Menu

السودانُ والفكاكُ من دائرةِ الشرّ

الشفيع خضر

بوابة الهدف الإخبارية

في 19 ديسمبر/كانون الأوّل 2018، ولمّا كان واقعُ السودان ِ يعاني الفاقةَ والعطالةَ وتفاقمَ التهميشِ السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ وانسدادَ الأفقِ لثلاثةِ عقود، وهو في قبضةِ نظامِ البشير المخلوع؛ نظامِ تحالف الفساد والاستبداد المتسربل بشعاراتِ الشريعةِ الإسلاميّة، ترعت شوارعُ السودان وساحاتُ التغيير بكلّ فئات الشعب السوداني العمريّة والاجتماعيّة، مسلّحةً فقط بهتافات الحناجر المطالبة بسقوط النظام. كان شابات وشباب السودان في المقدّمة، يقدّمون الشهيد تلوَ الشهيدة وهم ينفخون في كير شرارة الثورة حتى تظلّ مشتعلة، رافضين أن يرهنوا حاضرهم ومستقبلهم لخيارات البحث عن المنافي أو المخدرات، ومؤكّدين على أن ثورتهم ليست مجرّد انتفاضة جياع، ولا ترتبط بأهدافٍ سياسيّةٍ بحتةٍ وآنيّة، ولم يشعلها هذا الحزب أو ذاك التحالف، بقدر ما هي ثورةُ جيلٍ بأكمله، هبّ ليحطّمَ جدارًا شيّده النظامُ الإسلاموي البائد حاجزًا يسدّ أمامهم الأفق والأمل في المستقبل.

ظلّ الثوّارُ في الشوارع عدّةَ شهورٍ حتّى تحقّقت بداياتُ الحلم الكبير، وانتصر شعار "تسقط بس" في الإطاحة بالغطاء السياسيّ الحاكم، البشير وحزب المؤتمر الوطنيّ، واجهة الحركة الإسلاميّة السودانيّة. لكن، توقّف الانتصارُ عند الإطاحة بالغطاء دون أن يمسّ المُغطى وما هو تحت ذاك الغطاء، الذي ظلّ، وحتّى اليوم، يسعى لإجهاض الثورة، مستخدمًا شتّى التكتيكات. وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2019، الذكرى الأولى للثورة المجيدة، خرج مئات الآلاف من أبناء وبنات الشعب السوداني مرّةً أخرى إلى الشوارع، لا للاحتفاء بالذكرى وحسب، وإنّما في الوقت ذاته للردّ على محاولات التخذيل والنيل من الثورة، بعد أن شهدت الخرطوم مظاهرات أنصار النظام البائد المعادية للثورة والحكومة الانتقاليّة، وتأكيدًا على استمراريّة الثورة حتّى تحقّق أهدافها في الحريّة والسلام والعدالة، وتجديدًا للثقة في الحكومة الانتقاليّة، أو مدًّا لحبال الصبر لها، حتّى تنجز.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأوّل 2020، الذكرى الثانية لاندلاع الثورة، خرج الشباب ذاتهم إلى الشوارع، ليؤكدوا، مرّةً أخرى، أن خروجهم ليس انتصارًا لهذا الحزب أو ذاك القائد، وليس تعصبًا لهذه الأيديولوجية أو تلك الفكرة، وقطعًا ليس طمعًا في كراسي الحكم أو وظيفة ما، علمًا بأن جلّ هولاء الشباب دون عملٍ أو وظيفة، امتلأت بهم الشوارعُ والساحات، عناقًا وهتافًا، لا فرحًا بذكرى الثورة، وإنّما غضبٌ وإشهارٌ بأنّ الكيل قد طفح، وأن الفرحة تذوي وهم يشهدون أحلامهم وآمالهم تُخنق بين أرجل قيادات الفترة الانتقاليّة الذين توسّموا فيهم المعرفة والحكمة والتشبع بروح الثورة، في حين هؤلاء كانوا يتصرفون، وكأنّ الثورة لم تمر أمام أعينهم، ناهيك أن تمس أوتار أحاسيسهم.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، هلّت الذكرى الثالثة للثورة، والبلاد تعصف بها أزمةٌ طاحنةٌ دفعت بها إلى حافة الهاوية. فقد وصلت العلاقة بين جماهير الثورة وقيادة الفترة الانتقاليّة إلى أسوأ حالاتها، وانعدام الثقة صار هو الحاكم لهذه العلاقة، خاصّةً بعد إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي الانقلابيّة، التي جاءت بمثابة صبّ الزَّيْت عَلَى النَّار. ومن يومها وحتى لحظة كتابة هذا المقال، وشوارع السودان في العاصمة وفي عشرات المدن السودانيّة، يوميًّا تضجُّ بالهتاف محدّدًا بدقة الهدف في رفض الإجراءات الانقلابيّة ومحاولات قطع الطريق على مسيرة التحوّل الديمقراطيّ نحو المدنية، ومصممًا على رفض العودة إلى مربّع القمع والكبت. أما الإجراءات والتدابير القمعيّة في مواجهة حراك الشارع، حدّ سمو أرواح أكثر من ستين شهيد حتى اللحظة، فلن تزيد الشارع إلا إصرارًا وعزيمة لهزيمة محاولات العودة بالثورة إلى الوراء.

    اليوم، لا يزال الفضاء السياسي في السودان مشوشًا ومرتبكًا ومتلجلجَ الخُطى، ويدفع بالبلاد إلى شتى الاحتمالات المرعبة. فدائرة الشر ازدادت، وتزداد اتساعًا، وحفيف أجنحة الأرواح الشريرة يملأ المكان! ففي دارفور، ورغم اتفاق سلام جوبا، ما تزال الحرب مشتعلة، وتمتد ألسنتها لتطال أجزاءً أخرى من البلاد. وفي عاصمة البلاد، تُفجّر "الدوشكا" ورصاصات القناصة أدمغة المستقبل لتتناثر الأحلام فوق الأجساد الغضة التي تحلم بدولة السودان المدنية الديمقراطية التي تحتضن الجميع. والأزمة السياسية في السودان دخلت مرحلةً خطيرة، وأصبحت البلاد قاب قوسين أو أدنى من تلك الاحتمالات المرعبة. وما يجري الآن، ربما هو جزءٌ من مخططٍ مرسومٍ لجر البلاد إلى أتون حربٍ أهليةٍ مجتمعيةٍ على غرار الحريق المستعر في ليبيا وسوريا واليمن. وللأسف، يؤدي هذا المخطط فعله بسلاسة، في ظل عددٍ من العوامل التي توفر له الأجواء الملائمة، وتضعف من فاعلية مقاومته. ونحن نرسم خياراتنا للخروج من الأزمة، يجب علينا ألا نتجاهل هذه العوامل وآثارها الكارثية، وإلا سنقفز ومعنا الوطن في الظلام. ومن ضمن هذه العوامل:

* الحرب التي تدور رحاها الآن في دارفور وإمكانية انتقالها لتعم باقي أنحاء البلاد، خاصةً وأن الأطراف المتنازعة موجودة، وبكامل عتادها وسلاحها، في كل هذه الأنحاء. * التوتّر المتصاعد في شرق البلاد في ظل التعقيدات الداخليّة والخارجيّة المتمكّنة من الإقليم، التي تجعل هذه التوترات مفتوحة على كل الاحتمالات.

* حقيقة أن البلاد، وخاصة عاصمتها الخرطوم، صارت مدججةً بالسلاح في أيدي عدّة جيوش، وليس الجيش السوداني وحده، وهي جيوشٌ متحفّزةٌ ولن تظل صامتةً تجاه محاولات التغيير ما دام هذا التغيير سيؤثر على أوضاعها.

* استمرار التشظّي في أوساط الحركة السياسيّة والتباينات الواضحة في خطابها السياسي، وحتى التنظيمات التي حسمت الكثير من تلك التباينات في اتجاه توحيد الخطاب السياسي، فإنها لاتزال تتلمس الخطى لصياغة وتبني خطٍّ سياسيٍّ وخطواتٍ عمليّةٍ في مواجهة الأزمة المتصاعدة.

* تفاقم الأوضاع المعيشية المتردية في ظل توقف برنامج الدعم الاقتصادي بعد إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول.

    إنّ السودان اليوم في أشدّ الحاجة إلى التوافق على مخرجٍ ناجعٍ وآمن، للتصدّي لهذا الوضع الخطير، والمتدحرج نحو الهاوية. والمخرج الآمن في نظري، هو ذاك الخيار الذي يجمع، في الوقت ذاته، ما بين التصدّي المباشر لجوهر الأزمة، والكلفة الأقل التي تقي الوطن شر السقوط في مستنقع الحرب الأهلية ودمار الوطن. وبداهة، أن الجميع يدرك أن تبني هذا الخيار أو ذاك تفرضه جملةٌ من العوامل الموضوعيّة والذاتيّة بعيدًا عن الرغائبيّة ومجرد الأمنيات. لكن الحديث عن أي خيارٍ أو سيناريوهاتٍ لا معنى له، وسيظل مجرّد ثرثرةٍ على ضفاف نهر النيل، إذا لم تسبقه وحدة قوى التغيير. لذلك، فإنّ الهدف العاجل، كما أراه، وقبل نقاش هذا السيناريو أو ذاك، هو الانخراط في تنفيذ خطواتٍ عمليةٍ تحقق هذه الوحدة، بدلًا عن تمترس كلٍّ في موقعه، وافتراض أنه صاحب الموقف الصحيح، والآخر موقفه خاطئ، أو يجب عليه تبني الموقف المفترض ذاته. وفي هذا الصدد، هناك مجموعةٌ من المبادرات السودانيّة، وفي مقدمتها مبادرة مدراء الجامعات السودانية، التي انطلقت بحماسٍ بإزلة مجهوداتٍ كبيرةٍ لخلق أرضيّةٍ مشتركةٍ بين قوى التغيير كافةً، بغض النظر عن حجم أي من هذه القوى أو أطروحاتها، وهذه الأرضية المشتركة أساسها القواسم المشتركة العظمى بين مختلف الرؤى والمواثيق والأطروحات التي تتقدم بها هذه القوى، وهدفها المباشر توحد الإرادات والخطاب السياسي وأدوات العمل، لمنع انزلاق الوطن إلى الهاوية.

ومرّة أخرى، دون وحدة الإرادة ومركز القيادة الواحد، فإنّ أي سيناريو مقترح لحلّ الأزمة السودانيّة الراهنة سيكون كما الحرث في البحر. وعمومًا، لا شيء يهزم الإحباط ويُشرع نوافذ الأمل للسير بالثورة حتّى تحقّق أهدافها، غير إرادةٍ جماهيريّةٍ قويّةٍ تتلمّسُ طريقها عبرَ حراكٍ متماسكٍ ومنتظمٍ في مركزٍ واحد، وعلى خطى قيادةٍ واعية، تطرح شعاراتٍ واقعيّةٍ محدّدةٍ وموحّدة، تخطّط وتعبّئ، بعيدًا عن توافه الأمور ومناصبة العداء مع رفاق الخندق الواحد. ولا بديل سوى الضغط الشعبي، الواعي وليس الطائش، الضغط الذي يسير على هُدى بوصلةٍ تشير فقط إلى مصلحة الوطن وليس إلى خدمة أهداف هذا الحزب أو أجندة تلك المجموعة، ضغط يركّز على إنجاز أولويّات مهام الفترة الانتقاليّة، ومن أجل وقف النزيف اليومي في البحث عن لقمة العيش والحقوق الضائعة في وطنٍ مرهق.

نحن ندركُ تمامًا، أنّ مسيرة الثورات تتخلّلها الخيبات والانتكاسات كما الانتصارات. وكما حدثتنا التاريخ، ليس غريبًا أن تمر الثورات بعدة مراحل قبل أن تكشف عن كل إمكانياتها وتتبلور في نهاية الأمر بوصفها تكوينًا جديدًا جذريًّا. فمثلًا، في فرنسا، تطلب الأمر بعد ثورتها العظمي في الفترة ما بين 1789- 1793، تفجر ثلاث ثورات أخرى في 1830 و 1838 و1871 قبل انتصار الثورة واستقرار بنيتها الجديدة بقيادة البرجوازية. والشيء نفسه انطبق على بريطانيا، حيث في أعقاب ثورة كرومل 1649، جاءت الثورة المجيدة في فترة 1688- 1689 ثم إصلاحات 1832، لكي تستقرّ الثورة. وفي ألمانيا كانت هناك ثورتان ديمقراطيتان في 1818- 1918 وما بينهما حدثت الإصلاحات العنيفة في ستينات القرن التاسع عشر، التي نفّذها بسمارك بقوّة الحديد والدم. وهكذا، يمكن أن تمرّ الثورة بعدة محاولات، كل محاولة منها يمكن أن تعتبر قاصرةً ودون النجاح المطلوب بالنسبة للأهداف النهائية، حتى تأتي المرحلة الأخيرة، حيث يتحقق الانتصار. وثورة ديسمبر/كانون الأول في السودان ليست استثناء، فهي يمكن أن تتعدّد مراحلها، وتمر بعدة محاولات، كل محاولة منها يمكن أن تعتبر قاصرة ودون النجاح المطلوب بالنسبة للأهداف النهائية، وتستوجب وقفة مراجعة ونقدًا ذاتيًّا، وإعادة النظر في تركيبة وبرنامج وتكتيكات قوى الثورة، حتى تأتي المرحلة الأخيرة، حيث يتحقق الانتصار.

وعلى كلّ حال، فإنّ كل المؤشرات تؤكّد أن شباب السودان سينالون ما يريدون، طال الزمن أم قصر.