Menu

بينيت إذ يستحضر جدار جابوتنسكي لمحاصرة واخضاع أهلنا في النقب العربي...!

نواف الزرو

   على طريق من سبقوه من قادة الكيان، استحضر بينيت-رئيس وزراء الاحتلال- جدار جابوتنسكي لمعاقبة ومحاصرة أهلنا في النقب العربي المحتل، واعتبر بينيت في مقابلات معه نشرتها صحف إسرائيلية الجمعة-: 28/01/2022- "أن هناك عدم قدرة على الحكم والسيطرة على المواطنين العرب في النقب"، وهدد بإقامة "جدار حديدي" ضدهم، موضحًا: "توجد مشكلة خطيرة وحقيقية، وفي العشرين عامًا الأخيرة فقدنا بقدر كبير النقب بسبب غباء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ونحن نبدأ من مواضيع القانون والنظام"، وأضاف أنه أوعز بتحريش المناطق التي يسكنها بدو النقب رغم المعارضة الشديدة لها من قبلهم، وزج مئات أفراد الشرطة من أجل قمع معارضة البدو، "ونفذنا غرس الأشجار، كي نبعث برسالة بأننا لا نتراجع"، وادعى "أننا نأمل بالتوجه إلى تسوية الآن". وادعى بينيت أن بدو النقب يعيشون في أراضيهم "بصورة غير قانونية، لكن لا مكان لديهم ليسكنوا فيه بصورة قانونية. والفكرة هي تجميعهم وتركيزهم في عدة بلدات معترف بها"K وليس ذلك فحسب، وإنما هدد أيضًا المجتمع -الشعب- العربي على خلفية الاحتجاجات في أيار/مايو الماضي، على خلفية العدوان على غزة وفي القدس ، قائلًا: "سنقيم جدارًا حديديًا مقابل انعدام القدرة على الحكم، فهذا تهديد حقيقي. والانفجار الذي جرى خلال حارس الأسوار (العدوان على غزة) زعزعنا جميعًا، ماذا سيحدث في حرب مقابل حزب الله في الشمال؟ لا ننقل دبابات عن طريق وادي عارة.  نحن ملزمون بالقدرة على الحكم والسيطرة". ويشار هنا إلى أن مصطلح "الجدار الحديدي" وضعه زعيم التيار التنقيحي في الحركة الصهيونية، زئيف جابوتينسكي، ويعني استهداف "العدو العربي" بشكل هائل ومواصلة هذا الاستهداف حتى بعد أن يستسلم.

 بمراجعة المشهد السياسي الاسرائيلي منذ قيام الكيان، نتابع أن بينيت لا يأتي بجديد على السياسة الإسرائيلية الفاشية الدموية، فمن قبله طبعًا كان عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين قد هددوا ب"جدار جابوتنسكي"، ومنهم افيغدور ليبرمان الذي كان من أبرز زعماء اليمين الفاشي، حيث قال حينما كان وزيرًا للخارجية: "افهموا، أن المشكلة الفلسطينية كفت عن أن تكون ملحة، وكذا في العالم أيضًا... والواقع الذي ننشغل فيه كلنا بهوس بالمشكلة الفلسطينية انتهى" -هآرتس 18 / 12 / 2009 - هذا ما أعلنه في خطاب في كلية مستعمرة ارئيل في الضفة الغربية". وادعى ليبرمان بأن "المشكلة الفلسطينية هي المشكلة الأقل اقلاقًا"، ودعا مستمعيه إلى "أن يفهموا بأن المسألة الفلسطينية هي بالإجمال مسألة أخرى، وبالتأكيد ليست "المسألة". العالم، قال، تشغله مسائل أخرى، "انظروا ماذا حصل في أفغانستان، في الباكستان، في إيران، في كوريا الشمالية وفي إفريقيا. العالم لا ينشغل بشكل مهووس بالمشكلة الإسرائيلية – الفلسطينية وحان الآوان كي نغير نحن أيضًا القرص، الواقع الذي ننشغل فيه جميعًا بهوس بالمشكلة الفلسطينية انتهى- افهموا".

ولمن لم يفهم الرسالة التي أراد نقلها، أوصى ليبرمان بقراءة مقال "الجدار الحديدي" لزئيف جابوتنسكي، "اقرأوا وستفهمون، ولكن يمكن حل المشكلة الفلسطينية بدون حلول وسط إقليمية، ببساطة كسر الدافعية والإيمان لدى الطرف الآخر، بأنه يمكن شطب دولة إسرائيل من الخريطة، هكذا فقط تحل نهاية النزاع".

إذن-ليبرمان يستحضر مجددًا "جدار جابوتنسكي لكسر الإرادة الفلسطينية"، والحقيقة الساطعة في المشهد الإسرائيلي اليوم، أنهم هناك في الخريطة السياسية الإسرائيلية الحكومية والبرلمانية والحزبية يجمعون إلى حد ساحق على اعتماد -وهم يعملون به عمليًا- جدار جابوتنسكي لتحطيم الإرادة الفلسطينية والعربية في التصدي، واجبار الجميع على التسليم بالحقيقة الصهيونية.

 ونحن بدورنا في هذه المناسبة نستحضر  جوهر "جدار جابوتنسكي" كما أعلنه وشرحه عدد من أقطابهم، فبعد أن أخفق تمامًا في كافة حساباته العسكرية والأمنية والاستراتيجية في حروبه المتصلة التي شنها  تباعًا على الفلسطينيين واللبنانيين على مدار سنوات حكمه وحكومته، أخذ رئيس وزراء "إسرائيل" السابق ايهود اولمرت يهرب إلى الماضي مستحضرًا الأدبيات الصهيونية الحربية العنصرية التي كان الآباء المؤسسون للدولة الصهيونية قد وضعوها وحملوها وطبقوها على ارض فلسطين، ففي كلمته التي ألقاها في احتفال أقيم في يوم عيد ميلاد ثيودور هرتزل- نبي الدولة الصهيونية- ال "147"، عاد أولمرت ليذكر الإسرائيليين ب"جدار جابوتنسكي" مؤسس الحركة الصهيونية المحافظة قائلًا: "إن هناك أساسًا واحدًا له أهمية كبيرة لم تذكره نبوءة هرتزل الصهيونية وهو الأساس العسكري"، وأضاف: "كان جابوتنسكي هو الذي أدرك ذلك مبكرًا في نحته الجدار الفولاذي، فبالكفاح الصعب وبالدم والعرق والدموع أقيمت إسرائيل وانتصرت الصهيونية"، وأكد أولمرت: "لولا الحربة لما قامت للصهيونية قائمة/عن يديعوت احرونوت/2007/4/30"، واختتم أولمرت كلمته قائلًا: "أمام إسرائيل ثلاثة تحديات هامة: ضمان أغلبية يهودية واضحة على مدى الأجيال في إطار حدود إسرائيل، وتعزيز نوعيتها الداخلية وصورتها الأخلاقية والاجتماعية، وتحقيق الأمن والسلام المفقودين مع جاراتها -وفق نظرية جابوتنسكي طبعا-، وإذا أردنا ذلك فليس ذلك أسطورة – أي أن الأمر قابل للتحقيق-".

كانت هناك خلفيات وعوامل متعددة وراء استحضار أولمرت لأيديولوجيا الجدران الفولاذية الجابوتنسكية، غير أن تطورات المشهد الفلسطيني تبقى هي الأساس في الحسابات الإسرائيلية، يضاف إليها ربما نوازع ذاتية لدى أولمرت ومن جاء بعده في محاولة منههم لارتداء زي القادة الكبار للدولة العبرية...! ليأتي نتنياهو بعده بنحو شهرين ليعلن متحديًا العالم العربي: "لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان، بل علينا البقاء فيها".

والواضح أن قادة وجنرالات "إسرائيل" كلهم مبرمجون على  "نظرية الجدار الجابوتنسكي"، ففي مقال له بصحيفة ذي غارديان البريطانية، قال أستاذ علم النفس بجامعة تل أبيب كارلو سترنغر: "الواقع أن كل السياسات الإسرائيلية واقعة تحت تأثير نظرية الجدار الحديدي، بل إن هذه النظرية هي المسؤولة عن التطورات المذهلة للسياسة الإسرائيلية منذ العام 2002، فرغم أن إسرائيل ظلت لعقود تتوق إلى قبول العالم العربي بها، فإن أيًا من زعمائها لم يعتبر أن مبادرة السلام العربية تستحق حتى أن ينظر فيها بجدية، فكأن نظرية جابوتنسكي ضاربة الآن في جذور الوجدان الإسرائيلي".

ولعل أبرز المعطيات الإسرائيلية في هذا الصدد تصاعد وتفشي ما يمكن أن نطلق عليه "انفلونزا الصقور"، حيث يتسابقون هناك في "إسرائيل" في إظهار كل مظاهر التطرف والتشدد والعنصرية، بل يمكن القول: "أن المجتمع الإسرائيلي لم يشهد –على سبيل المثال- اجماعًا سياسيًا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين كما يشهد في هذه الأيام في مواجهة الوضع الفلسطيني، وحول تخليد الاحتلال للضفة الغربية /عن الوف بن/هآرتس".

وتحت عنوان "عودة إلى الجدار الحديدي"، كتب المحلل الاسرائيلي دان مرغليت في معاريف يقول: "أن السلام لن يأتي أبدًا، ولكن حتى يصل الفلسطينيون إلى المرحلة التي يصبحون فيها معنيين به – يتوجب على إسرائيل أن تتبنى لنفسها مزاجًا متشددًا أكثر من العادة ومنيعًا وقائمًا على الافتراض بأن التسوية السياسية بعيدة عنا، على هذا النحو بالضبط: المبادرة إلى استراتيجية شاملة، لم تقم أية حكومة منذ أيام دافيد بن غوريون ببلورتها بصورة جدية، سياسة تزيد من التركيز على الشؤون الأمنية والأمن القومي ورفع القدرات القتالية والتكنولوجية، سياسة تكون شمولية مع تربية صارخة لقيم الصهيونية وعدالة طريقها ومع مواريث الثقافة اليهودية قبل الانفتاح الضروري أمام العولمة بحيث تتمكن إسرائيل من الخروج إلى العالم الفسيح الذي يبحث عن الحقيقة، من أجل تعزيز المعطيات الديمغرافية للشعب اليهودي والمبادرة إلى دعوات التهويد"، ويضفي مرغليت على هذه المضامين بعدًا جداريًا، مؤكدًا: "هذا هو الجدار الفولاذي" الذي طرحه بن غوريون.

 ولذلك نتساءل في ضوء كل ذلك باندهاش كبير: طالما إننا أمام إجماع سياسي على تخليد الاحتلال للضفة، وأمام نزعة صقرية يمينية فاشية دموية على هذا النحو، وأمام تلك الجدران الفولاذية التي يستحضرونها على الدوام، من بن غوريون، مرورا بعدد كبير من قادتهم وجنرالاتهم وصولًا إلى بينيت، فلماذا يتهافت العرب في ضوء كل ذلك إذن على التطبيع الشامل مع تلك الدولة ومع ذلك المجتمع الذي لا يرى فيهم سوى نمل وديدان يجب سحقها...؟!!

وفي ضوء تلك الثقافة والعقلية الفاشية صحابة جدار جابوتنسكي -الجدران القمعية الدموية- لا يتوقعن أحد إذن أن يخرج جنرالات وقادة الاحتلال- الشارونات الصغار- من جلدهم وعن طبيعتهم... أو عن ذلك الثتاث الإرهابي الدموي وعن ذلك المجتمع العنصري الملوث بلوثة الجابوتنسكية و الشارونية وتفريخاتها الإرهابية الإبادية...!