دراساتٌ صادمةٌ
لماذا يستشهد الأسرى الفلسطينيّون المحرّرون بعد الإفراج عنهم بفتراتٍ وجيزةٍ أو يعانون من أمراضٍ نفسيّةٍ وجسمانيّةٍ طوال حياته؟
للإجابة على هذه السؤال؛ فقد تمّت مراجعةُ مجموعةِ مراجعٍ وأبحاثٍ ودراساتٍ وشهاداتٍ خاصّةٍ بأسرى محرّرين قادت إلى نتائجَ صادمة، وتشيرُ إلى حجمِ الخطر المحدق بحياة الأسرى المحرّرين ومستقبلهم، ومن أبرز هذه الدراسات والأبحاث:
* دراسة قامت بها وزارة الصحّة الفلسطينيّة في الفترة الواقعة بين 2-11/5/2018 بعد إجراء فحوصاتٍ طبيّةٍ لما يقارب 1042 أسيرًا وأسيرةً من المحرّرين، قامت بها لجنةٌ طبيّةٌ مختصّةٌ، وتوصّلت الى استنتاجاتٍ تفيد أنّ جميع الأسرى الذين خضعوا للفحص الطبي يعانون من أعراضٍ نفسيّةٍ متفاوتةٍ بين العصبيّة والتوتّر وعدم الرضى والاكتئاب وانفصام الشخصيّة، ومعاناة عددٍ آخر من أعراض الجهاز العصبي ومن الصرع.
وأشارت الدراسة الى أمراضٍ جسميةٍ متنوّعةٍ يعاني منها الأسرى المحرّرون، كمشاكل السمع والنظر والمفاصل والانزلاقات الغضروفية، وعدم القدرة على الإنجاب، ويعاني قسمٌ من الأسرى من أمراض القلب وأورام السرطان وأمراض الجهاز التنفسي والربو والحساسية وضغط الدم والسكري ومن الإعاقات الحركيّة.
* دراسة قامت بها وزارة الشؤون الاجتماعية في السلطة الفلسطينية حول الأسرى المحرّرين ومشاكلهم عام 2007، من خلال مسحٍ شاملٍ للأسرى المحررين وعائلاتهم في ذلك الوقت، البالغ عددهم 5032، أسيرًا محرّرًا من بينهم 253 من الإناث، وقد خلصت الدراسة إلى أنّ 2235 أسيرًا وأسيرةً يعانون من أمراضٍ مزمنة، وأن 354 أسيرًا مصابًا بإعاقة.
وكشفت الدراسة أن 347 أسيرًا محررًا، هناك ارتباطٌ بين واقعهم المرضي ووقوعهم في الأسر منهم 253 أسيرًا خرجوا من المعتقل مصابًا بشللٍ نصفيٍّ أو كامل، و57 أسيرًا مبتورًا أحد الأطراف، وهناك 79 أسيرًا مصابًا بإعاقةٍ في النظر، و68 مصابًا، بإعاقةٍ في السمع، و7 أسرى مصابين بالبكم، و13 أسيرًا مصابين بإعاقةٍ عقلية.
وحسب الدراسة فإنّ 2288 أسيرًا أشاروا أن الاعتقال كان السبب بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ بإلحاق أضرارٍ صحيةٍ في أجسامهم.
* دراسة أجراها الأخصائي محمد الزير في رسالة ماجستير للجامعة الإسلامية في غزة عام 2001، أفادت أن التعذيب بحق الأسرى ترك آثارًا لاحقةً ومتأخرةً على الوضع الصحي للمعتقلين، وأن نتائج الدراسة تفيد أن ثلاثة من كل أربعة أسرى يعانون من أمراض القلب ووخزات في عضلات القلب وصعوبة في التنفس، وأن هناك 7% من الناجين من التعذيب يشكون من أعراض في القناة الهضمية وآلام في المعدة، وفقدان الوزن ومشاكل في التنفس والرئتين، وأكد الباحث أن الأعراض المزمنة التي بدأت تظهر على الأسرى المحررين لها علاقةٌ بصورةٍ دالةٍ إحصائيًّا بخبرة السجن والتعذيب.
* دراسة قامت بها الباحثة المختصة الدكتورة فردوس عبد ربه العيسى عام 2017 أجرتها على 15 أسيرًا من المحررين تراوحت فترات اعتقالهم بين 3 - 15 سنة، من بينهم 3 أسيرات، واعتقلوا في الفترة الواقعة بين 1969- 2015، وقد كشفت الدراسة استخدام إسرائيل والمحققين نظريات علم النفس في السجون وأقبية التحقيق ضد الأسرى الفلسطينيين، وأن أطباء ومعالجين نفسيين أسهموا بشكلٍ مباشرٍ في صناعة أسس التعذيب ونظمه ومناهجه بحقّ الأسرى.
أوضحت الدراسة الأعراض النفسية التي ظهرت على الأسرى بعد الأفراج عنهم، حيث يعاني 13 أسيرًا من أصل 15 من آثارٍ نفسيّةٍ وجسميةٍ واجتماعيةٍ وجنسيّةٍ بعيدة المدى، ناتجةً عن التعرّض لأشكالٍ متعدّدةٍ من التعذيب، وأظهرت الدراسة أن الأسرى المحررين يعانون من مشاعرَ عميقةٍ من الحزن والألم وانعدام الثقة وعدم الشعور بالأمن، بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية، واضطراب العلاقة والروابط الاجتماعية (التعذيب الاجتماعي)، إضافةً إلى الشعور بالعجز وعدم القدرة على الإبداع.
وخلصت الدراسة أنّ آثار التعذيب الجسدي تقود لألمٍ نفسيٍّ، فهي تسبّب في إيذاء النفس والجسد معًا، مما يؤكد صعوبة فصل التعذيب الجسدي عن التعذيب النفسي.
* دراسة للطالبة منتهى موسى رضا عودة في رسالة ماجستير لجامعة النجاح الوطنية 2013، التي توصلت إلى نتائج تفيد بظهور أعراضٍ نفسية وجسمية على الأسرى المحررين كالانطواء، والشعور بخيبة الأمل من المحيط الاجتماعي، ومشاعر التناقص العاطفي، وصعوبة في الاندماج والتكيف، إضافةً إلى معاناة المحررين من أمراضٍ جسميةٍ، كأمراض الكلى والدم وسرطان الكبد وآلام العيون والأسنان والسكر والضغط وغيرها.
* دراسة قام بها الباحث عبد الرؤوف الطلاع عام 2000، حول الضغوط النفسية لدى الأسرى المحررين في رسالة ماجستير إلى جامعة عين شمس في القاهرة، توصّلت إلى نتائج تفيد بأن الأسرى المحررين يعانون من أمراض الجهاز الهيكلي بنسبة 25،57%، والسكري بنسبة 22،9%، وأمراض الجهاز الهضمي بنسبة 19،9%، وأمراض القلب بنسبة 19،52%، وأمراض الجهاز التنفسي بنسبة 17،66%، وأمراض جلدية بنسبة 13،67%.
* دراسة أعدتها مؤسسة إنقاذ الطفل عام 2012، أفادت أن 95% من الأطفال المعتقلين تعرّضوا للتعذيب والتنكيل والمعاملة المهينة خلال اعتقالهم والتحقيق معهم، وترك ذلك آثارًا صحيةً عليهم بعد الإفراج، حيث يعاني الأطفال المحرّرون من أعراض الكوابيس واضطرابات في النوم والأكل والتبوّل اللاإرادي، ومن التوتر والعصبية وعدم الرغبة في العودة إلى المدارس والانزواء والقلق.
* دراسة أجراها الباحث محمد محاجنة من جمعية الشبان المسيحية في القدس عام 2016، على 95 طفلًا محررًا، أعمارهم بين 11-18 سنة، بينهم 6 إناث، وأظهرت النتائج أن تجربة الاعتقال تمثل خبرةً صادمة تترك آثارًا نفسيةً وصحيةً عميقةً على الأطفال، وكشفت الدراسة أن نسبة انتشار أعراض ضغط ما بعد الصدمة بلغت 49%، أعراض الاكتئاب بلغت 67،4% أعراض القلق 75،8%، أعراض جسدية 78،4%، وكانت أكثر الأعراض الجسدية، الصداع والحساسية والإرهاق العام بنسبة 93%، أعراض آلام الظهر والمعدة والذراعين والساقين بنسبة تتراوح بين 69-89%
* دراسة أعدتها الأسيرتان خالدة جرار ولينا جربوني حول واقع الأسيرات في سجون الاحتلال 2015-2016، وأشارت الدراسة إلى تعرّض الأسيرات لأشكالٍ متنوعةٍ من التعذيب والمعاملة المذلة تركت آثارًا بعيدة المدى على صحة الأسيرات الجسمية والنفسية، وأوضحت الدراسة أن الأسيرات تعرضن منذ لحظة اعتقالهن إلى انتهاك خصوصيتهن، كالتفتيش العاري، والتحرش الجنسي، والإيحاءات الجنسية خلال التحقيق، وإلى التهديد والتعذيب الجسدي، والمس بمشاعرهن وكرامتهن، وممارسة الضغوط عليهن على يد المحققين.
حقائقُ قاتلةٌ:
من خلال نتائج الدراسات والأبحاث المذكورة تظهر أمامنا حقائقُ قاتلةٌ ومفجعة أبرزها:
1. الأسرى المحررون هم ضحايا جرائمَ طبيةٍ متعمدة، نفذت في السجون والمعتقلات الإسرائيلية؛ بهدف تدمير الأسير جسديًّا ونفسيًّا وشلّ حياته ومستقبله بعد الإفراج عنه، جرّاء معاناته من أمراضٍ عديدةٍ أصابته خلال وجوده في السجن، ومن خلال ذلك تدمير المجتمع الفلسطيني، خاصةً أن غالبية مجتمع المعتقلين هم من الفتية والشبان بنسبةٍ تزيد عن 95%، تحويل الأسير من إنسانٍ منتجٍ ومؤثّرٍ إلى إنسانٍ عاجزٍ وعبءٍ على نفسه وعلى مجتمعه، ويصبح السجن بالمفهوم الإسرائيلي ليس مكانًا لقضاء العقوبة بقدر ما يصبحُ مكانًا لهدم كيان الإنسان وتقويضه وتحويله إلى أنقاض إنسان.
2. ينتهك الاحتلال الإسرائيلي القوانين والأعراف الدوليّة والإنسانية كافةً، التي تلزم دولة الاحتلال تقديم العلاجات اللازمة والرعاية الصحية للأسرى المحتجزين، وتوفير الحماية الصحيّة لهم من الأمراض المختلفة، وأنّ عدم قيام سلطات الاحتلال بالتزاماتها القانونيّة والطبية أدّى إلى تهديد حياة الأسرى، وتركهم فريسةً للأمراض المزمنة، وعرضةً للموت في السجون أو بعد تحررهم.
3. أطباء مصلحة السجون الإسرائيلية العامين والاختصاصيين النفسيين كانوا شركاء فاعلين في الإهمال الطبي، وإساءة المعاملة للأسرى، وجزءًا من أداة القمع بحقّ الأسرى المرضى؛ وذلك من خلال التقصير وعدم القيام بواجباتهم الطبية والمهنية والأخلاقية، أو من خلال صمتهم عن الإهمال الطبي والتعذيب، أو من خلال مساهمتهم في هذا القمع والتستّر عليه.
4. أن تصاعد سقوط شهداء داخل السجون بسبب الأمراض وارتفاع أعداد الحالات المرضية في صفوف الأسرى، واستشهاد أعداد كبيرة من الأسرى المحررين بعد الإفراج عنهم، أو استمرار معاناتهم من أمراضٍ صعبةٍ تؤكّد ما كشف عنه عام 1997، من قيام سلطات الاحتلال بإجراء تجاربَ طبيةٍ على الأسرى في السجون بعد أن صرحت رئيسة العلوم البرلمانية داليا ايتسك في ذلك الوقت أن وزارة الصحة الإسرائيلية أقرت بمنحها شركات الأدوية الخاصة بتصاريح لعمل تجارب على الأسرى، وأجرت حتى تاريخه خمسة آلاف تجربة، كما صرحت رئيسة شعبة الأدوية في وزارة الصحة الإسرائيلية في ذلك الوقت إيمي لفنات أن هناك زيادةً سنويةً قدرها 15% في حجم التصريحات التي تمنحها وزارتها لإجراء المزيد من تجارب الأدوية على الفلسطينيين والعرب في المعتقلات الإسرائيلية كل عام.
5. تفاقم الأمراض المميتة في أجسام المعتقلين واستمرارها معهم حتى بعد الإفراج يشير إلى سياسةٍ رسميةٍ متعمدةٍ ومشرعةٍ قانونيًّا من قبل حكومة الاحتلال، وقد أصبحت الجرائم الطبية ومخالفة القانون الدوليّ تجري تحت غطاء القوانين العنصرية في إسرائيل، لقد شرع الكنيست الإسرائيلي مجموعةً من القوانين التي تنتهك الحقوق الصحية للأسرى، وتسبب لهم الأضرار على المدى البعيد كقانون عدم تمويل العلاج للجرحى والأسرى، قانون التغذية القسرية بحقّ الأسرى المضربين، قانون إعفاء المخابرات من توثيق التعذيب وغيرها.
6. وجود ارتباط قوي بين استشهاد أسرى محررين أو معاناتهم من أمراضٍ عديدةٍ، وبين تعرضهم لأشكالٍ متعددةٍ من التعذيب الجسدي والنفسي والمعاملة المهينة داخل السجون، وكذلك وجود علاقةٍ قويةٍ بين انتشار الأمراض في أجساد المحرّرين وسياسة الإهمال الطبي، والظروف غير الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها الأسرى في داخل السجون، حيث أصبحت هذه السجون دفيئة، وحاضنة للفيروسات والأمراض المحمولة في أجسام المحررين.
رائحةُ الموت
أعدادٌ كبيرةٌ من الأسرى المحرّرين استشهدوا بعد الإفراج عنهم بمدّةٍ قصيرةٍ نذكر منهم:
1. الأسير المحرّر الشهيد وليد شعث سكان قطاع غزة، استشهد إثر تعرضه لجلطة يوم 24/7/2011 بعد الإفراج عنه بسبعة شهورٍ فقط، وكان قد قضى 18 عامًا داخل سجون الاحتلال.
2. الأسير المحرّر الشهيد سيطان الولي سكان مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، توفي يوم 24/4/2011 بعد صراعٍ مع مرض السرطان، أصابه خلال فترة أسره التي امتدت 22 عامًا، وأفرج عنه عام 2008.
3. الأسير المحرر الشهيد زهير لبادة سكان نابلس، استشهد يوم 31/5/2012 بعد أسبوعٍ واحدٍ من الإفراج عنه، وكان يعاني خلال وجوده في السجن من مشاكل في الكبد والكلى.
4. الأسير المحرر الشهيد زكريا عيسى سكان بيت لحم، استشهد يوم 2/1/2012 بعد معاناةٍ طويلةٍ مع مرض السرطان الذي أصيب به داخل السجن، وقد أفرج عنه يوم 22/8/2011 وكان محكومًا مدة 16 عامًا قضى منها 9 سنوات.
5. الأسير المحرر الشهيد نعيم شوامرة سكان دورا قضاء الخليل استشهد يوم 16/1/2016 بعد صراعٍ مع مرض ضمور العضلات، الذي أصابه داخل السجن، وكان محكومًا بالسجن المؤبّد، وأفرج عنه عام 2013، بعد قضائه 19 عامًا في الأسر خلال الصفقة التي عقدها الرئيس أبو مازن بالإفراج عن الأسرى المعتقلين قبل اتفاقية أوسلو.
6. الأسير المحرر الشهيد أشرف أبو ذريع سكان دورا قضاء الخليل استشهد يوم 21/10/2013 بعد معاناته من شللٍ نصفيٍّ وضمورٍ بالعضلات، وكان قد قضى 6 سنوات ونصف في السجون الإسرائيلية، وأفرج عنه يوم 15/11/2012
7. الأسير المحرر الشهيد جعفر عوض سكان بيت أمر قضاء الخليل استشهد يوم 10/4/2015 وكان يعاني من أمراضٍ عدة داخل السجن، منها التهاب رئوي حاد، ومشاكل في التنفس، وضعف في عضلة القلب، وكان قد اعتقل في بداية تشرين الثاني 2013، وأفرج عنه في كانون الأول 2015
ويذكر أن العديد من الأسرى المحررين خرجوا من سجون الاحتلال مصابين بإعاقاتٍ وعاهاتٍ مرضيةٍ مستدامةٍ، كالطفل الأسير حسان التميمي من رام الله الذي فقد النظر، الأسير المحرر نادر العفوري من نابلس الذي أصيب بالإعاقة بسبب تعرضه للتعذيب، الأسير المحرر جلال شراونة سكان دورا الخليل الذي أصيب بإعاقةٍ بسبب بتر قدمه داخل السجن، الأسير المحرر محمد التاج سكان رام الله الذي أصيب بتليف في الرئتين، وأجرى عملية زراعة رئتين وقلب بعد الإفراج، الأسير المحرر فادي أبو عطية سكان رام الله الذي أصيب بأضرارٍ نفسيةٍ بسبب قمع الأسرى المضربين عن الطعام في نيسان 2017 وغيرهم.
ذاكرةُ الألم
الأسرى المحرّرون خرجوا من سجون الاحتلال وما زالت رائحة السجن في لغتهم، ذاكرتهم مليئة بمشاهد موت زملائهم وصرخات الأسرى المشلولين وأوجاعهم، والجرحى والمصابين بأمراضٍ خطيرة، ذاكرتهم مجروحةٌ وموجوعةٌ لا تنسى ولا تمحوها الأيام، وكما قال الأسير أسامة الأشقر: من منا لا يعاني من كسر في أنفه أو فكّه أو جمجمته أو أسنانه، عندما نتذكر مداهمة غرف السجن بمئات السجانين والجنود المدججين بالهراوات والتروس ومدافع الغاز.
ذاكرة الأسرى لا تنسى سيارة البوسطة الحديدية المصفحة ذات الروائح الكريهة والمنهكة، التي تنقلهم من سجن إلى آخر أو إلى المستشفى، ذاكرتهم لا تنسى زنازين العزل الانفرادي الضيّقة وقضاء سنواتٍ طويلةٍ في الرطوبة بلا شمسٍ ولا صوتٍ ولا هواء، ذاكرتهم لا تنسى صراخ الأسيرات اللواتي أنجبن أطفالهن داخل السجون وهن مقيدات على أسرّة المستشفيات، ذاكرتهم لا تنسى أجهزة التشويش الإشعاعية المسرطنة التي تم تركيبها في السجون وزجهم في غرف مكتظة ومزدحمة، ذاكرتهم لا تنسى دهشة الأطفال القاصرين الذين انتزعوا من أحضان ذويهم في منتصف الليل تحت الضرب والرعب وصوت البنادق والفزع، ذاكرة ألم في الروح والجسد لا تنتهي بمجرد التحرّر من السجن.
السلطةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّةُ وضحايا السجون
عند قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على إثر اتفاقيات أوسلو عام 1994، أنيطت على عاتقها إدارة المسؤولية عن الشعب الفلسطيني الذي يقع ضمن ولايتها وفق خريطة الاتفاق، وقد استلمت السلطة مجتمعًا فلسطينيًّا منكوبًا؛ نتيجةَ إرثٍ طويلٍ من الممارسات القمعية التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي وتدميره المنهجي لبنيته الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية.
وجدت السلطة الفلسطينية أمامها آلاف الضحايا من الأسرى الذين تكبدوا معاناة السجون، ووفق مسؤولياتها أنشأت وزارة شؤون الأسرى والمحررين لمتابعة أوضاعهم وترميم جزءٍ من الخراب الإنساني والاجتماعي والنفسي الذي أصاب الأسرى والأسيرات وعائلاتهم؛ نتيجة الاعتقال، وقد أدرك المشرع الفلسطيني ضرورة توفير العناية والرعاية للمتضررين من جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية، وهذا ما أكّده القانون الأساسي الفلسطيني الذي نصّ على رعاية أسر الشهداء والأسرى ورعاية الجرحى والمتضررين واجب ينظم القانون أحكامه، ويكون بذلك تعويضًا وجبرًا للضرر.
لقد قامت السلطة الفلسطينية من منطلق التزامها الأدبي والاجتماعي والوطني بمساعدة المتضررين من الأعمال الإرهابية والعدائية الإسرائيلية بالقدر التي تسمح به ميزانيتها العامة، وان تعويضها هو نوعٌ من أنواع المساعدة الإنسانية والاجتماعية، ولهذا أنشأت هيئات، وشرعت قوانين تقضي بتعويض المتضررين من أسرى وشهداء وجرحى ومبعدين ومعاقين، وقد فعلت ذلك بموجب مسؤولياتها القانونية وإحساسها الاجتماعي، ووفق قواعد القانون الدولي التي تنص على أنّ لكلّ دولةٍ الحق في حماية رعاياها عندما يصابون بأضرارٍ نتيجة لما ترتكب دولة أخرى من أعمال تخالف القانون الدولي.
المطالبةُ بتعويضاتٍ عن الأضرار
إن ما أصاب الأسرى وعائلاتهم من أضرارٍ نفسيةٍ وصحيةٍ وجسديةٍ واجتماعيةٍ يقتضي التحرك ومطالبة إسرائيل كسلطةٍ محتلةٍ بالتعويض عن الأضرار، التي لحقت بهم، وأنّ قيام السلطة الفلسطينية بتعويض الضرر وفق إمكانياتها ليس بديلًا عن التوجّه إلى التحكيم والقضاء الدولي، وإلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة، ورفع المطالبات إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث تتهرّب إسرائيل من مسؤولياتها القانونية من دفع تعويضات لضحايا أعمالها الإجرامية وما زالت تمارس إرهاب الدولة بحق الشعب الفلسطيني، وتقوم بملاحقة الأسرى وتعتدي على حقوقهم الاجتماعية من خلال قرصنة أموال السلطة الفلسطينية، وتهديد البنوك وممارسة الابتزاز المالي من خلال إصدار أحكامٍ جائرةٍ في محاكمها العسكرية بدفع غراماتٍ وتعويضاتٍ ماليةٍ كبيرةٍ بحقّ الأسرى، وهي بذلك تتدخّل في مسؤوليات السلطة الفلسطينية عن رعاية أبنائها ضحايا الاحتلال، وتنفّذ مشروعًا خطيرًا يستهدف تجريم نضال الشعب الفلسطيني، ونزع مشروعيته، وتتهرب من مسؤولياتها القانونية عن دفع تعويضاتٍ عن الأضرار الجسيمة التي ألحقتها بحقّ أبناء الشعب الفلسطيني.
أصبح من الأهمية أن تقوم السلطة الوطنية الفلسطينية بوضع بند التعويضات على أجندة أية مفاوضاتٍ مستقبليةٍ، والعمل على تحريك هذا الموضوع وإثارته على المستويات الدوليّة بمنابرها كافةً.

