Menu

اليسارُ الفلسطينيّ.. ومهمّاتُ التحرّر الوطنيّ والديمقراطيّ المركّبة

محمد صوان

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

مباركٌ للجبهةِ الشعبيّة لتحرير فلسطين؛ قيادةً وكوادرَ وأعضاءً وأصدقاء، بمرور 54 عامًا على التأسيس، فصيلًا مميّزًا تشكّلَ في سياق تطوّراتٍ أمميّةٍ وقوميّةٍ ووطنيّةٍ فريدة - ليس المرور عليها في هذا المقام أمرًا سهلًا – فالحركةُ اليساريّةُ بفصائلها المسلّحة نشأت معظمُها في أعقاب هزيمة حزيران 1967، ولكي لا نظلمّ هذهِ الفصائل عبرَ إخضاعها لمعالجاتٍ نظريّةٍ رومانسيّةٍ لتبيان يساريّتها أو عدمها، فمجرياتُ التأسيسِ تؤشّر إلى أنّها ارتكزت على الحماسةِ الوطنيّةِ والقوميّةِ في وجهِ مظاهرِ العجزِ التي جاء بها النظامُ العربيُّ الرسميّ حينذاك.

يمكن القولُ بأنّ فصائلَ اليسارِ التي ظهرت في أعقاب هزيمة عام 1967 – باستثناء الجبهة الشعبيّة – قد استخدمت الغطاء الفكريّ لضمان تميّزها، وهنا نتذكّر التسمياتِ من نمط "اليسار الجيفاريّ، اليسار الماويّ، والتروتسكيّ ثم ال لينين يّ..."، والحقيقةُ المهمّةُ التي يمكن بها توصيفُ هذه الفصائل هي أنّها فصائلُ وطنيّةٌ بامتياز، وكلّ اجتهادٍ في حقيقةِ يساريّتها لا ينتج سوى زيادةِ التشويش والبلبلة... هذا على الصعيد الذاتي. أمّا موضوعيًّا فلم يكن بالإمكان بناءُ يسارٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ موحّدٍ في ظلّ سوط التشرّد والبحث عن الهُويّة الوطنيّة في خضمّ معركة الخلاص الوطنيّ بمواصفات الكارثة الفلسطينيّة.

والمؤكّد هنا أنّ الشعب الفلسطينيّ المنكوب، لم يتمكّن من تطوير وجوده النوعيّ، أي تطوير مكوّناته السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة المستقلّة، كما أنّ البِنيةَ الجمعيّةَ لم تتطوّر أيضًا باستثناء هُويّتها النضاليّة الوطنيّة. لقد أسهم هذا الوضعُ بتوليد حركةٍ سياسيّةٍ على شاكلة المجتمع ومقاساته، أي أنّ قوى اليسار لم تولد من رحم حاجات النشاط الاقتصاديّ والاجتماعيّ والطبقيّ، إنّما ولّدتها ضروراتُ النضال الوطنيّ التحرريّ وحاجاته.. الأمرُ الذي يفسّر تشظّي فصائل اليسار التي تكفيها عمليّةٌ فدائيّةٌ واحدةٌ ضدَّ "إسرائيل" كي تكتسب منها الشرعيّة!

تداخلُ المهمّات الوطنيّة بالاجتماعيّة

لم يفلح اليسارُ الفلسطينيّ – إلى اليوم – في أن يجد حلًّا علميًّا لمعادلةٍ جدليّةٍ اسمُها "تداخل المهمّات الوطنيّة التحرّريّة بالاجتماعيّة"، حتّى المنظّمات والأطر الجماهيريّة التي بناها اليسار، كي تكونَ رئةً ورافدًا للعمل الثوريّ المنظّم، انفصلت عن فصائلها بفعل ثلاثةٍ عوامل:

الأول: دواعي التمويل الخارجي وضروراته.

الثاني: طموحُ قيادات هذه الأطر لأداء دورٍ مستقلٍّ عن الفصائل.

الثالث: التطلّعُ نحو المزيد من الديمقراطيّة بديلًا للمركزيّة المتشدّدة.

وبهذا الانزياح للروافد الجماهيريّة عن فصائلها تقلّص دورُ اليسار مع الفئات والشرائح الاجتماعيّة صاحبة المصلحة بالتغيير، وازدادت قوقعته.. إلّا أنّ اليسارَ بتعدّدِهِ وتنوّعه لا يزال يعتقدُ أنّه قادرٌ على تشكيل جبهةٍ موحّدةٍ رغم التعثّر أكثرَ من مرّة، لأسبابٍ فئويّةٍ وذاتيّة، منها الفهلوة والتذاكي الفصائليّ باستغلال حماسة القاعدة الجماهيريّة الوحدويّة لتحقيق مكاسبَ فئويّةٍ خاصّة، الأمرُ الذي أدّى إلى فشلِ محاولاتٍ عدّة على التوالي.

إنّ مهمّة وحدة فصائل اليسار تبدو صعبةً – لكنّها غيرُ مستحيلة - على الرغم من الحاجة الملحّة لها في ظلّ مخاطر تبديد المشروع الوطنيّ وتفكّك النظام السياسيّ الفلسطينيّ" م.ت.ف" جرّاء التطاحن بين القوّتين الرئيسيّتين" فتح وحماس".

لم يسعَ اليسارُ بوضعِ ثقلِهِ ووجهتِهِ في أتون المعارك الاجتماعيّة والطبقيّة والاقتصاديّة الواضحة، إنّما نما نظريًّا على قاعدة الاصطفافات البرنامجيّة والوطنيّة ليس إلّا. ففي الوقت الذي امتلأت أدبيّاته وبياناته بالدعوة لتمكين الشباب والمرأة والشرائح الاجتماعيّة الكادحة، كانت هناك قوّةٌ سياسيّةٌ متديّنةٌ ومؤمنةٌ بالتراتب الطبقيّ "كقدرٍ إلهي" - أي حركة حماس – تقدّم عبرَ عشرات المؤسّسات الخيريّة والتعليميّة والصحيّة والمنتديات الثقافيّة والاجتماعيّة والنوادي الرياضيّة، إجاباتٍ ملموسةٍ لمشاكلِ شرائحَ واسعةٍ من المواطنين الفقراء والمسحوقين وهمومها.. في خضمّ هذه المعركة غير المتكافئة بين الشعارات والبيانات والخطابات اليساريّة والكوبونات الحمساويّة، تمكّنت حركة حماس من بناء قاعدتها الجماهيريّة الجاهزة لرفعها إلى السلطة والهيمنة!

التحالفاتُ الوطنيّة

  • بدايةً مع حركة فتح: كانت - ولا زالت - تحالفاتُ اليسار مع حزب السلطة "فتح" تحالفاتٍ متقطّعةً غيرَ مستقرّة، وتطغى عليها مهمّاتُ التحرّر الوطنيّ المشتركة تارةً، ومصالحُ فصائليّةٌ فئويّةٌ تارةً أخرى، وبهذه العلاقة المتأرجحة فقد اليسارُ قدرتَهُ على أن يكون قوّةً معارضةً حقيقيّةً وفاعلة، وأصبح في نظر الجماهير جزءًا من ماكينة السلطة، حتى وهو خارجها...! وبذلك فسح المجال لحركة حماس لأن تتبوأ موقعَ المعارضة بالكامل. لقد أسهم ارتباكُ اليسار وضعفه في تقوية حماس التي وجدت نفسها في موقعٍ مثاليٍّ ضمن لها فوزًا كاسحًا في الانتخابات التشريعيّة والنقابيّة والبلديّة... وهذا التراجعُ لليسار ليس ذاتيًّا فحسب، بل هناك ما هو موضوعيٌّ، حيث لا يكتملُ المشهدُ من دونه، وهو تحوّلُ النشاط السياسيّ والجماهيريّ إلى جهدٍ مكثّف، لا يمكن لليسار متشظّيًا منافسة قوّتين رئيسيّتين؛ الأولى فتح، وتتكئ على مقدّرات السلطة والجهات المانحة، والأخرى حماس التي تتلقّى دعمًا هائلًا من التنظيم الدوليّ للإخوان المسلمين، وأصحاب رؤوس الأموال من الفلسطينيّين.

إنّ استمرارَ التداخل والتعقيد في وظيفة حركة فتح - كحزبٍ للسلطة مهيمنًا على النظام السياسي – م.ت.ف – يلقي بمسؤوليّاتٍ مركّبةٍ ومتعاظمةٍ على فصائل اليسار، وبالمقدمة منها الجبهةُ الشعبيّة، فلا يمكنُ لهذا اليسار أن يعلن قطيعةً مطلقةً مع حركة فتح، ولا يمكنه بذريعة التحالفات الوطنيّة مهادنتها أو الصمت على تجاوزاتها وتفرّدها؛ لأنّه سيتحمل تبعاتِ مؤذيةً لصورته ومكانته الوطنيّة والسياسيّة.

  • تاليًا مع حركة حماس: بقيت حركةُ حماس حتى الانقسام عامَ 2007، تؤدّي دورَ المعارضة الفاعلة بامتياز، والقادرة في الوقت نفسه على خلط أوراق اللعبة السياسيّة، مستفيدةً إلى الحدّ الأقصى من هزيمة مشروع "التسوية السياسيّة" عبرَ المفاوضات، فهي من خلال مشاركتها ونشاطها في المواجهة العسكريّة ضدّ الاحتلال ولا سيّما "العمليّات الاستشهاديّة"؛ ظهرت القوّةَ الأكثرَ شعبيّةً واحترامًا في الأوساط الجماهيريّة التي رأت فيها قوّةً صاعدةً يمكن أن تشكّل بديلًا عن مشروع التسوية والمفاوضات، الذي فشل وأصبح من الماضي على يد حركة فتح التي فشلت هي الأخرى بإدارة شؤون حياة المجتمع الفلسطينيّ. أمّا اليسارُ المشغولُ بالتنظير لعلم "الجمال الماركسيّ" فتحوّل جزءٌ منه إلى محايد، وجزءٌ آخرُ إلى حليفٍ لحركة حماس، وما زلنا نذكرُ كيف كان يسيرُ بعضٌ من قادة اليسار في مسيراتٍ جماهيريّةٍ تنظّمها وتدعو لها حركةُ حماس تحت راياتٍ وهتافاتٍ "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود...!". ليس مفاجِئًا، والأمر كذلك أن تسقط السلطة في غزّة كثمرةٍ ناضجةٍ في حضن حركة حماس. واليوم، وبعد سنوات الانقسام التي طالت، ما زالت الحركةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّة، وفي المقدّمة منها اليسار، عاجزةً عن تلمُّسِ دورِها في إنهاء الانقسام بداية، واسترداد المشروع الوطنيّ التحرّريّ، وإعادة بناء النظام السياسي "م.ت.ف" تاليًا.

إنّ فلسطينَ بحاجةٍ إلى ما يشبه التأسيس لحالة "عصيانٍ مدنيّ" متدرّجٍ ومتواصل؛ هدفُهُ الوصولُ إلى مواصفات الواقع الثوريّ، أي الواقع الذي تعجز فيه سلطتا "فتح وحماس" من الاستمرار في سياسة الفساد والتفرّد والإقصاء، وهذا لا يكون دون عملٍ وجهدٍ وإنجازاتٍ تراكميّةٍ وجادّة.

اليسارُ ومقدّماتُ النهوض الوطنيّ الديمقراطيّ

بالرغمِ من ضعفِ اليسار وقلّة حيلته، إلّا أنّه قادرٌ على "هزّ العصا" في وجه عبثِ سلطتي "فتح وحماس" واستهتارهما المتواصل بالمشروع الوطنيّ والنظام السياسيّ المتمثّل بمنظّمة التحرير الفلسطينيّة ووظيفتها، كممثلٍ شرعيٍّ وحيدٍ للشعب الفلسطيني، فضلًا عن أهميّة ضرورة إنهاء حالة التشظّي بين فصائله وفرقه، والشروع في بناء جبهة اليسار الموحّدة؛ لكي يُحدثَ تغييرًا فارقًا لمصلحة استعادة دور المنظّمة ومكانتها. فالجميعُ يدركُ أنّ الأخيرةَ هي آخرُ ما تبقّى من البُنى الشرعيّة، وأنّه لا يمكنُ السماحُ بتفكيكِها أو نقضِ شرعيّتها.

لا جدالَ بأنّ حجمَ التعقيدات التي تجابهها الحالةُ الفلسطينيّةُ هائلةً ومركّبة، إلّا أنّ مهمةَ التغيير ليست مستحيلةً، وإن بدت صعبةً، فمن أجل تلمُّسِ الطريق في اتّجاه التغيير تصبح مهمّةَ كلِّ "الوطنيّين والعلمانيّين والمتديّنين المتنوّرين"، المبادرة لاجتراح الحلول، والإسهام في تحديد وجهة التغييرات والتطوّرات اللاحقة للقضيّة الوطنيّة على المستويين الإقليميّ والدوليّ.

لا يمكنُ لليسار الفلسطينيّ أن ينشغلَ بمهمّات التغيير السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ دون جبهةٍ موحّدةٍ ومتماسكة، ودون أن يُلقيَ - موحَّدًا - بثقلِهِ لحسمِ جوهرِ المشروع الوطنيّ التحرّريّ ومستقبله، فالصراعُ الدائرُ اليوم سيقرّر بشكلٍ جذريٍّ وجهةَ هذهِ المهمّات وجدواها، وفي مجرى هذهِ المعارك يمكن لليسار أن يظفرَ بمركزيّةِ دورِهِ، وأن يتملّكَ هُويّتَهُ الوطنيّةَ والطبقيّةَ بوصفِهِ قوّةً فاعلةً من أجلِ التحرّر والخلاص الوطنيّ والديمقراطيّ الناجز.