Menu

إلى اللقاء بدران جابر "أبا غسان"

ثائر أبو عياش

عاش هذا العجوز حامي نار القضية المشتعلة، أمام الخيمة التي اختارها غسان كنفاني لسعد، لأن هذه الخيمة ونارها هي حتماً تفرق عن الخيمة التي تغرق بالوحل، فالخيمة الأولى تؤمن أن علينا أن نقوم بإغلاق المزراب "الاحتلال"، لأنه السبب في هذا الوحل وهذه الخيمة، وأما الخيمة الثانية تكتفي بتنظيف الوحل من أمام الخيمة، ولكن يوماً ما سيدفن الوحل سكان هذه الخيمة، ولذلك كان يؤمن جابر بما قاله رفيقه جورج حبش : "ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة".

 إذا كان لا بد من الموت فليكن على حدود فلسطين التاريخية، ونحن نقاتل كالرجال في الشمس، هكذا كان يفهم جابر الصراع، لذلك دق جدران الخزان كما أوصى سعيد الذي عاد إلى حيفا يزورها ويبحث عن ابنه الذي تركوه طفلًا في منزلهم الذي شُرِدُوا منه بفعل الإرهاب والتهجير والتطهير العرقي الصهيوني عام 1948، فوجد نفسه يحاور اليهودية التي قامت بتربية خلدون، فقال سعيد لميريام: "طبعاً نحن لم نجئ لنقول لك أخرجي من هنا، ذلك يحتاج إلى حرب"، وعليه ناضل بدران بجانب جورج حبش و أبو علي مصطفى وغسان كنفاني وأبو ماهر اليماني لاسترداد صفد واللد وحيفا ويافا وعكا وعسقلان وقرية الشجرة...

كان يعلم بدران أن خلدون ليس لحماً ودماً، بل هو اليوم حكومات ودول اسمها الإمارات والبحرين والمغرب، وكانت قبل ذلك مصر والأردن، حتى منظمة التحرير أصبحت كذلك، جميعهم خلدون الذي يعتبرنا على الجانب الآخر، وأنه ليس من حقنا أن نسأله لماذا قمت بالتطبيع؟ ولذلك أدرك أننا بحاجة إلى الفدائي خالد، لأن الإنسان قضية وقضية عن قضية تفرق.

يعتبر بدران من الحراس القدامى، فقد كان عليه اجتراح البطولة، وقوة المثال، فهو من زمن السحر، زمن التأسيس، فتكلل بالبطولة، وقوة المثال، وبالشجاعة، والجرأة "الجرأة أولًا، الجرأة أبدًا"، جرأة ثمنها الدم والروح، وحقاً كانت روحه على كفه في سنوات المجد الشامخة في فلسطين، فهو من الذين تسلحوا بمقوله: "يصنع التاريخ من فوهات البنادق لا عبر حمامات السلام"، وإن "طبقه لا تتعلم حمل السلاح تستحق أن تعامل معاملة العبيد".

بدران هو سعد ابن أم سعد، الشاب الوفي للقضية الفلسطينية، وضمير حركتها الثورية، دشن في تجربته صرحاً نضالياً أطلق عليه اسم "عود العنب" الذي زرعته أم سعد ليعطي الثمر، كان يفهم بدران أن هذا العود هو الوعي الذي قال فيه رفيقه جورج حبش: "إن المقاتل غير الواعي سياسيا كأنما يوجه فوهة البندقية إلى صدره"، وكان يفهم أيضاً أن أم سعد ليست إلا الأرض الفلسطينية التي تحثنا يومياً على النضال، لأن الصراع مع الاحتلال هو صراع وجود وفي جوهره هو صراع إنساني.

بصلابةٍ وعزيمةٍ لا تهدأ أو تخبو أو تلين كان متمسكاً بالقضية الفلسطينية بأهدافها وطموحاتها، في الانعتاق والتحرر والاستقلال والوحدة والتقدم والديمقراطية، كان بدران الفدائي العتيق في جبال الخليل، حيث كمائن أبو منصور السواركة المُحكمة.

إلى اللقاء بدران جابر أيها الفدائي الأخير يا عناد جبال الخليل، لقد سبقك اسمك وتاريخك ونضالك وهذا كان واضحاً في الدموع التي ذرفت عليك أثناء التشييع، لقد كانت دموعاً تحاور القلب والعقل، تحاور رحيلك، وتحاور الشهد الموجود في عنب الخليل، ذلك العنب الذي كنت تحب ورقاته المطبوخة، وربما جاء هذا الحب من وديع حداد الذي وضع كلمة السر لخطف الطائرات في 6 سبتمبر/أيلول 1970 اثناء تنفيذ عملية مطار الثورة، وقد كانت هذه الكلمة "ورق عنب وكوسا".

توفي بدران في 25 يناير من عام 2022 وما تزال فصول النكبة مستمرة، تلك الفصول التي عايشها بدران منذ مشاركته في المسيرات التي خرجت ترفض زيارة الرئيس التونسي حبيب بورقيبة إلى فلسطين في عام 1965، هذه الزيارة التي  دعا فيها بورقيبة إلى إجراء صلح مع الاحتلال والقبول بنتائج حرب 1948، كان مشاركة بدران خجولة تحت راية منظمة أبطال العودة وحركة القوميين العرب، ولكن جاءت مجزرة بلدة السموع بتاريخ 13 نوفمبر 1966 لتكون الفصل الأول والمفصلي في حياة هذا الرجل، ليبدأ مشواره النضالي المتراكم كما تراكم الشيب في رأسه، ومنذ هذا الفصل أصبحت كلمة "اعتقال" هي الكلمة التي تسبق اسم بدران جابر.

 أما الفصل الأخير كان في فيه بدران يقاتل أبو الخيزران الجشع الذي ما زال إلى حد اليوم يعيش بيننا ويستغل أبو قيس وأسعد ومروان، كان يدرك جيداً أن الصهريج الذي يمتلكه أبو الخيزران ما زال موجوداً حتى اليوم ربما على شكل قارب يقتل شباب غزة، أو على شكل مصانع يمتلكها رجل سياسي يتحدث باسم القضية الفلسطينية هذه المصانع التي تنتج كل شيء إلا الحرية، أو حتى على شكل مستوطنات تخنق يومياً النسوة العاملات فيها.

  بين هذين الفصلين عاش بدران يطارد التاريخ الذي سرقوه، عاش النكسة، وأيلول الأسود، ومعركة الكرامة، وحرب المدفعية، واجتياح لبنان، والانتفاضة الأولى، وأسلو، والانتفاضة الثانية، وعاش الانقسام أيضاً... كان يناضل في كل تلك المحطات حتى تعود فلسطين، ولكن ربما علينا أن نقول له اليوم: لم تعود فلسطين، ولكن قد عدت أنت إليها، إلى الأرض، والعزاء الوحيد أن أرض فلسطين حنونه على أبنائها.

في مقال سابق قلت في نهايته عن بدران جابر: ربما علينا أن نجيب غسان كنفاني عندما سأل في روايته عبر عنوانها الرئيسي ما تبقى لكم؟ أن ما تبقى لنا بدران جابر وتضحيات أمثاله، وتبقى أيضاً لنا صوته وهو يحتضن حفيده ويلقي عليه نهاية قصيدة نعم مولاي تراب لشاعر مظفر النواب:

وعاودني

أني أسمع نوم الطفل

دخيلك يا الله يشب له وطن

فأنا عشت بلا وطن

وتقيّءُ لي بين النهرين تـراباً

أرقد فيه قريرَ العينِ

نعم مولاي تراب

تلك النهاية التي يجب أن تكون البداية لنا، لآن بدران جابر لا يقبل الفراغ.