Menu

متى يغادرُ الإسلامُ السياسيّ سقيفةَ بني ساعدة؟

د. سامح إسماعيل

نٌشر في العدد الـ34 من مجلة الهدف الرقمية

باحثٌ ومحاضرٌ في العلوم السياسيّة وفلسفة التاريخ/ مصر

يرى البعضُ أنّ ما جرى في سقيفة بنى ساعدة، نوعٌ من التطوّر السياسيّ القائم على قاعدة الشورى، لاختيار خليفة رسول الله، في سابقةٍ لم يعرف العربُ مثيلًا لها من قبل، ويرى آخرون فيما جرى نوعًا من المصادرة على رأي الأغلبيّة، وفرض هيمنة قريش بالقوّة؛ وبينهما فقدَ الاشتباكُ النقديّ قدرتَهُ على إدراك المساومة التاريخيّة التي جرت، بقَبول الرواية المتداولة بكلّ تناقضاتها، بحيث باتت الحادثةُ مسلّمةً مطلقة، يستدعي كلُّ طرفٍ منها ما يؤيّد وجهة نظره ورؤيته تجاه الحدث.

ويمكن القول إنّ اختيار الخليفة الأوّل، جاء في سياق تحوّل المجتمع المسلم في جزيرة العرب من مفهوم الجماعة الدينيّة، إلى مفهوم الدولة، التي تموضعت وَفْقَ تفاهماتٍ شديدةِ الحساسيّة مع مفهوم العصبيّة القبليّة.

عناصرُ القوّة القبليّة تحسم أمر الخلافة

ظلّت القبيلةُ بسطوتها الاجتماعيّة، المعطى الأكثر تأثيرًا على مجريات الأمور، وظلّت الفاعلية السياسيّة لصلات القرابة؛ عنصرًا مؤثّرًا في ترجيح كفّة أحدهم على الآخر، ووفْقًا لهذه الاعتبارات، كانت فرصةُ أبي بكرٍ الصديق تكاد تكون معدومة، في تبوِّأ مقعد الخلافة، فهو ينتمي إلى فرع تيم الأقلّ تأثيرًا، ولا يملك من الثروة أو القوّة ما يدعم موقفه، لكن الرجل القوي، عمر بن الخطاب، قرر أن يدفع بصاحب النبي، ليقود المرحلة الانتقاليّة، قبل أن ينفرد هو بخلافته بعد أن تستتب أمور الدولة الناشئة.

ولا يمكن اعتبار وفاة الرسول أمرًا مفاجئًا للقبائل العربيّة، حيث كان التدهور في صحته، عليه السلام، سابقًا على وفاته بوقتٍ كاف، ففي حجة الوداع، بدا وكأنّ النبي يودع أصحابه، كما مهّد القرآنُ نفسُهُ لحتمية الرحيل الوشيك، بقوله تعالى: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.." آل عمران (144).

وكما هو واضح، فالنص يستشرف ملامح المستقبل القريب، في ظل خلافاتٍ يبدو أنّها كانت سابقةً على وفاة النبي، ما استدعى نزول الآية في ظل مشارورات، يرجح أنهّا كانت قائمة؛ لاختيار الخليفة وقت مرض النبي الأخير.

وعليه، لا يمكن تجاهل حتمية وجود مشاورات بين رؤس قريش، ربما باشرها عمر بن الخطاب نفسه، لحسم ملف الخلافة، وربّما رأى ابن الخطاب، الذي كان يثق في قدرته على قيادة الأمة في هذا الوقت الصعب، أنّ اعتبارات الاختيار التقليديّة لا تنطبق عليه، فطرح على العرب اسم أبي بكرٍ الصديق، ليضع قاعدةً جديدةً للاختيار، تقوم على الورع والقرب من النبي، ويبدو أنّ اقتراح عمر الذي سبق اجتماع السقيفة لاقى قبولًا ضمنيًّا، فلربما رأت القبائل أنّ الشيخ الكبير يستطيع أن يقود الجماعة بشكلٍ مؤقت، ولو شكليًّا، حتى تحسم القبائل أمرها، ويفرض الرجل القوي نفسه، أو يفرز الصراع قائدًا جديدًا فيما بعد، ومن ثَمَّ يمكن فهم صمت رؤساء قريش بالتحديد على اختيار الصديق، وتخليهم عن علىّ بن أبي طالب، ويمكن كذلك فهم انقلاب القبائل فيما بعد عندما اتضحت الرؤية، وبات عمر بن الخطاب هو الحاكم الفعلي، حيث سلّمه الصدّيق، مقاليد الأمور، لتظهر هيمنة قريش المطلقة على الدولة الإسلامية.

الإسلاميون يعودون إلى السقيفة لأخذ البيعة

تُظهر الرواية الرسميّة لما جرى في السقيفة، نوعًا من التوافق بين عناصر الأمة الإسلاميّة، وتؤكد أنّ أسبقيةَ أبي بكرٍ الصديق، جاءت بحكم ورعه وقربه من النبي، وأنّ الأمر ظل شورى بينهم، بينما أوعز الله إلى الجن لتقتل سعد بن عبادة، الذي أراد إثارة الفتنة، وذهب عليّ بن أبى طالب ليبايع طوعًا ومعه سائر المسلمين، ومن ثَمَّ يصبح الإيمان أساسًا للحكم، ومن يحتكر الإيمان يلبس بالضرورة قميص السلطة، لا ينازعه فيه إنسان.

تلقف الإسلاميون هذا الطرح، ساعدهم على ذلك اعتماد رواية السقيفة بعناصرها المتناقضة، فدخلوا هم أيضًا إلى سقيفة بني ساعدة، يطرحون أسهمهم، ويؤكدون أسبقيتهم في الإيمان، وأحقيتهم في السلطة، بعد استيفاء عناصر البيعة؛ بحكم ورعهم وقربهم من منهاج النبوة، وقدرتهم كذلك على الدفاع عن هذا الحقّ بقوّة السيف.

يقول المؤسّس والمرشد الأوّل لجماعة الإخوان حسن البنا: "الإخوان المسلمون يعلمون أنّ أول درجة من درجات القوة، هي قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعةٌ بالقوّة، حتى تتوفّر لها هذه المعاني جميعًا". ويضيف البنا: "إنّ الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العمليّة حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة".

تماهى شعار الإسلام هو الحل الذي رفعه الإخوان المسلمون، مع مفاهيم الجماعة الربانيّة التي طرحت استحقاقها الشرعي للسيطرة على السلطة، وَفْقَ رؤيةٍ لا تنفصل عن قراءةٍ مختزلةٍ للتاريخ، فمع أحداث الربيع العربي، لوّحت الجماعة بمبدأ الأنصار في السقيفة حين قالوا: "منكم أمير ومنا أمير"، حيث رفع الإخوان شعار "مشاركة لا مغالبة"، ومع الصعود السياسي، وفي ذروة نشوتها بالوصول إلى السلطة، سارعت جماعةُ الإخوان إلى فرض الهيمنة، مبررةً ذلك بالحقّ الإلهيّ في الحكم، وأنّها أبدًا لن تنزع قميصًا ألبسنيها الله!!

يقول حسن البنا في الرسائل:"إذا قيل لكم إلام تدعون؟ فقولوا إلى الإسلام، والحكومة جزء منه، فإن قيل لكم هذه سياسة، فقولوا هذا هو الإسلام، نحن دعاة حق نعتقده ونعتز به، فإن وقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندافع عن أنفسنا وكنتم أنتم الظالمين". هكذا تنتزع الجماعة مفهوم الدولة من سياقاته الحديثة، إلى حيث غياهب الماضي، وتؤسّس دعوتها على اختطاف الدين، ومغالبة الجميع، حتى وإن تطلب الأمر حربًا لا هوادة فيها، يقول البنا: "سيستخدم الإخوان القوّة حين لا يجدي غيرها، وحين يستكملون عدّة الإيمان"، فالمجتمع جاهلي، كما يؤكّد سيد قطب، وعلى الإخوان استكمال إيمانهم باتباع تعاليم مرشدهم، ثمّ الشروع في استلام السلطة، وتغيير الباطل بشتى الوسائل.

نظر الإسلاميون إلى أحداث الربيع العربي، وانزياح الأنظمة التي طالما قيدت حركتهم، ومنعتهم من استكمال غاية وجودهم بالسيطرة على الحكم، بشيءٍ من الاطمئنان والاستبشار باقتراب لحظة المغالبة، فتجهزوا بعدة الإيمان كما يعتقدون، وبسطوا أيديهم لتلقي البيعة، وحين انطلت الخدعة على الشعوب، قلبوا ظهر المجن لهم، مدفوعين بوهم القوة، قبل استكمال عناصر الهيمنة، فسقطوا في غيابات الجب سقوطًا حتميًّا.

والآن نراهم يعودون مرّةً أخرى إلى سقيفة بني ساعدة، يطلبون السلطة بإصرار الواهمين، غير مدركين أنّهم في خصامٍ دائمٍ مع حركة الواقع، ورؤية التاريخ، وأنّ استيفاء معطيات السلطة أمرٌ لم يزل بعيدًا عن مخيلتهم، لأنّهم ببساطة لم يدركوا حقيقة التوافق الذي سبق السقيفة، وحقيقة أخرى ربما غابت عن عقولهم، وهي أنّ زمن السقيفة أبدًا لن يعود.

ربّما وحدها المراجعات الحادة، تبقى هي الاستجابات الوحيدة للتساؤلات الصعبة، التي فرضها واقع الأمر، ليس على الإسلاميين وحدهم، وإنّما على أتباع كل الأيديولوجيات المتكلّسة، أو حتى أنصار الانفتاح الأيديولوجي الرخو والمهترئ، ففي زمن التحوّلات الكبرى، والانزياحات الصادمة، تبقى المراجعة وحدها هي السبيل نحو الخلاص.