Menu

القدسُ في الميزانِ الإسرائيلي المدجّج...!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 34 من مجلة الهدف الإلكترونية

أكرم عطا الله

كاتبٌ صحفيٌّ فلسطينيّ/ بريطانيا

بُعيدَ احتلالِ إسرائيلَ للقدسِ الشرقيّةِ عامَ 1967، توردُ الوثائقُ تصريحًا لدافيد بن غوريون؛ مؤسّس إسرائيل، الذي كان قد اعتزل السياسة: "يجب جلب اليهود إلى القدس بأيّ ثمن، يجب توطين عشرات الآلاف منهم فيها خلال فترةٍ قصيرةٍ جدًّا، سيوافقُ اليهودُ على الإقامة في القدس الشرقيّة ولو في أكواخ، ينبغي عدم الانتظار إلى حين بناءِ أحياءِ منظّمة، المهمّ أن يكون فيها يهود".

فورًا وبعد الاحتلال تمَّ العملُ على ترجمة هذا التصريح على الأرض، حيث تمّ التخطيطُ لابتلاعِ القدس في خطّةٍ شاملةٍ سمّيت "مخطط القدس الرئيس 1968" الذي صدر بعد أقلّ من سنةٍ على احتلال المدينة، وضمّها بالقانون المسلّح وبالقوّة العسكريّة والمحمولة على فوّهات المدافع، ومنذ يومها كانت القدس أولويةً في كلّ مخطّطات تلك الدولة، وعنوان هذه المخطّطات هو عنوانٌ عنصريٌّ يقدم على حشو المدينة باليهود ونقلها إليها بأيّ ثمن، وتهجير السكان الفلسطينيّين منها، وتحقيق أغلبيةٍ ديموغرافيّةٍ يهوديّةٍ بكلّ السبل وتجفيف العرب فيها، بل وضعت في العقود الأخيرة، رقمًا بأن تكون سيادة يهوديّة لا تقلّ عن 70% لليهود مقابل 30% للعرب لتحقيق التوازن المنشود، في ظلّ صمود الفلسطينيّين وتمسّكهم بمدينتهم، رغمَ كلّ ما مارسته إسرائيل من خنقٍ للمدينة وسكّانها.

إذنْ، ما حدث لعائلة صالحية من هدم بيتها وقبلها محاولة ترحيل عائلة الكرد وحي الشيخ جراح، الذي انتفض الفلسطينيون من أجله واشتعلت الحرب، ليس مسألةً قانونيّةً كما تريد أن تصوّر إسرائيل أمام العالم، ومن السذاجة التعاطي مع محتلٍّ بهذا الشكل، بل إنّ الأمرَ مخططٌ له حتى قبل أن يتمّ احتلال المدينة. ففي عام 2000، وضعت إسرائيل مخطّطًا للقدس، أسمته مخطّطَ القدس "2020"، أي لعام 2020، تكون قد حقّقت أغلبيّةً يهوديّةً وطردت ما يمكن من الفلسطينيين بإنشاء مدنٍ وحدائقَ ومواقفِ سياراتٍ تقام مكان البيوت الفلسطينيّة التي يتمّ تهجيرُ سكّانها وهدمها، وكانت مستوطنات غيلو وجيل أبو غنيم وباقي المستوطنات في القدس، في إطار مخطّطٍ مدروسٍ لتهويد مدينة القدس. وإذا لاحظنا حتى في ذروة المفاوضات مع الفلسطينيّين كان كلُّ رؤساء وزراء إسرائيل - حتى من اعتبروا يساريّين - يكرّرون عبارةَ القدس الموحّدة، التي لن تنقسم، كأنّهم يجدّدون عهدهم مع الشعب الإسرائيليّ ومع مخطّطات الدولة، بعد أن خدعت إسرائيل الفلسطينيّين، بترحيل ملفّها للحلّ النهائيّ؛ وهو الحلُّ الذي سيتمُّ تفجيرُ كلِّ شيءٍ قبلَ بلوغه.

في إسرائيل كانت كلُّ الحكومات التي حكمت منذ 67 حتى الآن، تسير وَفقَ مخطّطاتٍ مدروسةٍ بعد توقيع اتّفاق أوسلو بالمستوطنات الكبيرة، تقطع الطريق على مجتمعٍ دوليٍّ قد يضغطُ تجاهَ شيءٍ ما، وكانت تلك السيطرةُ تتمُّ بشكلٍ تتكاملُ فيه كلُّ الأدوات، بَدءًا من التشريع البرلماني والموازنات الحكومية وبلدية القدس والجمعيات التي أقيمت لهذا الغرض، وزاد على ذلك وجود رجال أعمالٍ يهود، مثل أبرزهم ميسكوفيتش، يشترون البيوت ممن لا يمكن إيجاد أيّ ثغرةٍ قانونيّةٍ تمكّنهم من هدمها وترحيل سكّانها، حيث  يدفع عبرَ جمعيةٍ مخصّصةٍ لهذا الغرض "جمعيّة العاد" ويعرضون مبالغَ كبيرةً جدًّا؛ بهدفِ إغراءِ السكّان.

وحده صمود القدس وأهلها تمكّن إلى حدٍّ ما من إبقاء السكّان، هذا الصمود الذي تجسّد في مناسباتٍ وأحداثٍ كبرى، مثل البوابات الحديديّة عامَ 2017، التي أرغم فيها ثبات المقدسيّين حكومةَ نتنياهو على إزالة البوابات، أو فرديّة كما حدث في أيار الماضي عندما حاولوا إخلاء عائلة الكرد؛ فتتحوّلت كل فلسطين إلى كتلةٍ من الغضب الذي انقلب ضدّ المحتلّ ليوقف عمليّة الإخلاء.

بعد أحداث الشيخ جراح وتحوّلها إلى معركةٍ شاملةٍ؛ تراجعت إسرائيل تحت ضغط الشعب الفلسطيني في القدس، ثمّ الضفة و غزة والداخل، تراجعت ككمون مؤقتٍ إلى أن تسمح الظروف، وليس تراجعًا نهائيًّا، فهي تسير بشكلٍ مدروسٍ وَفق مخطّطاتها الدائمة، تتحين لحظة خمولٍ فلسطيني أو انشغال عالمي لتضرب ضربةً جديدةً، وهذا ما حدث قبل أيام عندما هدمت منزل عائلة صالحية، التي حاولت الدفاع بأسنانها عن بيتها حدّ الاستشهاد، لكن تمّت مباغتتها ليلا وهم نائمون بعد أن ظلّوا يقظين لأيامٍ قبل أن تخور قواهم.

وفي مقابل الفعل الإسرائيلي المنظّم لا يبدو أنّ هناك فعلًا فلسطينيًّا موازيًّا تبدو فيه القدسُ كتلك الأولويّة المركزيّة ولا فعلًا عربيًّا، وهنا يمكن الإشارةُ لصندوق القدس الفارغ دومًا. وفي ظلّ صمت المجتمع الدوليّ الذي لا يتحرّك إلا عندما تنفجرُ الأوضاع وكأنّه يعطي الفلسطينيّين والقدس كلمةَ السر التي يتحرّك بها، وقد ثبت بالتجربة أنّ إسرائيل تتراجع فقط عندما تدرك أنّ الأرض تهتزّ حين يتعلّق الأمر بالقدس.

المخطّط الإسرائيليّ في القدس ربّما هو الأكثرُ وضوحًا، فعندما لا تعلن إسرائيلُ صراحةً عن مشروعها بفصل غزة، أو لا تعلن عن صراحة مشروعها بالسيطرة على الضفة، وتظلّ تتحدّث عن حلولٍ ما، لكنّها في القدس شديدة الوضوح، وتعلن ليل نهار أنّها لن تنقسم وأنّها ستكون بكتلةِ أغلبيّةٍ يهوديّة، بل إنّ نتنياهو ذات مرّةٍ في إحدى خطاباته في الكونغرس ردّ ساخرًا على الاتّهام بتهويد القدس حين قال: "إنّهم يقولون إنّنا نهوّد القدس كما يقولون إنّ أميركا تؤمرك نيويورك"، وقد كانت القدس لسنواتٍ طويلةٍ مادةً للمنافسة بين سياسيي إسرائيل، أيّهم أكثر حرصًا وتهويدًا أو استيطانًا وتهجيرًا وسيطرة... كلّ هذا أنتج قدرًا من النجاح لمشروعهم، فيما تبقّى الفلسطيني في القدس وحيدًا، يسطّر بصدره العاري صمودًا مدهشًا، محافظًا على مدينته بأسنانه، رغم كلّ ما يملك عدّوه من إمكانيّات، لكن هذا لا يكفيلغول يفتح فمه ابتلاعا ويقتلع بأسنان مسمومة كل شيء .