Menu

26 جانفي 1978، موتهم ليس هباء..

محمد صالح التومي - المعروفي

الاضراب العمالي في تونس 1978

26 جانفي 1978، موتهم ليس هباء...

كفى القلب ما عانى الشجون،
انطلقي أيتها الكلمات،
شقى جدران السجون،
وغالبي ولولات الرصاص،
فهكذا الشعر يكون ؛

اكتبي للكون سفرا بمداد من دماء، 
نبعه جيش الضحايا من رجال ونساء،
فضلوا الموت وقوفا تحت أهوال الشتاء ،
ومضوا الآن بعيدا حالمين بالربيع،

ابدئي ياكلماتي ، ردّدي غير المباح،
عانقي أنات شعب، ما ابتغى غير الفلاح،
كره عيش الظلام، طلب نور الصباح،
واجهوه بالجريمة...
أثخنوه بالجراح.

احك لي عن نهج روما،
ها هناك قتلوه،
بالرصاص باغتوه... حصدوه ،
كان شياتا شريفا، اسمه " العم سعيد"،
قصرت رجلا، من هول رآه،
عن هروب من منيّة،
زوجه لم تذق طعم السعادة،
تسعة أبناؤه، بَعدهُ ...
من لهم غير الشقاء؟
فابكِ يا عصافير السماء،
واذرفي الدمع دماء...

واصلي ياكلماتي،
وادخلي " باب السويقة"،
ها هنا أم تنادي :
اقتلوني ، اقتلوني! 
إنهم قد سبقوني،
رحلوا الآن بعيدا،
حملوا أغلى المُنى،
فاطلقوا النار عنادا،
مَزّقوا جسمي العجوز ،
هاهناك حيث راحوا،
يُعزف لحن الخلود،
ويُناجي الكون سرّا ،
كل أحلام الوجود،
فتكابر، وتمانع ،
تطلب المهر دماء! 
الحياة قد غدت لي مضيعة،
 فالحقوني بفراخي الأربعة،
ضحك الأوغاد منها،
ثم لؤما تركوها،
ترفع الصوت نواحا وتولوِل،
ربما ماتت كظيمة،
ربما عاشت سقيمة،
فلتبك عصافير المدينة،
بكل أصوات حزينة؛

حلّقي ياكلماتي،
راقبي "حيّ ديبوز"،
حيث سكنى العملة والكادحين،
ها هنا بنتٌ ملاك زانهاشَعر حريري،
ثوبها قُدّ جديدا،
أبيض، كالثلج ناصع،
ذات وجه داعبته شمس "كانون" الحزين،
فغدا والحق نورا،
لطّف الريح سناه ،
حولها الأنداد، كانوا....
يهتفون للحياة،
زغرد البارودُ فيها... فغدت،
كحمام سربلوه بدماه ،
ثم ماتت،
وعلى الثغر ابتسامة،
وكلام لم تقله في الشفاه،
هي دنيا ملأوها بالحقارة، 
نزعوا عنها الطهارة،
فاذرفي الدمع جهارا...
يا عصافير المنارة....

هوّمي يا كلماتي،
واذكري كل مكان...
مات فيه كادح،
كان يعمل،
كان يحلم،
ويسير في الشوارع،
هاتفيا بالآخرين :
"هيّا هُبّوا، هيا هبوا،
نأخذ الثأر سواء،
نرمي بالأعداء بحرا،
و ننادي بالإخاء،
للملايين السعادة،
للملايين الحياة،" 
بالرصاص...
مزقوه،
قطعوه،
شوهوه،
فاصرخي في الناس حزنا،
عمّقي وجع الجراح...
ياعصافير الصباح....

سافري يا كلماتي،
وابحثي لي  عن أداة المعتدين،
قاتل... لكن ضحيّة :
ابن فلّاح فقير...
ألبسوه كسوة،
سلموه بندقيّة،
فغدا وحشا جسورا،
فجّر فيه العداء،
ذُلّ ها تيك السنين،
صاح فيه الناس حُبّا :
أنت منّا، لا تُقاتل...
قال : لا،
أنتم رمز البلاء،
وأنا اليوم عظيم...
أحكم كل الرقاب،
ثم صال،
ثم جال،
أطلق النيران سيلا من دخان وعذاب،
طعنوه في القفا،
هاهنا لون الدماء،
 كان ثأرا وانتقاما،
إنه درس عتيّ للذي خان الجموع،
فغدا للظلم ظلا،
في انكسار وخنوع،
زقزقي لحنا جديدا....
 يا عصافير الربوع،
وارفعي للعين ريشا،
وامسحي بعض الدموع....

في النهاية...
سارعي يا كلماتي،
خاطبي حلم الشعوب،
واسأليه: هل يموت؟
واسمعي منه الجواب...
هو ذا  الصوت يُدوّي :
سوف أحيا، لن أموتَ،
سأغني بإباء....
و أقول للصباح...
ابتدئ هذا المساء،
فاتركو ني الآن أبكي...
كل أبطال الشتاء،
و أصيح في الروابي :
"موتهم ليس هباء 
هل رأيتم أملا......
        مهره غير الدماء...؟ 

************************************
هذه قصيدة شبه  ملحمية، كُتبت في العسر والآلام على إثر الإضراب العمالي  الكبير الذي جد بتونس يوم 26 جانفي 1978، وقد سبق نشرها  بجريدة " الشعب"  سنتي 2008، و2010،
 أما  لوحاتها فتروي وقائع  حقيقية كما تداولها الناس آنذاك وهم يتبادلون أخبار الفجيعة الغادرة كما وقعت، فلا أحد كان يتوقع التعامل مع إضراب عمالي بكل تلك القسوة،
 وقد لعبت  ميليشيا  الحزب الحاكم الوحيد  أي  الحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك  التي أُطلقت يدها للإجرام، دورا كبيرا في الاستفزاز  والعدوان تمهيدا لإعلان  حالة الطوارئ.... فكان ماكان.... مما تروي هذه القصيدة. بعض وقائعه  بتونس العاصمة.... علما   بأن الإضراب عمّ  كامل أنحاء البلاد، وأن الشهداء سقطوا في كل الجهات.... وقد بلغ عددهم    470  شهيدا  في أوثق رواية، وربما أكثر... ولم يعترف النظام إلا بخمسين شهيدا فقط  في الوثائق التي أصدرها مدير الحزب محمد  الصياح فيما أسماه ب" الكتاب الأبيض" ،
علما بأن الشاعر الر احل محي الدين خريّف كان كتب  في تلك السنة قصيدا حول هذه الانتفاضة... عنونه " عصافير باب البحر لا تبكي" ....
وقد جاءت هذه القصيدة في تفاعل مع ما كتبه  دون أن تكون معارضة شعرية لذلك..