Menu

المجلس المحلي الشبابي_ بيت أمر.. نموذجاً للتطوع

ثائر أبو عياش

بوابة الإنسانية

 في نظريته التقسيم الاجتماعي، يؤكد عالم الاجتماع "دوركايم" بوجود نموذجين أساسيين للتضامن هما التضامن الألي والتضامن العضوي، فالتضامن الآلي يعبر عن المجتمعات القديمة التي يسود فيها شعور قوي بالترابط الاجتماعي، أما التضامن العضوي فهو يعبر عن المجتمعات الحديثة التي يزداد فيها تقسيم العمل.

تعتبر "العونة" هي جزء أصيل من المجتمع الفلسطيني الآلي وخصوصاً في الريف الفلسطيني، وكانت تقوم على المحافظة على النسيج الاجتماعي، من خلال مساعدة الآخرين سواء معنوياً أو مادياً في كافة المناسبات الاجتماعية مثل: أوقات الحصاد وقطف الزيتون، وأعمال البناء، وفي الأفراح والأتراح، وهي مساعدة تقوم على مبدأ أن لا مقابل لها. كانت "العونة" أو ما تعرف "بالفزعة" لا تقتصر على فئة معينة أو جنس معين، فقد اعتاد الرجال والنساء على تقديم العون للآخرين، كما كان يشارك فيها كبار السن، والأطفال.

في ظل التطور الاجتماعي وتغيير مفهوم المجتمعات أصبح المجتمع الفلسطيني العضوي يفقد قيمة "العونة"، فقد أصبح مقابل العمل التطوعي "أجر"، وبذلك فقد قيمته الأساسية في البعد الاجتماعي مع ظهور الرأسمالية والتصنيع، وذلك ساعد على تراجع مفهوم "العونة" داخل بنية المجتمع الفلسطيني.

في 20.4.2018 قامت مجموعة شبابية في بلدة بيت أمر التي تقع شمال الخليل، بإنشاء مجموعة تطوعية، أطلقوا عليها اسم "المجلس المحلي الشبابي"، تحت شعار "نحن نقود التغيير.. ونصنع المستقبل We lead the change.. and create the future"، كانت هذه المجموعة صغيرة العدد، ولكن كانت تحمل معها شعاراً أخر، أن العمل الكمي يؤدي إلى تغيير نوعي، وأن في الحركة بركة.

بدأت كرة الثلج تتدحرج لتكبر يوماً بعد يوم، إيماناً من هؤلاء الشبان أن تطور الظروف المعيشية والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تملي أوضاعاً وظروفاً جديدة على المجتمع الفلسطيني، تقف فيه الحكومات الفلسطينية عاجزة أحياناً عن سد هذا العجز، مما يستدعي تضافر كافة الجهود الشعبية والرسمية لمواجهة هذا الواقع وهذه الاوضاع، ومن هذا المنطلق جاء العمل التطوعي للمجلس الشبابي الفاعل والمؤثر والمؤازر للشعب الفلسطيني في بلدة بيت أمر.

يعتبر المجلس الشبابي نموذجًا مميزًا للوحدة الفلسطينية، فقد أطلق صندوق وهمي أسماه " انتمائك الحزبي داخل الصندوق"، وذلك يعني عند ممارسة العمل التطوعي لا وجود لحزب فلسطيني أو حركة، بل يوجد العمل الإنساني والاجتماعي والثقافي، وفعلياً نجح في ذلك خصوصاً أن المجلس الشبابي يوجد فيه أسرى سابقين من كافة الأطياف الفلسطينية، إلى جانب وجود كفاءات علمية مميزة، بالإضافة إلى وجود متطوعين من كافة الفئات والشرائح المجتمعية.

يواجه المجلس المحلي مجموعة من التحديات على رأسها المشاركة الضئيلة للمرأة، فالعنصر النسائي شبه متغيب داخل نشاطاته، ويلعب التحدي الاجتماعي من منظور العادات والتقاليد دور في ذلك، ولكن نجح المجلس في كسر هذا التحدي جزئياً، عبر إعطاء المرأة دور في الانخراط في نشاطات العمل التطوعي.

عمل المجلس الشبابي على مبدأ السرية واحترام خصوصيات الآخرين وخصوصاً في العمل الانساني المتمثل في المساعدات الإنسانية، فمثلاً يعمل المجلس الشبابي بسرية تامة أثناء تقديم المساعدات الإنسانية، وذلك احتراماً لمشاعر المستفيدين، مما عزز الثقة العالية بين الجمهور والمتطوعين، وهذا ما جعل المجلس الشبابي يدخل كل بيت يحتاج إلى مساعدة داخل بلدة بيت أمر، وخصوصاً أن المتطوعين لم يبحثوا عن المنفعة الشخصية.

ومن أحد العوامل التي ساعدت على نجاح فكرة المجلس الشبابي هو الجهد الاعلامي المميز الذي قام به فريق مميز ومتخصص، وكان أحد أهداف العمل الإعلامي هو تعميم فكرة العمل التطوعي غير المدفوعة الأجر، وأن المستحيل من المؤكد يصبح ممكنًا، وأيضًا حث المتبرعين على دعم المجلس الشبابي، وفعلياً نجحت هذه الفكرة، فقد أصبح المتبرعون يثقون بالمجلس الشبابي، خصوصاً أن المجلس يقوم على عمل مسوحات اجتماعية ذات بعد علمي وبشكل دوري ويقدمها للمتبرعين، حول أعداد العائلات التي تحتاج مساعدات إنسانية، وأعداد المرضى وذوي الإعاقة، وأعداد الطلاب الذين يحتاجون أقساطاً جامعية وغيرها.

لم يتوقف عمل المجلس الشبابي عند العمل الإنساني فقط، بل يقوم بعمل لقاءات ثقافية دورية، تتناول مواضيع مختلفة مثل: النكبة الفلسطينية، والمخدرات، والجريمة الإلكترونية...، وعمل المجلس على أيضاً على التشبيك مع المؤسسات المختلفة في فلسطين، تحت عنوان توحيد الجهود لرفع الوعي الفلسطيني، وبالرغم من هذا التشبيك يرفض المجلس الشبابي فكرة التمويل المشروط، والعمل مع المؤسسات التي تمارس التطبيع مع الاحتلال، بالإضافة إلى ذلك قام المجلس الشبابي بالتركيز على الجانب الصحي، من خلال إقامة أيام طبية مجانية في بعض المناطق المهمشة في بلدة بيت أمر، وأيضاً له دور مميز خلال فترة "كورونا"، وذلك من خلال توزيع المعقمات والأدوية على الحالات التي أصيبت بالفايروس، ونشر الثقافة الصحية لكيفية التعامل مع الفايروس.

لعب الموقع الجغرافي لبلدة بيت أمر دور كبير في تحديد نشاطات المجلس الشبابي، فبلدة بيت أمر تقع على شارع القدس الخليل، أو ما يعرف باسم شارع 60، وهذا الشارع تمر عليه جميع المركبات القادمة من شمال ووسط الضفة الغربية، ولذلك قرر المجلس إطلاق حملة "مي وتمر" خلال شهر رمضان من كل عام، وعلى الرغم من مرور مركبات المستوطنين والآليات العسكرية التابعة للاحتلال، والتي كانت تشكل خطر كبير على المتطوعين، كانوا يستمرون في نشاطهم، وكانت الحملة الأخيرة  تحمل اسم الشهيد "عاهد أخليل" المحتجز جثمانه في ثلاجات الاحتلال منذ تاريخ 5.1.2021، لتسليط الضوء على قضية الشهداء المحتجزون داخل ثلاجات الاحتلال، ولذلك داخل الكيس الذي يوجد فيه المياه والتمور وضع المتطوعين ورقة تتناول قضية الشهيد عاهد أخليل للتعريف به.

يشارك المجلس الشبابي في معظم المناسبات الاجتماعية المختلفة في بلدة بيت أمر، ويقوم بزيارات لعائلات الشهداء والأسرى والجرحى، ويشارك في الوقفات الوطنية المختلفة... من الصعب حصر جميع النشاطات التي قام بها المجلس من خلال هذا المقال، ولكن يعمل المجلس الشبابي على تعزيز التطوع كظاهرة اجتماعية على مدار السنوات الماضية، من خلال نشاطاته المتنوعة لتعزيز التأثير الإيجابي للتعاون والتكافل الاجتماعي داخل النسق الإنساني في بيت أمر.

إن المجتمع الفلسطيني اليوم يعيش حالة المجتمع العضوي في مفهوم العمل التطوعي، ولكن المجلس الشبابي أعاد مفهوم "العونة" أو "الفزعة" التي كانت في المجتمع الفلسطيني الآلي، ربما يقول القارئ أن هذه إهانة، بل على العكس هو إنجاز للمجلس الشبابي، أن يعزز مفهوم التعاون بين الجماهير في ظل مجتمع يقبع تحت الاحتلال.

يؤكد عالم الاجتماع روبرت ميرتون، أن للظاهرة الاجتماعية هدفين، هدف ظاهر للجميع، وهدف كامن، فكان الهدف الظاهر للجماهير من خلال نشاط المجلس الشبابي هو المساعدة الإنسانية، ولكن الهدف الكامن كان تعزيز القيم الإنسانية وتقوية المجتمع الفلسطيني في بلدة بيت أمر، لمواجهة الصعوبات المختلفة، وأيضًا التقليل من نسبة الانحراف والجريمة داخل المجتمع.

 وعلى الصعيد الفردي كان يطمح المتطوعين من خلال مشاركتهم في نشاطات المجلس المحلي الشبابي، تعزيز سلوكهم الإنساني، وصقل شخصياتهم، وفي هذا الصدد يؤكد عالم الاجتماع ماكس فيبر، أن الفعل الاجتماعي له معنى عند الفاعل سواء كان فعلاً تقليدياً، أو عاطفياً، أو فعلاً عقلياً مرتبطاً بقيمة، أو فعلاً عقلياً مرتبطاً بهدف، فكان الفعل الاجتماعي لدى المتطوعين هو فعل عقلي مرتبط بقيمة لها درجة عالية من الوعي وكانت هذه القيمة هي قيمة التضحية.

يعزز المجلس الشبابي مسلكيته القائمة على احترام الجماهير واكتساب هذه الجماهير إلى صفه، لأن الجماهير لا يمكن أن تلتف حول من يسيء إليها ويتكبر عليها ويعاملها بغطرسة وعنجهية، إلى جانب ذلك يعتمد المجلس الشبابي على هذه الجماهير التي يعمل باستمرار على تعبئتها، بالإضافة إلى ذلك يثق المجلس الشبابي بالجماهير وينظم العلاقة بينه وبينهم عبر قانون المحبة، ويلتحم المجلس الشبابي مع الجماهير، عبر مشاركتهم في قضاياهم المختلفة فالمجلس يتعلم من هذه الجماهير ويعلمها، والأهم أن المجلس الشبابي يؤمن بوحدة هذه الجماهير.