د. موسى العزب
عضوُّ المكتبِ السياسي لحزب الوحدة الشعبيّة الديمقراطيّ/ الأردن
بعد أن تأجّلت بمبرراتٍ مختلفة، ولأكثر من عام، أُجريت الانتخابات الإثيوبية في 21 حزيران الماضي في جميع أنحاء البلاد، باستثناء إقليم تيغراي. وفي أيلول من العام نفسه نظم الإقليم اقتراعه الخاص، فأدانته على الفور أديس أبابا التي أقالت جميع المسؤولين المنتخبين، وأوقفت الحوار الوطني العام، الأمر الذي كان بمثابة الشرارة التي أطلقت الصراع. ومنذ تشرين الثاني 2020، اجتاحت هذه المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي حربٌ عنيفةٌ جلّ ضحاياها من المدنيين. ورغم تورط القوات الإريترية في القتال منذ البداية، إلا أن هذا الأمر بقي سرًّا، قبل أن يصبح مكشوفًا مع ورود أخبار عن أهوال الصراع.
لدخول تيغراي، كان عليك أن تجتاز الحدود من جنوب شرق السودان لتقطع مدينة دمرت مرافقها، وتجوب شوارعها المهجورة، شاحنات صغيرة، محملة بمسلحين، وسط صمتٍ يقطعة من حين لآخر لعلعة مدفع رشاش، توحي بتجدّد القتال، ثمّ تجتاز طرقًا زراعيّة، تنتشر على جنباتها مجموعاتٌ مسلّحة، قبل أن تصل إلى نقطة فاشاغا المتنازع عليها، حيث تتقاطع فيها حدود إثيوبيا وإريتريا مع إقليم تيغراي. حوالي 250 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الخصبة، تحولت إلى مخيمات لللمنظمات غير الحكومية، وشبكات الشتات التيغري، وآلاف الفارين من حرب اندلعت منذ 4 تشرين الثاني 2020، ودمرت معظم حوض نهر تيغراي، حيث أطلقت "جبهة تحرير شعوب تيغراي" سلسلة من الهجمات على قواعد للجيش الوطني، ما أدى إلى رد فوري من الجيش الأثيوبي، وقد أودت الحرب بحياة الآلاف بما في ذلك أعضاء في جمعياتٍ إنسانيةٍ وأمميةٍ مختلفة.
يمثّل هذا الصراع صورةً فجّةً لتقلب التحالفات العسكرية في القرن الأفريقي، حيث قامت إرتيريا في السابق بإعارة إثيوبيا مقاطعة تيغراي التي كانت تابعة لها، التي نالت استقلالها عام 1993، بعد حربٍ استمرّت عامين أدى فيها حزب "جبهة تحرير شعوب تيغراي"، دورًا محوريًّا، إلى جانب السلطة في أديس أبابا. في تموز 2018 وبتشجيع من الولايات المتحدة و السعودية والإمارات - التي كانت أعينها جميعًا ترنو على البحر الأحمر- توصل رئيس الوزراء الأثيوبي؛ آبي أحمد إلى اتفاقٍ عسيرٍ للسلام مع أسمرة، وهكذا استعادت العلاقات الدبلوماسية بين الجارين "اللدودين" طبيعتها بعد عشرين عامًا من الحروب. وقد اكتشفنا فيما بعد، بأن هذه المصالحة كانت وبالًا على "جبهة تحرير شعوب تيغراي" وحولت جيبوتي حليفًا، لعدو التيغريين السابق.
لعدة أشهر، نفى السيد آبي أحمد تورط إريتريا في القتال، ولم تعترف أريتريا إلا في 18 نيسان 2021، بصحة الصور التي أظهرت جنودًا إريتريين تخدعهم لهجتهم، ومتنكرين بالزي الرسمي الإثيوبي القديم.
تبنى مؤيدو السياسات الأثيوبية الدعاية الرسميّة وأظهروا تأييدهم للحكومة في تحركها العسكري لكسر تمرد الإقليم بالقوة، فيما لاحظ مراقبون بأن الإقليم قد تم بيعه ببساطة إلى رئيس أرتريا أفورقي، الذي انتهز الفرصة لتحقيق انتقامًا مبيّتًا من التيغريين الذين كانوا قد أدّوا الدور الرئيسي في هزيمة بلاده أمام إثيوبيا في عام 2000.
الرواية الأثيوبية توضح بأن هذه التطورات قد جاءت ترجمةً للتعهد الذي أطلقه رئيس الحكومة آبي أحمد بإنهاء قبضة نخب تيغراي المفروضة على إثيوبيا منذ سقوط المجلس العسكري الماركسي ال لينين ي بقيادة منغستو هيلا مريام في عام 1991، وطرح حزب الرخاء الذي أنشأه آبي في عام 2019، فكرة "التآزر" كمفهوم ملتبس يخلو من أي مضمون اجتماعي، كل ذلك وسط أجواءٍ عدائيةٍ لشعب تغراي ومطالبات بمعاقبتهم لحكمهم البلاد على مدى ستة وعشرين عامًا، سيطرت خلالها "الجبهة" -حسب إدعاءات أنصار آبي- على مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية والوظيفة العامة، ومارست من خلالها رقابة خانقة للأفراد والمؤسسات، كانت "وبالًا" على إثيوبيا!
في منتصف عام 2010، اندلع السخط بين الأثيوبيين -بمن فيهم شعب تيغراي- الذين لم يعودوا يحتملوا استمرار المراقبة الأمنية، والفساد واسع النطاق. وعندما أدركت "الجبهة" بأن أيامها في السلطة باتت معدودة، أجرت تغييرات على مسارها منذ مؤتمر عام 2014، وقررت القيادة الانكفاء إلى الإقليم لإعادة تماسك معقلها الانتخابي هناك. مع انتخاب آبي أحمد في عام 2018، انتقلت "الجبهة" إلى المعارضة. وما أن ترأس رجل أثيوبيا الجديد رئاسة الحكومة، حتى أطلق العنان لعملية "تطهير" واسعة النطاق، وأعاد هيكلة الجيش وأجهزة المخابرات. تم القبض على 79 شخصًا من التيغريين -مدراء مؤسسات عامة ومسؤولون تنفيذيون وعسكريون ورجال أعمال - بتهمة الفساد. قوبل بتنديد من قبل التيغريين، واعتبروا هذه الإجراءات بمثابة عقوباتٍ جماعيةٍ وتأسس "للفصل العنصري": وهكذا فسر مراقبون أعمال العنف التي اندلعت ضد سكان تيغراي منذ تشرين الثاني بأنّها دليل على تضعضع وحدة البلاد، وانتكاس للصيغة "الفيدرالية العرقية" التي حددها دستور عام 1995 في 5 تشرين الثاني 2020، ورغم تحذيرات من دول الجوار، قاد السيد آبي هجومًا أمنيًّا محدودًا، فاندلع قتال دموي، حتى أن السودان العاتبة على إجراءات أديس أبابا المتسرعة، حاولت ترتيب وساطة بين الأطراف المتنازعة دون جدوى. دارت حرب حقيقية في تيغراي مع تعتيم شبه كامل؛ انقطعت الاتصالات السلكية واللاسلكية منذ الساعات الأولى؛ وبقي الوصول إلى العاصمة ميكيلي شبه مستحيل حتى منتصف العام الماضي.
وإلى جانب معارك الكر والفر التي خفتت نسبيًّا في الأيام الأخيرة، اندلعت حرب استخباراتية مستعرة، وبعد أن سيطرت القوات الأثيوبية على عاصمة الإقليم جزئيًّا في 28 تشرين ثاني، أعلن السيد آبي النصر بصورةٍ متعجلة، مع استمرار سقوط الضحايا، ويظهر ذلك للعيان من خلال تدفق الجرحى والمعاقين والأجساد الممزقة، في ظروفٍ صحيةٍ سيئةٍ للغاية، وتتهم الحكومة الإثيوبية مجموعات الإغاثة بالتستر على إدخال الأسلحة والمقاتلين. بعد أن تحوّلت الحرب، إلى حرب عصابات تحول فيها بعض المدن والأرياف إلى قواعد لميليشيا الأمهرة التي جاءت لمساعدة الجيش الفيدرالي وقد حولت المدراس إلى قواعدَ لوجستيّة.
سير المعارك أظهر بأن التيغريين قد بالغوا في تقدير قوتهم، خاصةً بعد كسر هجومهم الأول، ولم يُسعف "الجبهة" استيلائها على أسلحة ومعدات من الجيش الفيدرالي، ورغم تعقيدات الحرب، واصلت "الجبهة" تعبئة أنصارها في إفريقيا وبقية العالم بالتحريض ونشر الشائعات على الشبكات الاجتماعية: ومن وراء الكواليس، تؤدي الإمارات العربية المتحدة دورًا خبيثًا، من خلال وجودها في الصومال، وعودة أدوارها المشبوهة في اليمن. وفقا لبرنامج الغذاء العالمي، لا يزال من الصعب تقييم خطورة الأزمة الإنسانية، حيث يخيم شبح المجاعة على أكثر من 350 ألف شخص. بالإضافة إلى ارتكاب فظائع، وتخوف من "التطهير العرقي" بينما شهد الإقليم لجوء الآلاف إلى السودان، وسعي أديس أبابا إلى إخضاع منطقة حكم ذاتي منصوص عليها بدستور "الإثنية الفيدرالية"، وانتهاكات وإعدامات ميدانية، لسكان تيغراي البالغ عددهم ستة ملايين نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ أكثر من ماية مليون، كما تشارك ميليشيات الأمهرة، والأرتييرين إلى جانب الجيش الأثيوبي في العمليات هناك!
يبدو الآن بأن آبي أحمد المنحدر من أكبر قبيلتين في البلاد، بكارزميتة القادمة من التكنوقراط، حيث صعد بقوة، وتم اختياره ليتولى قيادة الإئتلاف الحاكم "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الأثيوبي" والحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 2019 بسبب مبادراته التصالحية، قد أفرغ معظم رصيده الشخصي، وأصبح متنازعًا عليه داخليًّا وخارجيًّا، ويتساءل البعض الآن عن مدى جدارته بجائزة السلام.
مع السيد آبي، تخلت إثيوبيا عن دور الحماية الاجتماعية، وتدخل الحكومة في توجيه الإقتصاد، وتتحول إلى الليبرالية الاقتصادية، كشرط للتفاوض بشأن إعادة هيكلة ديون البلاد التي تبلغ 28 مليار دولار، لناتجٍ محليٍّ إجمالي يبلغ حوالي 96 مليار، وبحلول الوقت أخذت ممارسته لسلطة تنجرف نحو الزبائنية والمحسوبية. بعد ثلاث سنوات على ما وصفته وسائل الإعلام بـانحراف "الربيع الإثيوبي"، تمدد الصراع ليأخذ طابعًا يتجاوز الحدود، في حين عرقلت كلًّا من الصين وروسيا اتخاذ قرارات ضد إثيوبا وطالبتا يبقى الصراع شأنًا داخليًّا، وبتوجيهٍ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بدأت إثيوبيا تخضع لعقوباتٍ مالية، وتشترط إيصال المساعدات بشكلٍ مباشرٍ لمستحقينها، والتحقيق في الجرائم المرتكبة؛ وانسحاب القوّات الإريترية والأمهرة من تيغراي. وهكذا تبدد أثيوبيا مزايا ثقلها الديموغرافي وتاريخها وموقعها الجيوسياسي، حيث تشهد الآن المشاريع الكبرى لصناعة النسيج والأدوية وتجميع السيارات، التي أطلقتها الحكومة لجذب المستثمرين الأجانب، من المعاناة والتباطؤ الاقتصادي الناجم عن وباءCovid-19، ونقص البنى التحتية، ومن المناخ السياسي المتردي بسبب الأخطاء السياسية والتوترات العرقية الإقليمية. في غضون ذلك، يتباهى الاستبدادي أفورقي المدعوم من الإمارات، بطموحاته الإقليمية، وينظر إلى الصراع كهبة إلهية تخرجه من عزلته الدبلوماسية، وتعفيه من إجراء التحوّل الديمقراطي المستحق، ويتساءل البعض: كيف لهذا السلام المزعوم بين البلدين قد سمح للقوات الارتيرية بالعمل داخل أثيوبيا، بينما لم يسمح للبلدين بإستثمار مشترك لميناء عصب على البحر الأحمر والذي ما زال يعتبر موضع خلاف بين البلدين منذ عام 1998؟
توازن القوى في تيغراي يقلل من إحتمالات الحسم العسكري، بينما يعلن السيد آبي الآن بعض خطوات حسن النوايا للتحضير لإجراء مفاوضات مع "الجبهة"، التي كان يعتبرها لوقت قريب مجموعة إرهابية، فيطلق سراح بعض المعتقلين من قيادة "الجبهة"، ويعيد فتح خطوط الدبلوماسية مع السودان، حيث يتواجد على أراضيها الآن بعض قوات وقيادات "الجبهة"، بينما تطمح الخرطوم بممارسة ضغط على أديس أبابا في ملف سد النهضة وبعض نقاط الحدود.
تيغراي وأثيوبيا يدفعون ثمن التوتير وعدم الاستقرار الجغرافي السياسي الإقليمي، وخفوت حدة المعارك دون الدخول في حلٍّ تفاوضي، أمر يدعو إلى القلق، ويشي بإبقاء القوات الأثيوبية والأرترية في بؤرة الصراع المحورية لفترةٍ طويلة. ومن جانبه، يقوم جيش تيغراي بالتكيّف مع أساليب حرب العصابات الطويلة.

