Menu

الخطاب الحقوقي في فلسطين: مقاربة تحررية أم مدخل للتصفية؟

محمد جميل

استهلال

مثّلت مقدمات انهيار الكتلة الشرقية نهاية الثمانينيات نقطة فاصلة في الإدراك الأممي لحدود ما هو ممكن تحقيقه على صعيد التغيير السياسي في النظام العالمي، تخلى بموجبها أصحاب وأنصار قوى التغيير عن مشاريعهم الكبرى، وتحولوا لاعتناق ما اعتُبِر مقاربات واقعية تستجيب لحقائق القوة والسيطرة الكونية، التي ترسّخت وباتت تحتّم على دعوات وجهود التغيير ألا تتجاوز حاجز «الإصلاح» كشعار، و«التغيير من داخل النظام» كحد للفعل.

هذا التحول، الذي نشأ عن ضبط الخطاب والفعل السياسي والهبوط بسقفهما إلى حد يكتفي بتحسين شروط التعايش ضمن هياكل علاقات القوة القائمة داخل الكيانات السياسية والاجتماعية، أو بينها من دون الانقلاب عليها، والتمرّد على موازين القوة بين أطرافها، وجد في خطاب حقوق الإنسان ومتعلقاته القانونية والمؤسسية، وما صدر من إعلانات أمميّة، ميدانًا مناسبًا ومريحًا لكل الأطراف ومقبولًا منها للاشتباك مع أسئلة كبيرة ليست بالضرورة الأسئلة الصحيحة، مستفيدًا على المستوى الكوني كذلك من التباين الشاسع في تأويل وتفسير بنود الإعلانات العالمية لحقوق الانسان بين دول الجنوب من جهة، والشمال من جهة أخرى، خصوصًا في ما يتصل بتحديد الأولويات ونطاق إلزاميتها وشموليتها.

في فلسطين، ظهور وتبني المقاربة الحقوقية من قبل قطاعات سياسية واجتماعية معينة بُعيد توقيع اتفاقيات أوسلو، بدا أقرب لإعلان هزيمة منه انتقالًا إلى مساحات بديلة للاشتباك مع سؤال التحرر الوطني بعدّة خطابية وتنظيمية جديدة أضاعت منذ البداية الخطوط الفاصلة بين القانون والسياسة. وخلال ثلاثة عقود من عمرها الفعلي ظلت منظومتها الخطابية والمؤسسية فقاعة بلاغية ووظيفية طرفية في موقعها من المجال السياسي الفلسطيني ومغتربة عنه.

تراجع الحركة الوطنية للفلسطينيين في العقود الأخيرة تحت وطأة استهداف حواملها الشعبية في الشتات و غزة ومدن الضفة، وانكشاف المجال العام أمام المال الأجنبي ليصبح الأخير الفاعل الأبرز فيه، وخلق مساحات جغرافية وسياسية وعقلية تشاركية لعناصر فلسطينية وغربية وأحيانًا إسرائيلية معزولة وآمنة من كتل الوجود الفلسطيني الحقيقية، وانتقال القسم الأكبر من التفاعل السياسي مع المجال العام إلى فضاء الإنترنت وتطبيقاته التي تُحجب وتُستأصل لوغاريتماتها حضور الوجود الفلسطيني الفعلي والواقعي، وتخلق مخيالًا بديلًا له لا يتعدى وجوده وأثره كابلات الإنترنت التي تنقله، وأسباب أخرى اجتمعت لتدفع نحو الواجهة في السنوات الأخيرة الخطاب الحقوقي ومشتقاته، وما يرتبط به من دوائر حقوقية وأكاديمية وإعلامية وناشطين في لجان «التضامن الدولي». ما استدعى بدوره لدى قطاع واسع من الفلسطينيين تأملات متشككة تُعيد قراءة واستكشاف الخطاب الحقوقي وموقعه من السياق التحرري الفلسطيني للتجمعات الفلسطينية، والأهم مواقع هذه التجمعات منه!

إرهابيون لكن لطفاء

قبل بضعة أسابيع، صدر إعلان عن وزير الحرب الإسرائيلي بيني جايتس يسمّي ست مؤسسات حقوقية فلسطينية «منظمات إرهابية»، في إجراء تصعيدي استدعى ردود فعل من أطراف فلسطينية وغربية وإسرائيلية بعضها منفرد والبعض الآخر مشترك، تسبّبت بالتباس أثار تساؤلات طغت على موضوع الإعلان نفسه، بالنظر إلى أن تداعياته والتفاعلات ذات الصلة به في الأوساط الحقوقية والسياسية والإعلامية الإسرائيلية وبعض الدوائر الغربية، فاقت اهتمام الفلسطينيين وبعض ممن هم في موضع الاتهام منهم به. وكان باديًا أن اتساع وتشعّب مفاعيل حملات التضامن مع المؤسسات الست التي استأثر بتنظيم القسم الأكبر منها أوساط غربية وإسرائيلية، قد تجاوز حدود توقعات المعنيين وحتى العاملين فيها وطاقة الأخيرين على الإحاطة أو التفسير.

  • المرتبكة لممثلي هذه المؤسسات، خصوصًا في المناسبات التي كانت تقتحمها بزيارات وتصريحات وفود وعناصر إسرائيلية متضامنة قسريًا معهم، والتلعثم اللغوي والخطابي في المطالعات الدفاعية التي صدرت عن بعضهم للإعلام الذي كان إسرائيليًا وغربيًا أيضًا في معظمه، لم تتعد في جوهرها ما يقوله أي عامل فلسطيني لدى استجوابه عند حاجز تفتيش إسرائيلي من أجل الاحتفاظ بتصريح عمله وراء الخط الأخضر.. لسنا إرهابيين، لا علاقة لنا بـ«الجبهة الشعبية» أو أي من الفصائل الفلسطينية -التي لم ينفوا عنها صفة الإرهاب- الأوروبيون يعملون معنا ويعاملوننا باحترام ونتلقى تمويلنا منهم، نحن فقط نمارس عملنا بـ«حياد» و«موضوعية» ونوثق تجاوزات الجيش الإسرائيلي، نريد أخذ المتهمين (ضباطًا إسرائيليين وفلسطينيين) بجرائم حرب إلى المحاكم الدولية.. إلخ.
  • الهزيلة ومؤشرات أخرى على تردي الأداء، بيّنت قصور الجهوزية التنظيمية والدفاعية ومحدودية الكفاءة النظرية والعملية في التعامل مع حدث يسلّط الضوء على المنظومة الخطابية والتنظيمية الحقوقية الفلسطينية بهذه القوة. ويكشف لكل ذي صلة هشاشتها والحصيلة الشحيحة لسنوات عملها في فلسطين، ويسحب كذلك إلى دائرة الضوء، شبكة الأمان المالية والتنظيمية لمؤسساتها، ويثير تساؤلات حول دورها ووظيفتها حاليًا وفي المستقبل. كيف يرعى العدو نضالنا؟
  • تجاوزنا الطور الجنيني للحالة الحقوقية الفلسطينية التي كانت تنشط في مجال الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين أمام المحاكم الإسرائيلية قبل قيام السلطة الفلسطينية، فمن الممكن تعيين لحظة توقيع اتفاقيات أوسلو، كلحظة التأسيس الخطابي والتنظيمي الفعلية لمنظومة العمل الحقوقي داخل فلسطين وخارجها. فالمسار العام الذي أطلقته عملية التسوية اشتملت متعلقاته المؤسسية والخطابية مسارات فرعية، توازيه وتتقاطع معه وظيفيًا في توليد آليات احتواء وسيطرة على الفلسطينيين بمختلف فئاتهم عبر تهشيم حواضنهم الوطنية الأهلية وربطهم مؤسسيًا وماليًا بهياكل وأجسام غربية وأحيانا إسرائيلية.

الكيانية الحقوقية تنظيميًا وخطابيًا وحتى معرفيًا، كانت أحد هذه المسارات الفرعية. فبالإضافة لدورها كحاضنة تفريغ للكادر الفلسطيني المتقدم من روابطه السياسية والتنظيمية الأصلية واحتوائها وتطويعها له، فقد استجابت مثاليًا لواحد من متطلبات عملية التسوية الأساسية بنزع التسييس الفعلي ما أمكن عن القضية الوطنية الفلسطينية. لأن المقاربات السياسية أيًا كان شكلها للحقوق الوطنية للفلسطينيين في الأرض والعودة ستفضي لمسارات تحرر جادة وفعلية. وهي ما جاءت عملية التسوية لتطوي صفحتها مرة واحدة وإلى الأبد، وتقترح وتشجّع مقاربات بديلة، الحقوقية إحداها، وتوفر لها حواملها الفلسطينية، وتؤمّن عبر الأطراف الغربية الراعية لعملية التسوية ومؤسساتها المانحة أسباب الشرعية والوجود لها، ومن ثم استقدامها إلى واجهة الاشتباك مع سؤال الاحتلال الإسرائيلي ل فلسطين بوسائلها ومحتوى خطابها الذي يخلط بعض الموضوعية والمعقولية بكثير من الوهم والسراب والجهل الواثق من نفسه.

هذا القطاع الحقوقي النامي، سرعان ما تلقفت بعضه شبكات ومنظمات يهودية ليبرالية داخل إسرائيل وخارجها. وتحول ميدانًا للعمل والتعاون الفلسطيني والإسرائيلي «الحلال» والمشترك، بمزاعم اعتباطية عن أن العمل الحقوقي «مهني» و«محايد» وله مرجعية معيارية ونصيّة محددة وثابتة، يدحضها الواقع بمجموعة حقائق أهمها أن مواقف المؤسسات الحقوقية الدولية والإسرائيلية كانت متحركة في توصيفها لـ«إسرائيل» وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، وأن النصوص والمبادئ التي تشكل مرجعيته هي الحصّالة القانونية للامتدادات التاريخية لسياقات «الغرب» السياسية والاجتماعية ووليدة حروبه وماضيه الاستعماري، التي تشمل المفاعيل التاريخية التي انتهت إلى تأسيس إسرائيل، ولا تزال تحرص في الجوهر على بقائها بشكلها وتكوينها وتفوقها الحالي. ويحضر بعض الفلسطينيين -وليس كلهم- في خريطتها الإدراكية كضحايا، ولكن آثمين أيضًا، منزوعين من السياقات السياسية والتاريخية التي أوجدتهم في موقع الضحية هذا.

الخطاب الحقوقي

  • المناخ العام الذي نشأ بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، مجموعات فلسطينية من خلفيات اجتماعية محددة في رام الله والداخل ووافدين من الغرب وبعض التوابع الهامشية لها في غزة، كانت نأت بنفسها عن الاشتباك الفعلي مع سؤال التحرر الوطني منذ النكبة، وجدت في الخطاب الذي أنتجته المقاربات الحقوقية -وليس مؤسساته- مساحة للاشتباك الآمن والمربح على أكثر من صعيد مع «إسرائيل»، وبوابة تعيد من خلالها تمثيل أفرادها مؤسسيًا، وفق اعتبارات إقطاعية وريفية أحيانًا، في الهياكل الاجتماعية والسياسية للتجمعات الفلسطينية التي ينشطون ضمنها، متكئين على حزمة من الامتيازات الاستعمارية تشمل جوازاتهم الغربية والإسرائيلية وشبكات التمويل والعلاقات التي تربطهم بشكل مؤسسي وولائي بأفراد ومنظمات أجنبية، القسم الأكبر منها لا يخفي انحيازه التام لإسرائيل في صراعها مع العرب واحتلالها لفلسطين، مستفيدين من الفراغات التي خلّفها انكسار وتراجع الحركة الوطنية لعموم الفلسطينيين ومشروعهم التحرري. هذه الفئات وبالشراكة مع القطاع الحقوقي وبفضل شبه تام للرعاية والتمويل الغربي، شُيدت لهم هرمية نصّبت الظروف والإرادة الاستعمارية في طبقتها العليًا متعلقات الخطاب الحقوقي أفرادًا كانوا أو مؤسسات في الداخل ورام الله من حقوقيين وأكاديميين وصحفيين و«مختصين في التضامن الدولي». ضمن هذه الهرمية، التي لا مكان لفلسطينيي مخيمات الشتات في أي من طبقاتها كونهم خارج حدود الطاقة الاستيعابية لشروط الممول الغربي السياسية، وفي ما عدا بضعة أفراد يُدفع بهم للواجهة بحدود معينة لاستيفاء شرط ادعاء التمثيل الغزي، يعمل الغزيون في قاعها كباقي العاملين منهم في القطاعات المؤسساتية المحلية والدولية في القطاع «كشغّيلة» باليومية لصالح المراكز في رام الله والداخل، وفق شروط ومحددات تشغيلية ترسخ دونية موقع الغزي في هذه الهرمية، كما هو الحال في كل قطاع عمل تشاركي بين فلسطينيي غزة والضفة والداخل، وتساهم في إضعاف البنى الاجتماعية والسياسية في غزة، خاصة تلك التي تنتمي للطيف الوطني الديمقراطي، وشد وثاق الحصار الإسرائيلي من حولها.
  • العلاقة بين رام الله والداخل من جهة، وغزة من جهة أخرى خلال عقد ونصف من سيطرة حركة حماس على القطاع، عملت على استبعاد الكادر المتمكن والنّد لنظرائه في رام الله والداخل. فعدى عن تفضيل العناصر المطواعة والمستعدة لأسباب مختلفة معظمها قهري للالتحاق بهرمية علاقات العمل هذه من موقع التابع، فدافع الاستبعاد الأهم متعلق بنبذ تلك المسيّسة والمحزّبة، باعتبارها عناصر إشكالية في العلاقة مع الممول وحمولة تثقل على حركة وخطاب هذه الفرق والمؤسسات ومنظومتها التشغيلية، في تغاض عن بديهية استحالة تخليق فاعلين جادّين في العمل السياسي والاجتماعي أو حتى الحقوقي خارج الحواضن الحزبية في حيّز جغرافي ضيق ومحاصر بلا قطاع عام وخاص وأهلي بالمعنى المتعارف عليه كقطاع غزة.
  • التي يمكن رصدها عند الحديث عن مظلومية الحقوقيين الغزيين «القسرية» في علاقتهم مع مشغليهم في رام الله والداخل، أن حيثياتها تساق هي نفسها في بناء مظلومية أخرى توصّف علاقة حقوقيي رام الله والداخل «الطوعية» بالحقوقيين الإسرائيليين ومؤسساتهم. وكلا المظلوميتين تمتثلان بدقة للمخطط النظري الذي يُستخدم في أقسام الدراسات ما بعد الاستعمارية لشرح مفهوم «الإمبريالية الأكاديمية»، وعملية تكوين النخب المحلية الوسيطة بين الشعوب المُستعمَرة ومستعمِريها، وهي مفارقات توفر ما يكفي لإجازة المحاججة بأن المنظومة الحقوقية هي في التحليل النهائي لموقعها في هياكل العلاقات السياسية والاجتماعية والمعرفية التي ترتبط بها ولأثرها المادي، تمظهر إمبريالي ومنتج استعماري في فلسطين. أو هي جزء من هرمية مؤسسية أكبر، مكاتب المؤسسات الأكاديمية والحقوقية الإسرائيلية في تل أبيب وحيفا والإسرائيليين العاملين فيها هم قمتها، ولا يتعدى جوهر الخطاب في شقه الفلسطيني وإن تلاه أصحابه بلغات غربية وتحدثوا على طريقة «المصرفيين» ما هو أبعد من «التسّول» واحتراف الاستجداء والابتزاز العاطفي المتجرد تمامًا من معاني الكرامة الوطنية والفردية.

الأثمان والجدوى

في مسألة كونية وتاريخية مركّبة مثل «الصراع العربي- الإسرائيلي» فإن الانحيازات العالمية تجاهها، هي محصلة تقاطعات عقائدية واستعمارية تاريخية ومصالح دولية، ومقتضيات هيمنة «للغرب» على العالم حيث التحولات الجوهرية في مواقف مجتمعاته من قضايا الجنوب، إن تحققت، هي نتاج تفاعلات بنيوية داخلية فيها مرهونة بالدرجة الأولى بمقدار التطور في خطاب وتأثير قواها السياسية والاجتماعية التقدمية، وما تنتزعه الفئات الملونة المهاجرة من مساحات في المجال العام لها. وهذه رهانات تاريخية، الفلسطينيون على الأقل في الشتات وغزة ليس في رصيد وجودهم المهدد ما يكفي من الوقت لانتظار مخرجاتها، ولا سبب يدفعنا للاعتقاد بأن لجماعة صغيرة مشرّدة ومجرّدة من كل أسباب القوة كالفلسطينيين بكل فئاتهم، وليس فقط الحقوقيين ومستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي من بينهم، عبر بوابة الخطاب الحقوقي دورًا محتملًا فيها.

أما المقاربات السياسية، وحتى ما قد يعتبره البعض عدميًا منها، تملي بالضرورة على الفلسطينيين مسارًا يلزمهم بتنظيم أنفسهم، وبناء شبكات تحالفاتهم الطبيعية، واستيعاب مكوناتهم الوطنية، وتجنيد ذلك كله في فعل سياسي وتنظيمي تراكمي، ومن ثم التوجّه لتصريف أرصدته في الخارج لمكاسب وطنية. في حين أن مخطط العمل الحقوقي الفلسطيني وملحقاته، يقترح مسار حركة مقلوب، بدايته من الخارج ونهايته المستحيلة في الداخل، يُحيَّد منه الفلسطينيون وكل أشكال فعلهم السياسي الجاد، ويكتفي بحضور بعضهم فيه كضحية تستجدي التعاطف الإنساني الدولي معها، ويبني رهانه على تصريف التقارير والإعلانات الصادرة عن المؤسسات والهيئات الدولية في الخارج إلى حقائق جديدة مادية على أرض فلسطين!

وحتى فرضية أنه متمم ومكمّل لباقي أشكال العمل السياسي الأخرى كما يَرِدُ في تقاليده الخطابية (الصّادر منها باللغة العربية فقط)، فتنفيها أولًا بنيته الخطابية والتنظيمية، التي ترفض وترتعد من أي ربط بينها وبين المكونات السياسية الفلسطينية، على الرغم من أن قسمًا معتبرًا من هذه البنية منفتح بحماس على التعامل مع عناصر إسرائيلية تتفاوت مواقعها في طيف ما يصطلح على تسميته «اليسار الإسرائيلي». وثانيًا، التشكيك والتوجس الذي بات يتزايد لدى الفلسطينيين تجاه الأهلية السياسية والوطنية لهذا الخطاب، وحرفية العاملين في القطاع الحقوقي والدوائر المحيطة به سواء في تأديتهم لما هو مطلوب منهم على صعيد التوثيق لجرائم الاحتلال وكيفية تصريفهم لها في المؤسسات الدولية، أو من المترتبات السياسية الفعلية التي يمكن أن تلحق بالفلسطينيين لو قدّر لهم فعلًا التقاضي مع الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية وأثمان ذلك الحقيقية عليهم إذا ما أُخضع هذا الخيار لميزان الربح والخسارة.

الأسرلة كنهاية محتملة

غير أن ما بات يستوجب التوقف أمامه أكثر، فهو التداعيات الداخلية التخريبية للخطاب الحقوقي ومشتقاته المؤسسية وصيغه الإنشائية المعلّبة التي أصبحت وسائط المجال العام الرسمية لا تجيز حضور غيرها. كبديل خطابي ونشاطي بات قاطرة لعملية التجريف السياسي في فلسطين، وذريعة لنزع الأهلية القانونية عن مكوناتها العضوية والإمعان في تشريع عزلها عن كل ما حولها والتسبب بإفقارها عقليًا وتنظيميًا. وتعمل محدداته التشغيلية والوظيفية، التي وإلى جانب كونها رشاوٍ لفئات اجتماعية نظير تموضعات معينة لها في مواجهة المسار التحرري الفلسطيني، كآليات عزل واستبعاد للجماهير الفلسطينية من مسار نضالها الوطني المفترض لتصل حدود النفي العملي التام لأقسام منها، كما هو الحال مع فلسطينيي مخيمات الشتات، ووسيلة لانتزاع مشروعية التمثيل الفلسطيني من قواه الشعبية الحية لصالح فئات هي في التحليل النهائي لبعضها طفيليات استعمارية. كما أن الاستغراق لعقدين في تجريد القوى السياسية من كادرها ونزع الشرعية عنها لصالح هذه المنظومة بمعناها المؤسسي ومنطقها في العمل والتفكير، أسهم بشكل غير مباشر في تشريع استهدافها على كل الأصعدة، وبشكل مباشر في تعزيز الضحالة الخطابية والسياسية لها، وإنهاك جسمها التنظيمي عبر الإفساد، وبث الأمراض التنظيمية ومأسسة الفوارق الاجتماعية والثقافية فيها لتشترك في إيصال الحال بالمجال العام الفلسطيني ومفرداته إلى ما هو عليه اليوم.

وأخيرًا، فإن شواهد عديدة آخرها التفاصيل المتعلقة بحملات التضامن مع المؤسسات الست من ناحية من نظمها ورعاها وشارك فيها، تشير بدقة إلى المساحة التي بات حقوقيو رام الله والداخل مستقرين بها أو يتم الدفع بهم إليها، وهي كفيلة برفع راية حمراء للتحذير من أن يتحول هؤلاء جسرًا رئيسيًا محتملًا للتطبيع، بين شركاء بعضهم الإسرائيليين من جهة، والحقوقيين العرب من جهة أخرى على طريق فتح قنوات لنفاذ الإسرائيليين إلى الفضاء العام للأقطار العربية، بعد أن أصبح بعضهم على يد الخطاب الحقوقي «شركاء» للفلسطينيين في نضالهم الوطني.