Menu

إسرائيل وكازاخستان وآسيا الوسطى (2 من 2)

نهاد أبو غوش

من المستبعد أن تتدخل إسرائيل بشكل مباشر في كازاخسستان، ليس هناك ما يدعوها للانحياز لهذا الطرف أو ذاك طالما أن النار بعيدة عن حدودها، ولا يضيرها أن ينتصر أنصار موسكو أو الموالون للغرب، ولا تعنيها مصالح الشعب الكازاخي ونظامه السياسي في شيء إلا بمقدار ما ينسجم ذلك مع مصالحها وفرصها في المستقبل، ولذلك هي سوف تنتظر وتتعامل مع من ينتصر.

في ظروف أخرى، وفي إفريقيا تحديدا، عمدت إسرائيل إلى اللعب على التناقضات وأحيانا دعم الطرفين المتحاربين وبيعهما السلاح الإسرائيلي كما جرى في دولة جنوب السودان ، مثال كازاخستان يختلف، وإسرائيل ليست معنية إطلاقا بإغضاب الدب الروسي أو المقامرة بعلاقاتها المستقبلية أو التورط في انحيازات لا تعنيها من حيث المصالح ولا من حيث المبادئ.
*لماذا نجد ان الدول العربية تأخرت في الاتصال والتعاون مع كازاخستان والدول المجاورة لها في اسيا الوسطي؟ وهل سبق ويستمر محدودية الحضور العربي فيها؟
أسباب كثيرة منعت قيام الدول العربية من الاتصال بكازاخستان أو الاستفادة من الفراغ الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أبرزها أن انهيار الاتحاد السوفييتي تزامن مع نتائج حرب الخليج الأولى والتي تعتبر في المحصلة النهائية هزيمة للعرب، وهي الهزيمة التي مهدت لاتفاق أوسلو ووادي عربة ولكل المرحلة التي ما زلنا نعيش آثارها حتى الآن، بعد ذلك، وتحديدا بدءا من 2010 دخلت الدول العربية في موجات من الأزمات الداخلية التي انتهى بعضها إلى حروب أهلية ما زالت مستعرة، ونشأت محاور وصراعات عربية عربية.

للأسف الشديد لا يوجد مشروع عربي لا موحد ولا منفرد لأي دولة عربية يمكن أن تتقدم به لإقناع دول شقيقة وجارة وصديقة تاريخيا وتربطنا بها علاقات ثقافية وإنسانية تاريخيا مثل دول آسيا الوسطى، ولا حتى تجاه دول إفريقيا، حتى الجامعة العربية ومؤسساتها تحولت إلى هياكل فارغة وأجسام مشلولة. الدول الوحيدة التي لها مشاريع طموحة في الإقليم هي إسرائيل وإيران و تركيا بينما العرب ليست لهم مشاريع ولا خطط طموحة، وأقصى ما تطمح به القوى الحاكمة في الدول العربية هو الحفاظ على مصالحها واستقرار حكمها وبأي ثمن كان، وهي في سبيل ذلك ترضى وتقبل بأدوار ثانوية في السياسة الدولية والإقليمية، وتقبل كذلك بالتبعية سواء فيما يتعلق بأمورها الداخلية وشؤونها الأمنية، وحتى في القضايا والنزاعات الدولية بما في ذلك قضية الشرق الأوسط و"قضية العرب المركزية"، أي القضية الفلسطينية.

من المؤسف والمعيب حتى أنه حين انفتحت أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى أمام العالم ذهبت إسرائيل لشراء وسائل الإعلام واستقدام المهندسين والعلماء والاستحواذ على مؤسسات القطاع العام وشراء المصانع والأراضي التي بيعت بأبخس الأثمنة، أما العرب وخاصة الفئات الثرية منهم فقد انفتحت عيونهم على استيراد الخادمات والسياحة والترفيه لا أكثر، فكيف سيؤثرون على هذه الدول، أعتقد أن تأثيرهم الحقيقي كان سلبيا جدا كما حصل في إفريقيا، حيث صدر لهم العرب تنظيم بوكو حرام الناشئ عن تنظيم القاعدة، بينما عرضت إسرائيل مساعدة الأفارقة في مكافحة الملاريا وتقديم تكنولوجيا الزراعة والصناعة.
*هل تعزيز اسرائيل علاقاتها مع كازاخستان يأتي أيضا في محاولة لتقليل التأثير السياسي لهذه الدول على القضية الفلسطينية
إذا نظرنا إلى خارطة العالم، وتابعنا أنماط التصويت في الجمعية العامة والمؤسسات الدولية نجد أن إسرائيل استمالت عددا من الأصدقاء التاريخيين للعرب والفلسطينيين والذين كانوا دائما معنا وضد إسرائيل، مثل روسيا والصين والهند والبرازيل، الآن إسرائيل تحاول اختراق إفريقيا من خلال عدة بؤر أولها دول منابع النيل والبحيرات مثل رواندا وبوروندي واوغندا وتنزانيا، وثانيا في غرب إفريقيا من خلال توغو، وحتى دول مثل تشاد والنيجر تعتبر شبه عربية ومجاورة للعرب وفيها قبائل عربية ذات نفوذ، هذه الدول تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل، بالإضافة إلى مسلسل التطبيع.

من المؤكد أن إسرائيل تسعى لكسر الانحياز التقليدي لدول وشعوب العالم الثالث للقضية الفلسطينية والعربية، هذا مهم ولكن ليس هذا ما يهم إسرائيل أكثر، فلو كانت إسرائيل تحظى بدعم الولايات المتحدة وحدها لكفاها ذلك لأن ذلك يحميها من أية إجراءات دولية، أوروبا تصرف للفلسطينيين عبارات التضامن والتعاطف لكنها لا تفعل شيئا وفي المقابل تقيم مع إسرائيل اتفاقية شراكة أوروبية إسرائيلية، تعطي إسرائيل مزايا دولة عضو في الاتحاد الأوروبي من دون أن تدفع تكلفة ذلك (أي الالتزام بحقوق الإنسان أولا)، أعتقد أن إسرائيل معنية باستمالة كازاخستان كدولة ذات وزن متوسط على المستوى القاري والإسلامي، وأكثر ما يعني إسرائيل في هذا الأمر هو الفرص الاقتصادية والاستراتيجية التي توفرها دولة مثل كازاخستان تزيد مساحتها بمئة ضعف عن كل مساحة فلسطين التاريخية.