تسودُ المنطقةَ العربيّةَ، موجّةٌ مقلقةٌ جدًّا من الاضطرابات والتوتّرات والانهيارات والانقسامات، وحالةٌ من احتدام الصراع الدوليّ - الإقليميّ في المنطقة وعليها. بعد ما آلت إليه الثوراتُ والانتفاضاتُ الشعبيّةُ العربيّة، وبعد محاولة الإمبرياليّة الأميركيّة تمرير" صفقة القرن" وتوليد منظّماتٍ إرهابيّةٍ " أسلمجية"، وبعد التحاق الرجعيّة العربيّة بعمليّة التطبيع مع الكيان الصهيوني، واشتداد صراع "الهلالين" الطائفي في المنطقة.
المشهد الحاضر، يستأهل من اليسار العربي التوقّف عنده بهدوءٍ ورويّة، لتلمّس موقعه ودوره ووظيفته في الظرف الراهن والمستقبل. والأهمّ، من وجهة نظري، أن يخلص إلى إيقاظ مارده الثوري.
أولى موجباتِ الأمر، هو مقاربةٌ فكريّةٌ معمّقةٌ تنطلق أساسًا من المستجدّات الحاصلة في بنية الرأسماليّة المعاصرة وأزمتها الحاليّة، ومن المتغيّرات في موازين القوى على المستوى العالمي.
ثاني هذهِ الموجبات، مهمّةُ التصدّي بروحٍ نقديّةٍ للتشوّهات الفكريّة والعمليّة كافّةً، التي لحقت بالماركسيّة والحركة الشيوعيّة، وما أدّت إليه من اختلال في البناء الاشتراكيّ على الأصعدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والحقوق الإنسانيّة. هذه الموجباتُ تسهمُ في استعادة روح المنهجيّة الماركسيّة - الماديّة الديالكتيكيّة والتاريخيّة - لاكتشاف القانون العام، الموضوعي، لتطوّر بلداننا، تحت تأثير المستجدّات الحاصلة في الرأسماليّة المعاصرة. فدونَ هذا المنهج لا مجال، في أي حالٍ من الأحوال، لصياغة استراتيجيّةٍ واقعيّةٍ ثوريّةٍ للخروج من الأزمة، والدخول إلى قلب ميادين العمل الوطنية والسياسية والاجتماعية.
ما زالت الرأسماليّةُ تتحرّك، في عهد النظام العالمي الجديد (العولمة)، تحت تأثير تناقضها الأساسي الذي اكتشفه ماركس! فإذا كانت الثورةُ العلميّة - التكنولوجية، قد أحدثت إنجازاتٍ كبيرةً للسيطرة على الطبيعة وتحويلها لمصلحة الإنسان والمجتمع، فإنّ هذه المنجزات بقيت تسخّر لصالح طغمة الاحتكارات الكبرى، وتعطيها قوّةً هجوميّةً هائلةً زادت من عدوانيتها على الشعوب؛ لأنّها تجري في إطار النظام الرأسمالي، وإنْ كانت قد أدّت، في الوقت نفسه، إلى تعميق تناقضها الأساسي، البنيوي، إلى حدوده القصوى.
هذا الواقع، إذ يؤكّد حتميّةَ أزمات الرأسماليّة، لكن مع دوريّةِ تكرارها يضفي عليها سماتٍ جديدة، من حيث مدى عمقها وشموليّتها القطاعيّة والجغرافيّة. هذا أدّى إلى اتّخاذ الأزمة الاقتصاديّة الأخيرة طبيعةً سياسيّةً مباشرة، تجلّت في انكشاف فشل النيوليبراليّة والاضطرار إلى تدخّل الدولة المباشر، وإلى إنشاء مجموعة العشرين.. هذه التغيّرات النوعيّة فرضت بناءَ علاقاتٍ دوليّةٍ جديدةٍ على الصعيدين؛ الاقتصادي والسياسي، وإجراء تعديلاتٍ في نظام تقسيم العمل الدولي الحالي، لاستيعاب تداعيات الأزمة عبرَ توسيع السوق في البلدان النامية، ومحاولة تكييف هذه البلدان بسبب تخلّفها الاقتصاديّ لتحقيق الغاية، مع ما يتطلّب هذا التكيف من إزالة العقبات والعراقيل كافةً أمامَ هذه الاستراتيجية، وَفْقَ مشاريعَ وخططٍ تكتيكيّةٍ تتلاءمُ والسماتِ المميّزةَ لتركيبات الهياكل الاقتصاديّةِ والسياسيّةِ والتكويناتِ الاجتماعيّةِ لكلّ مجتمعٍ محدّدٍ بعينه، ووفق الدور المحدد أو المفترض له لإشغاله في نظام تقسيم العمل العالمي الجديد، حيث تلجأ الرأسمالية المعولمة لاستخدام جميع وسائل الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني لتسهيل مخططها وفرضه بالقوة، أو بالتحايل والتضليل واللعب على عواطف الفقراء ومعاناتهم، والظهور بصورة "سوبر مان" المنقذ لوجعهم وحياتهم، ورمي بعض فتات المساعدات من خلال المنح البسيطة من البنك الدولي أو تشجيع القروض، ومن ثَمَّ تكديس الديون من صندوق النقد الدوليّ بغرض إغراقها، وفرض شروط التبعيّة الجديدة بالكامل. وعليه، يمكنُ وضعُ الاستنتاج الآتي:
إنّ الاستراتيجيّة الرأسمالية المتبعة إزاءَ بلدان منطقتنا العربية تكتسي طابعًا هجوميًّا على جميع الجبهات السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة والروحيّة والثقافيّة والتربويّة.. في آنٍ واحد، وهذا يضفي على حركة اليسار العربية طبيعةَ عملٍ تتميّز بتداخلِ مرحلةِ استكمال التحرير، وإنجاز الاستقلال الوطني السياسي والاقتصادي مع حركة التحويل الاجتماعي (الاشتراكية) في عمليّةٍ سياسيّةٍ - اجتماعيّةٍ ديموقراطيّةٍ ثوريّةٍ واحدةٍ متصاعدةٍ لتهيئة إنضاج الشروط الماديّة والعمليّة، التي تضمن سيرورة التحويل وتوفّر له الحماية اللاحقة، بما في ذلك، خوض المعركة الأيديولوجيّة والسياسيّة ضدّ أيديولوجيا الرأسماليّة المعولمة التي تغًلف هجومها بشعارات "الديموقراطيّة وحقوق الإنسان"، وهي سماتٌ تفتقدها شعوبُنا العربيّة في ظلّ أنظمة الحكم المسيطرة الرجعيّة والكولونياليّة، التي تفرض بالحديد والنار واقعَ الاستغلال والظلم والنهب والفساد. لكن على أهميّة هذه القضايا الأساسيّة المطلوبة، إلا أنّ هذه الأطروحات المضلّلة تصبّ في خانةِ سعي الإمبرياليّة لطمس الصراع الوطنيّ والطبقيّ عن المسار الثوريّ المطلوب، وخلق تبعيّاتٍ جديدةٍ بشروطها وتحت هيمنتها.
لذلك، فإنّ الرأسماليّةَ المعولمةَ تنطلقُ في تعاطيها مع المنطقة العربيّة وَفْقَ مستويين:
في المستوى الأوّل، اعتبار المنطقة وحدةً استراتيجيّةً جيوسياسيّةً، يهدف إلى الهيمنة والسيطرة الكاملتين، تضمن وجود الكيان الصهيوني وأمنه ووظيفته في المنطقة من جهة، وتضمن نهب ثروات المنطقة والتحكم بها من جهةٍ ثانية. هذه الاستراتيجية لطالما فرضت، وتفرض راهنًا تداعياتٍ مباشرةً وغيرَ مباشرة (حروب واحتلالات، صراعات، حصارات، عقوبات، تدخّلات وتهديدات وانقسامات.. الخ) التي تزيد في تعقيد مسارات التطوّر السياسيّ في كلّ بلدان المنطقة. فمشروعُ الشرق الأوسط الكبير(الجديد)، يشكّلُ النموذج المتكامل للخطّة التقسيميّة - التطبيقيّة لهجوم الإمبرياليّة الأميركيّة وعولمتها، غير أنّ هذا المشروع لم يحرز تقدّمًا كما أُريد له، لعواملَ عدّة: كون صناع المشروع حاولوا فرض الهيمنة بالجملة متجاوزين طبيعةَ التناقضات وعمقها وحجمها التي تختزنها المنطقة، ودور المقاومات في التصدّي للمشروع الإمبرياليّ الاستعماريّ وأهدافه، وتعاظم الحاضنة الشعبيّة العربيّة ضدَّ المشاريع الأميركيّة والصهيونيّة ومنظّماتهم الإرهابيّة، ودخول قوى دوليّة وإقليميّة قوّية ومؤثّرة على الخط (روسيا، الصين، إيران)، الأمرّ الذي أدّى إلى تراجع الإدارة الأميركيّة نسبيًّا، تحت ضغطِ هذهِ العوامل، لتنتقلَ بعدها الإمبرياليّةُ الأميركيّة إلى الخطّة "ب" لتحقيق استراتيجيّتها عبرَ خطّةٍ تكتيكيّةٍ تنفيذيّةٍ جديدة، من خلال اتّباع سياسة حلّ الإشكالات "بالقطعة" بدءًا من القضيّة الفلسطينيّة "صفقة القرن"، لاعتقادها أنّ الشروط السياسيّة ملائمةٌ لفرض تنازلاتٍ أكثرَ على الجانب الفلسطينيّ، سواءً بسبب الخلافات والانقسامات داخلَ صفوفه، أو بسبب تداعيات حرب "الهلالين" قبل حرب اليمن وخلالها، وتواطؤ الرجعيّة العربيّة وخيانتها علنًا للقضيّة الفلسطينيّة والتهليل للتطبيع مع العدوّ الصهيونيّ.. هذا الأمرُ يهدّد بالقضاء على حقوق الشعب الفلسطينيّ، وقضيّته المشروعة في التحرير، وحقّ العودة وإقامة الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة المستقلّة وعاصمتها القدس .
أما في المستوى الثاني، فإنّ هجوم العولمة يأخذُ منحى التعامل مع كلّ بلدٍ بذاته، مع أخذ مميزاته الخاصّة بعين الاعتبار، من حيث مستوى تطوّر الحياة السياسيّة فيه، وطبيعة نظام الحكم، وخصائص تركيبته الديموغرافية والطائفية والإثنية وتناقضاتها، وطبيعة بنيته الاقتصادية وعلاقاته الدولية والإقليمية على البعدين؛ السياسي والاقتصادي. من هنا، فإنّ من مهامّ اليسار العربي قراءةَ هذه الجوانب بشكلٍ تفصيليٍّ وموضوعيّ، ووضع خطّةٍ استراتيجيّةٍ للمواجهة من أجل التحرّر الوطنيّ والتطوّر الديمقراطيّ، ويمكنُ إبراز بعض الاستنتاجات السريعة منها:
أوّلًا: أنّ الأنظمة العربيّة رغم الفروقات فيما بينها، من حيث بنيتُها وطبيعتُها وهياكلُها الدستوريّةُ والتشريعيّةُ والتنفيذيّة، ورغمَ الخلافات والتناقضات فيما بينها، هي ذاتُ طبيعةٍ متخلّفةٍ متشابهة. وقد أثبتت عقودُ التَّجارِب الملموسة عجزها وفشلها وعدم قدرتها على تحقيق الأهداف القوميّة لشعوبنا، هذا عدا، عن كونها مُولّدةً للأزمات الوطنيّة والقوميّة الجديدة، وغارقة في الفساد.
ثانيًّا: يفرض الانطلاق من التوجّه الاستراتيجي تدقيق السياسات والمواقف، التي تدخل في الإطار التكتيكيّ ذات الصلة بالنضال القومي: القضيّة الفلسطينيّة – التحرير- التضامن والوحدة العربيّة – استثمار الثروات وتوظيفها في الإنتاج وفي التكامل العربيّ الاقتصاديّ.. أساليب وأشكال النضال الملائمة.. الخ)، وهذا يتطلّب إعادة تقييمٍ لموازين القوى السياسيّة والشعبيّة في ضوء معركة التحرّر الوطني. إضافةً، إلى إعادة تقييمٍ لطبيعة موازين القوى بين الأطراف الداخلية في كلّ بلد، وتحديد طبيعة التناقضات فيما بين البلدان العربية وارتباطاتها ومحاورها الإقليميّة والدوليّة وتشابك المصالح أو تضاربها، ووضعها قدر الإمكان في خدمة استراتيجيّة المواجهة الشاملة.
ثالثاً: عدم المراهنة على الأنظمة العربيّة المسيطرة لقصورها وفشلها واتباعها سياساتٍ رجعيّةٍ وقمعيّةٍ دمويّةٍ معاديةٍ للديمقراطية والتنمية والحقوق الإنسانيّة. ومن ثَمَّ، فإنّ استمرار وجودها في سدّة الحكم بات وبالًا على القضايا القوميّة – الوطنيّة برمّتها. كما قصور مشروع القوى الإسلاميّة وبرامجها التي أعطت وبسرعةٍ قياسيّةٍ نماذجَ بديلةً أسوأ.
رابعاً: إنّ اتّساع الانتفاضات الشعبيّة، وبقوّةٍ، يدلُّ على مؤشّرٍ بالغِ الدلالة، من وجهة نظر التطوّر الاجتماعيّ التاريخيّ؛ لأنّه كشف أن الأوضاع الاجتماعيّة ناضجةٌ – موضوعيًّا – لتقبُّل التحويل الديموقراطي وتحقيقه، وأنّ الجماهير أظهرت عمليًّا استعدادها للنضال والتضحية. وأثبتت بأنّها الكتلة التاريخيّة القادرة على دفع عمليّة التحرّر الوطنيّ قدمًا نحو أهدافها.
خامسًا: على أهميّة حضور اليسار العربيّ في الثورات والانتفاضات الشعبيّة، إلّا أنّه ينبغي الاعتراف بتشتّته وضعفه، رغمَ كلِّ المبادرات والتضحيات التي قدّمها ويقدّمها يوميًّا في الساحات والميادين (وآخرها ما نراه في ثوريّة الشيوعيّ واليساريّ السودان ي) إلّا أنّ الخصوم الطبقيّة تحاولُ محاربةَ أو سرقة هذه النضالات، وتوظيفها في خدمة مصالحها وامتيازاتها الطبقيّة السلطويّة أو الفئويّة أو الطائفيّة. وبما أنّ دروب النضال طويلة، والأهداف كبيرة، وعمليّة تحقيقها معقّدة. لا بدّ من مراجعةٍ نقديّةٍ وانطلاقةٍ ماركسيّةٍ تعيد لليسار دوره الثوريّ النوعي والفاعل على الساحة الوطنيّة والقوميّة من خلال تجديد علاقاته العضويّة بالطبقة العاملة والجماهير الشعبيّة الكادحة المفقرة، وتعزيز دور اللقاء اليساريّ العربيّ في أطره الفكريّة والسياسيّة والتنظيميّة (استكمالاً لمبادرة الحزب الشيوعي اللبناني قبل 11 عامًا)، كما يتطلّب رؤيةَ هذا اليسار لكيفية خوض الصراع الطبقي (الوسائل والأدوات والتحالفات) بعيدًا عن الشعبويّة أو الظرفيّة والعفويّة.. لفرض موقعه وتأدية دوره قوّةً وازنةً ومؤثّرةً في المعركة الوطنيّة والطبقيّة.
سادسًا: إنّ مواجهة المشروع الاستعماريّ الإمبرياليّ على المنطقة، تتطلّب من اليسار العربي تنظيمَ صفوفِهِ أوّلًا، وتعبئةَ جماهيره، وترجمةَ مشروعه الوطني التحرري الذي يتضمّن مهامًّا وطنيّةً واجتماعيّةً سياسيّةً أساسيّةً، من بنودها المقاومةُ من أجل تحرير فلسطين والعراق والجولان ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا بالكامل، وإزالة القواعد العسكريّة، وإطاحة الديكتاتوريات، وإطلاق الحريّات الديمقراطيّة، وإلغاء قوانين الطوارئ، وفرض انتخاباتٍ وطنيّةٍ ديمقراطيّةٍ نزيهةٍ على أساس النسبيّة، وإلغاء كلّ أشكال التمييز بحقّ المرأة، وإحداث إصلاحاتٍ اقتصاديّةٍ جذريّةٍ منتجةٍ ومستقلّةٍ تضمنُ تنميةَ القدرات الوطنيّة والبشريّة والموارد البيئيّة.. وأن يتلازمَ ذلك مع تنفيذ خطّةٍ اجتماعيّةٍ تحمي مصالحَ الطبقة العاملة، والفئات الشعبيّة الكادحة وحقوقهم الاجتماعيّة والصحيّة والسكنيّة والتعليميّة.. وهذا يندرج ضمنَ مهامِّ اليسار العربيّ، كبرنامجٍ انتقاليٍّ نحو الهدف الأساسي لليسار أي بناء الاشتراكيّة.
لقد استطاع شعبنا العربيّ أن يبهر العالمَ كلَّهُ بنضالِهِ ومقاومتِهِ وانتفاضاتِهِ وصمودِه، لكنّه يحتاجُ إلى يسارٍ عربيٍّ ثوريّ، يشكّلُ بمشروعِهِ رافعةَ النهوض نحو التحرّر الوطنيّ العربيّ الشامل.
*****
عاشت الذكرى الــ 54 لجبهتكم. المجد للشهداء والتحيّة للأسرى.. معًا سنناضل ونقاوم.. وسننتصر.

