Menu

قرار وعقيدة وحدوية

محمود الراس

جاء قرار الجبهة بمقاطعة دورة المجلس المركزي التي ستعقد في رام الله في السادس من الشهر القادم، مُنسجماً مع موقفها المبدئي الوحدوي، والمُستند لرؤية الجبهة لمكانة المنظمة وواجباتها الكفاحية والسياسية والتنظيمية التي حددتها المادة الثالثة من النظام حول العلاقات داخل المنظمة والتي تقوم على أساس الالتزام بالنضال والعمل الوطني، في ترابط وثيق بين المستويات المختلفة، من قاعدة المنظمة إلى قيادتها الجماعية، وعلى أساس احترام الأقلية لإرادة الأغلبية، وكسب ثقة الشعب عن طريق الإقناع، ومتابعة الحركة النضالية الفلسطينية الُمسلحة، والعمل على استمرارها وتصعيدها بما يحقق الدفع التحريري لدى الجماهير حتى النصر.

وتطبيقاً وتنفيذاً لهذا المبدأ، فإن من أولى المهام الوطنية التي يجب أن نبقى نناضل من أجل تحقيقها مع الكل الوطني هو وضع نظام خاص بتشكيلات المنظمة، يراعي ظروف شعبنا في مختلف أماكن تجمعهم، وظروف الثورة، وتحقيق أهداف الميثاق والنظام، وإعادة للرؤية السياسية والتنظيمية التي جاء عليها النظام الأساسي للمنظمة، الذي يعتبر أن الفلسطينيين جميعاً هم أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية، يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقاتهم وكفاءاتهم، وهو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة حسب ما جاء بنص المادة الرابعة.

ولأن هذا المجلس جاء نتاج مجلس وطني انقسامي وغير توحيدي، فإنه ضرب بعرض الحائط قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني، سواء بالقفز والتنكر لمخرجات متتالية الحوار الوطني منذ العام 2005 وحتى مارس 2020، وما سبقها من مخرجات الحوار الجبهاوي الفتحاوي بالقاهرة عام 1999 الذي قاده الشهيد القائد أبو علي مصطفى ، بل وتنكر قانونياً ومسلكياً وسياسياً للنظام الأساسي للمنظمة، ووثيقة الاستقلال بالجزائر، ووثيقة الأسرى ومن بعدها مخرجات اللجنة التحضيرية في لبنان عام 2017، وقرارات الأمناء العامون في 2020، واستبدال دوائر أساسية نص عليها النظام الأساسي بدوائر ابتدعتها قيادة السلطة خدمةً لأهدافها التسووية العبثية، مما زاد من حدة الإمعان في نهج التفرد والهيمنة والإقصاء، والتنكر لقرارات المجلسين الوطني والمركزي ذاته بدوراته المتعددة.

هذه الأسباب جعلت من مشاركة الجبهة في مثل هكذا دورة غير مطروح، لأن هذه الدورة تخالف بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ عقيدتها الوحدوية ورؤيتها لدور ومكانة وواجبات المنظمة التي نص عليها النظام الأساسي، والتي استندت لقرارات الإجماع الوطني التي حملتها مخرجات الحوارات واتفاقات المصالحة الوطنية، بل إن مثل هذه المشاركة ستكون تسعيراً للانقسام ولن يفهمها شعبنا إلا "تساوقاً مع هذه القيادة المتنفذة ومع برنامجها الهابط"، ولذلك جاء قرار المقاطعة استجابةً موضوعيةً لنبض الشعب وحاجته الماسة للتغيير الجذري والجدي.

ومن هنا كان قرار المقاطعة قراراً وطنياً وحدوياً خالصاً، بعيداً عن الحسابات الحزبية والفئوية والمكاسب الذاتية، بل منُسجماً مع موقف الإجماع الوطني وتطلعات وآمال أبناء شعبنا، وتأكيداً على مكانة المنظمة، عملاً بشرطية تمثيلها الشرعي الوحيد للمنظمة من حيث شمولية التمثيل وعدالته، ورفضاً للاستخدام والتفرد والهيمنة.

لم يكن قرار المقاطعة لمجرد المقاطعة، بل كان قراراً مسؤولاً يُقدم البديل الوطني استناداً لقرارات الإجماع الوطني واتفاقات المصالحة التي وقعها عليها الكل الفلسطيني، ورفضاً للاشتراطات الخارجية التي تُسمم العلاقات الوطنية الفلسطينية، وتعرقل جهود استعادة الوحدة الوطنية، فنحن لا نقبل هذه الاشتراطات سواء كانت من الرباعية أو غيرها، كما لا نقبل فرض الإرادات علينا.

استناداً لكل ذلك ترى الجبهة بالمقاطعة أداة لحماية المنظمة، لا بديلاً عنها، وأداةً للاشتباك السياسي والديمقراطي مع كل من يستخدم المنظمة لمصالح حزبية وفئوية ضيقة، وضد من يتنكر ويدير الظهر للنظام الأساسي للمنظمة، وقرارات الإجماع الوطني.

ولطالما واجهت الجبهة والكل الوطني كل محاولات اختصار المنظمة وضرب شرعيتها الوحدوية ووحدانية تمثيلها بتحويلها لائتلاف ضيق لبعض المنتفعين ممن تزاوجت مصالحهم وسياساتهم وممارساتهم مع المال الطفيلي المرتبط علائقياً مع الاحتلال.