائل وأحزاب ونقابات ومجتمع مدني ومثقفين وقيادات فكرية وقانونية، العمل على وضع استراتيجية تصون وحدة الشعب الفلسطيني وحقه الثابت في النضال والتحرر من قيود سلطة أوسلو القائمة، ثم الانتقال إلى مهمة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، على أسس ديمقراطية تعددية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة، وكحامل للمشروع الوطني الفلسطيني القائم على التحرير ووحدة الأرض ووحدة الشعب ووحدة الهدف.
ونرى من وجهة نظرنا أن هناك ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل تقوم أساسا على إطلاق حوار وطني شامل بين أبناء الشعب الفلسطيني في كل مكان، يقوم على أساس الثوابت التالية:
- ضرورة إلغاء أوسلو وكل ما يمثله وتصفية تركته، خاصة ضرورة وقف التنسيق الأمني؛
إعادة الاعتبار والتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كأداة توحيدية للنضال الوطني الفلسطيني والحاملة للمشروع الوطني التحرري، ودفعها للقيام بدورها في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في التحرر، وتقرير المصير والعودة والاستقلال الوطني على أرض فلسطين التاريخية، ومواجهة الكيان الصهيوني العنصري الاستعماري ضمن جبهة وطنية موحدة بكل الوسائل المتاحة.
ـ ضرورة الضغط باتجاه انتخاب مجلس وطني جديد يمثل الشعب الفلسطيني في شتى بقاع الأرض، الذي بدوره ينتخب قيادة وطنية جديدة تمثل كل الشعب الفلسطيني في كل مكان. قيادة تعمل على توحيد آليات النضال تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية وفي الشتات، وفق استراتيجية تحررية تحمي وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية الثابتة، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني الذي تجسد في ميثاق المنظمة.
الوضع الفلسطيني وصل مرحلة دقيقة وحاسمة، فإما أن يقف ويتصدى ويفرض إرادته، وإلا فصفقة القرن التي يتم تنفيذها على الأرض الآن ستصل إلى نهايتها السعيدة بأيد فلسطينية وعربية.

