Menu

ديرة بئر السبع وفقه الحدود الاستعمارية

خاصالصراع بين "طبيعة صهيونية" و"الطبيعة الفلسطينية" هو صراع وجود أيضا

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

لم تكن أحداث "النقب" الأخيرة، مصادفة ميدانية، أو إخلالا بالنظام، أو تهورا عسكريا في بلد طبيعي، بل نتيجة طبيعية لسياق طويل من ممارسات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، ممارسات يعتبرها المستعمر عادية، وجزءًا من سياق وجوده.

ما وراء الأفعال تتمترس أيدلوجية مميتة حيث تتمحور عقيدة المستعمرين في فكرة الإلغاء، إلغاء الآخر والحلول محله، ولو اقتضى ذلك اختراع الأساطير حول الأرض البكر أو الموعودة، أو الأرض التي تبحث عمّن يعمّرها، وهذا الجوهر كان حاضرًا دائمًا في مقولات المستعمرين، يصبح كل شيء مفهوما ارتباطا بجلاء هذه الأيدلوجيا، القوة المحرّكة المسلحة بدولة، وقد كتب كالب كار كتابا عن انتفاضة شعب السيوكس Sioux في مينسوتا عام 1862 مؤكّدًا أنّ المواجهة في مينسوتا كانت حربا شاملة بين أمّتين متنازعتين على السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدّة للموت في سبيلها: “بالنسبة لإحداهما كان الاستيطان أملا أخيراً، فقد كانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها، من أجل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، أمّا بالنسبة للسكان الأصلين، ففي البداية على الأقل كانت شروط الصراع أقلّ مصيرية، بوسعهم -بعد كل حساب- أن يرحلوا إلى الغرب قليلاً!”

في سياق ما يسمى حملة "الغرس" التي يقوم بها "الصندوق القومي اليهودي" في أراضي "النقب- ديرة بئر السبع"، في إطار تكريس "الطبيعة الإسرائيلية" فإن من الواجب دائما التذكير إن هذه الطبيعة لم تكن لتوجد بدون سحق وإبادة "الطبيعة الفلسطينية" وبدون اقتلاع الوجود البشري الفلسطيني، الاقتلاع الذي كان ضروريا لغرس الشجرة التي يمكن إدانة تدميرها من خلال خطاب حماية البيئة الاستعماري.

وقصص التاريخ متشابهة طبعا، فمع التوسع إلى الغرب وعندما تمت إبادة قبائل السكان الأصليين في "الأرض الجدة" التي سميت فيما بعد القارة الأمريكية، أو طردها غربا باستمرار، لم يعد للنارجينون والموهيكيون والسيوكس وقبائل الكومانشي أي وجود إلا في ذاكرة الإنسانية الخجولة، وبينما كانت هذه القبائل تباد أو تطرد كان يأتي المزيد من المستعمرين لملئ مكانهم، حتى أن الحيوانات البرية أصيبت بالذعر ليس فقط من كثرة عدد "ذوي الوجوه الشاحبة" بل أيضا من تغييرهم لطرائق الصيد وهكذا الحيوانات أيضا فرت من المكان وأبيد الوجه الأصلي للطبيعة.

كان خلق الوجه الجديد للبيئة مرتبطا أيضا وبشكل جدلي مع عمليات نزع الملكية والتدمير والتقويض الكامل لنسيج بيئي قام على علاقة استثنائية بين الإنسان والحيوان والنبات، أو بالأصح بين الإنسان وعناصر بيئته.

يذكر أليكسس دو توكفيل، أنه تم لاحقا في تلك الأصقاع سن قوانين جديدة لحظر الصيد، في الواقع تلك القوانين لم تكن تحظر الصيد ولكن تغير نوعيته، فقد تم تحريم الطرق التي طالما استخدمها السكان الأصليون (العرق الأدنى) بحجة الحفاظ على الطبيعة، وتم بالمقابل تكريس أشكال أخرى من الصيد اعتبرت "عادلة" و"رياضية" ولكنها أكثر تكلفة، وبالتالي اقتصرت على طبقة معينة، وهكذا فإن الطبيعة التي زعموا أنهم يريدون الحفاظ عليها، تم إدامتها وتغيير حقيقتها عبر الاستعمار، وكانت أيضا أداة استعمارية، تخلق مساحة خالية من العرق الأصلي عبر الزعم بحماية الطبيعة عبر فصلها عن الإنسان، عبر تجريد هذا الأخير من أرضه وسبل عيشه.

في سياق السعي لتملك وتغيير وجه الأراضي المنتزعة يتشكل جوهر الإلغاء، حيث يتقمص الغازي عقيدة فاسدة تتحدث عن « أرض بكر» تتحقق "بكورتها" عبر تكريس عملاني لمبدأ (إما نحن أو هم) وطبعا سيزيد احتدام هذه المعادلة أن السكان الأصليين لن يتخلوا عن حقهم الشرعي في أرضهم بسهولة، الحل إذن في أبادتهم، يذكرنا هذا بمقولة الإحلال الصهيونية بوجهها القبيح فالحرب حرب وجود، على أرض يتنازعها (اليهود) مع (العرب) وهي (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وإمكانية الرحيل إلى الغرب قليلاً بمقال المستوطنين الأوربيين تعادل تماما مقالة الصهاينة أن العرب يملكون الكثير من الأرض، ليستوعبوا الفلسطينيين عندهم إذن، ولكن كما أن الغرب لا نهائي وسيتمدد باستمرار ويدفع الضحايا إلى البحر والموت كذلك سيكون دائما لدى العرب المزيد من الأرض ليحصل اليهود على بعضها.

يقول نعوم تشومسكي مستندا إلى كلمات كالب كار أعلاه « يمكن أن نتصور لو أن النازيين انتصروا في الحرب الأوربية إذن لربما كان مؤرخ ألماني متأخر ليكتب أن المواجهة بين الألمان والسلاف على الجبهة الشرقية لم تكن مرتبطة بأفكار ذات شأن، مع انه من أجل الظهور بمظهر متوازن يمكن أن يتذكر أنها كانت حربا شاملة بين أمتين تتنازعان السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدتين للموت في سبيلهن أما السلاف فكانت شروط الصراع أقل مصيرية بالنسبة لهم مقارنة مع الألمان الذين كانوا بأمس الحاجة لمجال حيوي، وكانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها بأمل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، فقد كان بوسع السلاف بعد كل حساب أن يرحلوا إلى سيبيريا». ولنتأمل ما يمكن أن يكتبه مؤرخ صهيوني عن أن بوسع الفلسطينيين والعرب أن يرحلوا إلى صحرائهم!!

كلمات كار لم تكن مجرد تهاويل مؤرخ بل أن جورج واشنطن قائد أمريكا المستقلة كان قد سبقه منذ عام 1783 «إن التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل المتوحشين يتراجعون تدريجيا، كذلك الذئاب فكلاهما طرائد للصيد مع أنهم مختلفين شكلاً» وها هو صدى الكلمات يتردد على لسان داني روبنشتاين «على الفلسطينيين أن يقبلوا حكما ذاتيا على غرار معسكرات أسرى الحرب، يستطيعون في ظله أن يجمعوا الزبالة في المناطق المخصصة لهم».

تلك بالضبط هي عملية المحو التاريخي التي تحدث مستمرة في فلسطين عامة وفي "النقب" على وجه الخصوص، ليس فقط عبر مواصلة منع الاعتراف بشرعية قرى الفلسطينيين أصحاب الأرض، ثم انتزاع مليكياتهم الطبيعية، ثم حشرهم فيما يشبه المحميات التي أقيمت لسكان الولايات المتحدة الأصليين، بحجة الحفاظ على المشهد التوراتي لأرض الميعاد، والذي سنعود إليه بعد قليل. بل هي تجسيد لعد الاعتراف بهم بالمطلق، وبالتالي عدم الاعتراف بالنسيج الإنساني –البيئي الذي أنتجوه عبر تاريخهم بعلاقتهم بهذه الأرض.

وهكذا بينما يسعى النظام الصهيوني ومؤسساته لتصويلا مسألة القرى منزوعة الشرعية بأنها مسألة تنظيم بيروقراطي، يأخذ أبعادا بيئية واقتصادية ، فإن الصراع الأصلي هو الصراع على استحقاق الأرض وحدود نفوذ الكيان الاستعماري وقدرته على امتلاك الأرض منزوعة الشعب. حيث أن الوجود الفلسطيني في "النقب" إنما هو في الواقع تحد لأسطورة الانتصار النهائي الصهيوني، وتحد لحكاية الـ"الأرض بلا شعب"، وتحد لفكرة الحدود اليهودية النقية، فالفلسطينيون ما زالوا موجودين رغم دفن مئات من قراهم تحت جذور غابات الصنوبر الأوربي، وهذا لايختلف عن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وزرع البؤر الاستيطانية وقضم الأرض والبيوت في القدس ، فالوحش الاستعماري يحدد مناطق سيطرته ونفوذه عبر إبادة وسحق أصحاب المكان، وهو لايكتفي أبدا.

الدين الاستعماري وأساطير الأرض التوراتية

وجاءت عملية "الغرس" الأخيرة، للمفارقة، برعاية حماسية من الحاخامية الكبرى، للعمليات التي يقودها "الصندوق" واليت سماها ناشط "إسرائيلي" بـ"زرع السلب" في إشارة إلى تشجير أراضي تم سلبها أصلا من أصحابها الأصليين ويجري على قدم وساق تغيير صورتها الأصلية، أما المفارقة المذكورة، فهي أن الحماسة الحاخامية تأتي بالذات في "سنة شميتا" [שמיטה: عام شميتا هو مصطلح في الهالاخاه يشير إلى عام في التقويم اليهودي يحظر فيه الحراثة، الزراعة، شتل النبات وغيرها من الأعمال الزراعية، في منطقة الديار المقدسة كما تحددها الشريعة اليهودية. تتكرر مناسبة "عام شميتا" كل 7 أعوام في التقويم اليهودي] ولكن كل شيء يتم تحليله من أجل الاستعمار، ومن حلل قتل النفس أصلا لن يمانع في تحليل هذا التشجير الإجرامي، وهكذا ثمة فرصة للصندوق اليهودي لتأكيد هويته كمؤسسة استعمارية عبر الاستيلاء الأخير على أراضي قرية "سعوة الأطرش" بما يعكس احتيال الخطاب البيئي الصهيوني وتماثله مع قرينه الغربي الذي الذي يقود خطابًا بيئيًا يعتبر نزع الملكية جزءًا لا يتجزأ منه.

يُمكِّن التجريد من خلق "الطبيعة" ذاتها كمساحة يجب الحفاظ عليها، في خلق الانفصال بين الإنسان وغيره كجزء من تكوين مفهوم رومانسي للبيئة، هذا ما نعرفه من الحديث عن "مناظر سفر التكوين" في الحكايات الأسطورية عن "أرض الميعاد.

يقول المفكر الصهيوني ميخا جوزيف بيرديشفسكي «الطبيعة هي أم الحياة ومصدر كل الحياة، إنها منبع الكل...» ويتجلى تبني الصهيونية للعودة إلى الطبيعة في اتجاه الرواد للعمل في الزراعة وإقامة القرى الزراعية ودعوة اليهود للعودة للعمل في الأرض والالتصاق بها وتمجيد العمل اليدوي وتقديسه، والعودة الرومانسية هنا ليست دعوة للعودة إلى الأصول الإنسانية التي تضم كل البشر وإنما هي مبرر لتمركز الهوية الصهيونية على نفسها. محمولة بعنصرية بغيضة عبر العودة إلى تاريخ بعيد يقدس (يهوا ) «رب البرية المليئة بالأسرار، رب الرجال الذين غزوا أرض كنعان كالعاصفة"» ويتجلى أيضا في خطاب مارتن بوبر «الأرض المفتوحة قد أعيدت إلى الفاتح الذي أقام علها وان الله بانتظار ما سيفعل بها».

ولأن الأرض ليست "بلا شعب" ولأنها تتناقض مع تصاوير وخرافات التوراة، تتحول الرومانسية في هذا السياق إلى برنامج سياسي يحول حب الأرض إلى ارتباط عرقي وقومي حتمي بفلسطين مما يحتم غزوها والاستيلاء عليها.

وهكذا يتبدى السعي الاستيطاني الصهيوني لـ"تشجير النقب" كمسعى لاينفصل عن جوهر الهدف الصهيوني الأصلي بالاستيلاء على فلسطين، فالشجرة المجلوبة من أوربا لتغرس في أرض كنعان، إنما هي في الواقع مستوطن آخر جاء ليحل فلسطيني أصلي، والغابة التي يتم زراعتها فوق آثار قرية فلسطينية مدمرة إنما هي مستعمرة جديدة، يصبح هنا، رواد البيئة، طلائع استعمار ورواد عملية الاستيطان ونهب أرض فلسطين. إن البيئة "الصهيونية" التي يتشدق بها الصهاينة وحماة البيئة الأوربيين المؤيدين لهم، إنما هي بيئة نقيضة لبيئة وطبيعة فلسطين، والصراع بين "الطبيعتين" هو أيضا صراع وجود، فهذه "الطبيعة الصهيونية" هي الغابات المبنية على أنقاض القرى الفلسطينية، في محاولة لمحو آثارها وفي نفس الوقت استيعابها في صورة الطبيعة النظيفة والرومانسية التي لا يفترض أن يعود سكانها إليها، يتم ذكرها بالمصادفة على لافتات كقرى "كانت موجودة في المنطقة حتى 48"، هكذا.. كانت موجودة، ولكنها اختفت فجأة بفعل عوامل غيرمحددة، كما يجب أن يفترض المطلع على هذه الأقاويل.

إن مفهوم "الطبيعة" هذا، الذي يقوم على الفصل العنيف بين الإنسان وبيئته وصورة المناظر الطبيعية القديمة والنقية، ينبثق مباشرة من المناقشات الأولى لقانون الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية التي دارت في عام 1962، حيث في هذه المناقشات، أشار ديفيد بن غوريون إلى الحفاظ على الطبيعة باعتباره "حاجة تعليمية ثقافية أساسية تجعل الناس لديهم علاقات أوثق بأرضهم" ، واقتبس س. يزهار، الذي يقول "من المستحيل على أي شخص دون ترك مساحة غير ملوثة في يد شخص [...] من الضروري أن يكون لدى الشخص مكان يذهب إليه وينتعش بعيدا عن المدينة [...] اتصال منعش مع الأساسي، مع الطبيعي". كانت كلمات بن غوريون والأشياء التي طرحها باسم يتسهار تشير إلى تأسيس "الطبيعة" كمفهوم وطني "خالص" غير إنساني، وهو رابط ضروري في تكوين الثقافة الوطنية الاستعمارية. هذا من خلال تطهيره من الإنسان وإدراكه كطبيعة "قديمة". إنه مفهوم للطبيعة يقوم على الخلق الخيالي للحظة "قبل أن تكون إنسانًا" من خلال طرد الفلسطينيين منها.

نقاشات ديفيد بن غوريون والكثير غيرها تشير إلى الطبيعة الأصلية للكيان الصهيوني، كغزو استعماري توسعي، وتشير إلى فكرة "المجال الحيوي" والتي هي فكرة تأسيسية في إقامة هذا الكيان.

تتبلور إذن فكرة التوسع باعتبارها ركيزة أساسية للصهيونية باعتبارها حركة ذات سمة استعمارية، كما هي فكرة الاستعمار الغربي، لقد آمن تيودور روزفلت في كتابه (اكتساب الغرب ) أنه «لأجل خير العالم فان الشعب الناطق بالإنكليزية بكل فروعه يجب أن يسيطر على أكبر قدر ممكن من سطح العالم» والسيطرة تأخذ معناها ليس فقط لأجل (خير العالم) وإنما انطلاقا من انحطاط الآخر ووجوب استعماره وإلغائه، فيصرح ونستون تشرشل في شهادته أمام لجنة بيل حول فلسطين «أنا لا أوافق على أن الكلب في المذود يملك الحق النهائي في المذود حتى لو كان يضطجع هناك منذ زمن طويل، أنا لا أعترف على سبيل المثال أن هناك خطأ قد حدث بحق الهنود الحمر في أمريكا أو الناس السود في أستراليا، أنا لا أعترف بأن هناك خطأ قد حدث بحق تلك الشعوب بناء على الحقيقة بأن عرقا أقوى، عرقا من درجة أعلى قد استولى على الأرض».

وكما سعى المستعمرون البيض للتوسع غربا عبر إزاحة استراتيجية للسكان الأصليين، في العالم الجديد كذلك بقيت الدولة الصهيونية بدون حدود رسمية، مقتدين بهتلر الذي افترض أن حدود العرق الأوربي هي حيث تقتضي الحاجة وهكذا تؤكد غولدا مائير بعد حرب 1967 وفي رفضها للانسحاب بأن حدود الرابع من حزيران 1967 غير آمنة ولا يمكن الدفاع عنها، غير أن الجنرال بيليد يرد عليها قائلاً«إن الحكومة الإسرائيلية توحي للرأي العام أن ثمة خوفا من الإبادة وتكون صورة كاذبة عن الظروف التي سببت الحرب وذلك لتبرير توسعها في أراض عربية جديدة» ثم يضيف « إن احتلال أراض جديدة هو وصفة سحرية وحل لكل معضلات أمتنا». وتؤكد مائير «أن الحدود تقع حيث يستوطن اليهود ويقيمون ولا تقع على خريطة يحدها خط ما».

ومرة أخرى يبدو ألا سبيل إلى التشابه بين أي شيء وشيء آخر كالتشابه الذي يتحقق بين النازية والصهيونية في إطار فاشي واحد.