Menu

أوكرانيا بين يالطا ومالطا

حاتم استانبولي

جلس الثلاث زعماء في مدينة يالطا؛ جوزيف ستالين، وتشرشل، وروزفلت، لِيتقاسموا العالم بعد انتصارهم على ألمانيا النازية التي قسمت إلى قسمين ووضعت خطوط حدود النفوذ السوفيتي والغربي التي كانت خط الهدنة لما عرف بمرحلة الحرب الباردة التي أطلقها العالم الغربي، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان اعتبرتا: أن العدو الجديد المشترك يتمثل بالنظام الشيوعي الجديد.

في مؤتمر مالطا الذي حصل بين كل من الرئيس السوفييتي غورباتشوف والأمريكي جورج بوش الأب على متن البارجة السوفييتية مكسيم غوركي؛ اتفق الاثنان على إنهاء مرحلة الحرب الباردة، وفي هذا الاجتماع اُتفق شفهيا حسب بعض المصادر الأمريكية، بأن لا يتقدم الحلف الأطلسي ولو انشًا واحدًا شرق الخط الذي حدد في يالطا. ولكن مع التطورات المتسارعة في دول الاشتراكية وبدء انهيار نظمها وتفكك منظومتها الأمنية والدفاعية، حصل التمدد الاطلسي الى معظم الدول، في وضع كانت روسيا، في حالة سكر سياسي فرضه الرئيس المدمن يلتسن.

مع تولي فلاديمير بوتين الرئاسة، بدأت مرحلة جديدة لإعادة بناء وتأهيل البنى التحتية، وأعاد الاعتبار للكرامة الروسية التي تم التمادي عليها، حتى إنها أصبحت مادة للاستهزاء في هوليوود التي أنتجت مجموعة من الأفلام تظهر مدى سيطرة الأجهزة الأمنية الغربية، وتحديدًا الأمريكية على مفاصل السلطة الروسية.

بعد أن أعادت روسيا بناء ذاتها على أسس جديدة وأقامت تحالف الدول المستقلة الذي يضم عددًا من الجمهوريات السوفييتية السابقة، أضحت في وضع تستطيع أن تعود بفعالية إلى دورها، لكي تأخذ موقعها الذي يعبر عن عضويتها في مجلس الأمن الدولي، والذي تمتلك فيه حق الفيتو، فكانت التجربة الليبية التي اعتبرت روسيا أنها خدعت فيها، بعد أن صوتت مع الحظر الجوي في الأجواء الليبية الذي استثمرته فرنسا والدول الغربية، لقصف ليبيا واغتيال رئيسها العقيد معمر القذافي.

واستمرت الدول الغربية تحت عنوان الربيع العربي في تأجيج الصراعات الداخلية في سورية، عبر دعمها للمجموعات الإرهابية وجماعة الإخوان المسلمون، وطالبت النظام والرئيس بالتنحي، وأرادت استخدام مجلس الأمن الدولي لإعطاء شرعية قانونية لإسقاط النظام كما حدث في ليبيا.

لقد كانت سورية القشة التي قسمت ظهر البعير في العلاقة الروسية الغربية، عندما أعلنت خمسة مرات الفيتو ضد محاولات المجموعة الغربية، بقيادة الولايات المتحدة لتغيير النظام السوري، وهذا الفيتو كان بداية توتر العلاقة الروسية الغربية، وشعر الغرب والولايات المتحدة خصوصًا، بأن سياسة جديدة بدأت تنتهجها موسكو انطلاقًا من الأزمة السورية، وهي سياسة إعادة صياغة المصالح القومية الروسية، بما يتناسب مع حاجياتها الاقتصادية والأمنية خاصة، لمواجهة خطر الإسلام السياسي الذي تستخدمه واشنطن في تفكيك وإعادة تركيب النظم السياسية في المنطقة المحيطة بحزام المصالح الروسية.

تلك السياسة الجديدة كان لا بد أن تتصادم مع المصالح الأمريكية، كانت تجلياتها واضحة في الساحة السورية بشكل عام، وبشكل أكثر وضوحًا كان في العملية الخاطفة لإعادة السيطرة على شبه جزيرة القرم، هذه الخطوة التي اعتبرتها واشنطن ولندن تحديًا صارخًا، يتوجب الرد فبدأت بسياسة العقوبات الاقتصادية، وترافقت مع حملة لتشويه سمعة الرئيس بوتين واتهامه في استخدام السموم لاغتيال معارضيه، وتم إلغاء عضوية روسيا في مجموعة الثماني التي تحولت إلى مجموعة السبعة.

وتوجت الحملة عندما اُتهمت موسكو بالتدخل في الانتخابات الأمريكية التي أسفرت عن خسارة الديمقراطيين ونجاح ترامب كنجم رئاسي جديد، من خارج المنظومة النمطية للرئاسة الأمريكية.

ترامب تَعامَل بسياسة مختلفة مع روسيا، من موقع المنافس القوي، وجمد الصراع مع موسكو في الملف الأوكراني والسوري، وفتح معركة مع الصين التي اعتبرها الخطر الأكبر الداهم على المصالح الأمريكية، وكذلك فتح خلافا مع الحليف الأوروبي وطالبه بالدفع مقابل الحماية التي تؤمنها الولايات المتحدة لدول الاتحاد الأوروبي.

سقوط ترامب وعودة الديمقراطيين للبيت الأبيض الذين ورثوا وضعًا فوضويًا، أرادوا أن يعيدوا لملمة العلاقات مع الحلفاء وإعادة بنائها، ولهذا كان هنالك الضرورة لإيجاد خصم مشترك يجمع الجميع ويعيد للولايات المتحدة دورها القيادي الذي تراجع في عهد ترامب.

لا شك أن روسيا استثمرت في الفترة الترامبِية، وتسللت بشكل ناعم في مناطق كانت محظورة ومغلقة عليها مثل دول الخليج العربي، وخاصة السعودية، وبذات الوقت أنجزت مشروع السيل الشمالي وعززت من وجودها في سورية ورفعت من درجة التنسيق مع تركيا في سياسة تسعى لضبط ايقاع سياستها، بما يتوافق مع المصالح المشتركة، وبذات الوقت طالبت الجميع بالخروج من سورية، وكانت حاسمة في التصدي لتغيير النظام في كازاخستان، وأثارت المخاوف الغربية عندما أعلنت عن إنجازها العسكري في مجال الصواريخ الفرط صوتية.

التخوف الأمريكي من سياسة القضم التدريجي الذي رأته واشنطن على أنه يهدف إلى إعادة تشكيل خارطة جديدة لِحدود المصالح الروسية، دفعها إلى تصعيد مواقفها تجاه السياسة الروسية، حيث تريد من خلال هذا التصعيد إعادة الاعتبار لدورها كقائدة للعالم، وبذات الوقت تعيد رص صفوف حلفائها الغربيين.

اختبار أوكرانيا كمنطلق للتصعيد، يحقق للسياسة الديمقراطية للبيت الأبيض، مجالًا لمحاولة توحيد التحالف الغربي الذي تقوده واشنطن، وإعادة الاعتبار للناتو الذي تلقى انتقادات لاذعة في المرحلة الترَامبِية.

وبالرغم من إعلان موسكو مرارًا أنها لا تنوي مهاجمة الأراضي الأوكرانية، إلا أن الإصرار على التصعيد والتهديد بالعقوبات ودفع كييف للمغامرة، كي تكون حصان طروادة في الخاصرة الرخوة لروسيا، لم تقابله روسيا بالعدوان، بل هي تملك وسائل أفضل للضغط على كييف، إن كانت اقتصادية أو عسكرية أو سياسية، حيث تطالب موسكو، بأن يتم تطبيق اتفاق مينسك لحل سلمي للصراع الذي نشأ شرق أوكرانيا بعد الانقلاب البرتقالي (المدعوم غربيًا) على الشرعية المنتخبة بداية عام ٢٠١٤. إن إعلان موسكو علنًا عن مطالبها الأمنية، وضع الإدارة الأمريكية والناتو في موقف لا بد من الإجابة الخطية عليها، كما طالبت موسكو بهذا التوثيق الذي تريد منه موسكو تبيان من سيكون المسؤول عن التصعيد.

إن أهم شرط أمني لروسيا هو عدم تمدد حلف الناتو شرقًا، هذا المطلب الذي رفضته الإدارة الأمريكية والناتو وبعض دول الشمال التي سارعت بإعلان أن عنوان التحالفات هو شأن سيادي لكل دولة، هنا حضرت المكالمة بين الرئيس بوتين والرئيس الكوبي، مكالمة من حيث التوقيت لها دلالاتها، حيث تؤشر بشكل غير معلن: ماذا لو استخدمت كوبا أو فنزويلا سيادتها وسمحت بنصب صواريخ روسية أو صينية على أراضيها؟ ماذا سيكون رد الفعل الأمريكي أو الغربي؟

هذا يعيدنا الى أزمة الصواريخ الروسية في كوبا عام ١٩٦٢، والتي انتهت إلى سحب الصواريخ السوفييتية من كوبا، مقابل سحب واشنطن صواريخها النووية من إيطاليا وتركيا وبريطانيا.

من الواضح أن المواجهة القائمة الآن، ستنتهي الى مساومة، ستكون كييف هي الخاسر السياسي والاقتصادي الأكبر، حيث سيتم الاعتراف الضمني بالحقوق الروسية في الشرق الأوكراني (دونتيسك ولوهانسك) من خلال تنفيذ اتفاق مينسك وتأجيل قبول عضويتها في الناتو إلى أجل غير مسمى. كل من واشنطن وموسكو، وبالأخص أوروبا، لن تدفع الأمور إلى حافة هاوية الحرب التي لن يستطيع أيًا كان معرفة تطوراتها ونتائجها.

نتائج المواجهة أيًا كانت، ستفضي إلى حقيقة أن العالم سيكون له أربع أرجل: الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي الذي يسعى إلى التفكير الجدي في الاعتماد الذاتي على حماية اتحاده، هذا الأصوات التي ارتفعت في ظل هذه الأزمة وشجعتها اختلاف السياسة الأمريكية، بحسب لون من يسكن بالبيت الأبيض، إن كان جمهوري أو ديمقراطي، وكذلك شكل عدم ثقة لِحلفاء واشنطن وأعدائها، حيث تطالب إيران في فيينا بضمانات لعدم تراجع واشنطن عن الاتفاق إذا ما تغيرت الإدارة الأمريكية، هذه الصورة التي يتشارك فيها أصدقاء واشنطن وأعدائها، من أن السياسة الأمريكية ليست موضع ثقة والمثل الأفغاني ما زال حديثًا.