منذ أشهر عدة تتصدر الأزمة الأوكرانية عناوين الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، إلى جانب كونها القضية الرئيسة على جدول الأعمال في مجمل المحادثات السياسية بين الزعماء والسياسيين، خاصة من روسيا وأمريكا والدول الاوروبية والصين، مما يدلل على أهميتها. وقبل الدخول للكتابة في هذا الموضوع لا بد من إعطاء لمحة سريعة عن أوكرانيا، ولماذا تكتسب هذا الحجم الكبير من الأهمية في الغرب والشرق؟ ولماذا تريد روسيا من ناحية، والغرب من ناحية أخرى، أن تكون أوكرانيا تحت سيطرتها وتابعة لها؟
هذا يتطلب أولا أن نلقي لمحة تاريخية سريعة على أوكرانيا التي تعد ثاني أكبر دول أوروبا بعد روسيا من حيث المساحة، والتي تبلغ 603548 km² تقريبا، ويبلغ عدد سكانها 44.13 مليون نسمة، وتحوز على العديد من الثروات الهامة، كونها تتمتع بأراضي زراعية خصبة جدا وواسعة، ويمكن القول أن 80 % من أراضيها تعتبر صالحة للزراعة، وهي من أكبر منتجي القمح عالميا، وكانت سابقا تسمى مستودع القمح، وتجدر الإشارة هنا أن اللون الأصفر الموجود في العلم الأوكراني يدل على القمح، إضافة لذلك تتمتع بثروات طبيعية هائلة منها الغابات والفحم، والعديد من المعادن. مضافا لهذا كله لديها الموقع الجغرافي الجيواستراتيجي الهام جدا بين الشرق والغرب، حيث تفصل بينهما وتعتبر الدرع الواقي بالنسبة لروسيا وحمايتها من أي اعتداء خارجي من قبل الأطلسي، كما تعتبر في نفس الوقت درعا وحاميا للدول الأوروبية من أي اعتداء أو تهديد من روسيا، وهي طريق تصدير الغاز والنفط الروسي إلى أوروبا، وهذا ما يكسبها أهمية اقتصادية خاصة، إلى جانب كونها سوقا اقتصادية بالنسبة لروسيا. وترتبط أوكرانيا بروابط وثيقة مع روسيا منذ مئات السنين ويجمعها مع روسيا علاقات مميزة ثقافية ودينية واقتصادية ولغوية وعائلية وتبلغ نسبة السكان من أصل روسي في أوكرانيا حوالي 20%.
أوكرانيا تاريخيا كانت جزءا من الإمبراطورية الروسية القيصرية، وبعدها أصبحت جزءا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي منذ عام 1921 حتى عام 1991، حيث انفصلت وأعلنت استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه.
ومن المعروف تاريخيا أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا، وإذا خسرت روسيا أوكرانيا معنى ذلك أنها خسرت الفضاء السوفييتي السابق فلكها لكل ذلك روسيا لا توجد لها امكانية التراجع وترك أوكرانيا للغرب. أما اهمية أوكرانيا للولايات المتحدة والغرب فهي تكمن في كل النقاط السابقة، وعنوانها الرئيسي هو محاصرة روسيا واضعافها من خلال جلب أوكرانيا لتكون عضوا في خلف شمال الأطلسي بكل ما يعنيه ذلك من تضيق الخناق على روسيا ومحاصرتها وقطع الطريق أمام استعادة دورها كدول عظمى.
كيف تطورت الأحداث في أوكرانيا بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي؟
نشأ في أوكرانيا بعد الاستقلال عام 1991 جناحان أو فريقان، الأول يدعو للحفاظ على أفضل العلاقات مع روسيا، بحكم العلاقات التاريخية المشتركة والمصالح المشتركة التي تكونت عبر التاريخ الطويل بينهما. أما الثاني يدعو للابتعاد عن روسيا ويسعي لتطوير العلاقات مع الدول الأوروبية وأمريكا ويعمل من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي، وإن يكون عضواً في حلف شمال الأطلسي، ويرى أن مصلحة أوكرانيا تكمن في هذا التوجه.
احتدم الصراع واشتد الخلاف بين هذين التيارين، وازدادت حدته في ظل حكم يانكوفيتش الموالي لموسكو، خاصة بعد أن رفض الأخير توقيع اتفاق الشراكة مع الغرب وفضل العلاقة مع روسيا، مما أدى إلى رفض هذه الخطوة من قبل الفريق الآخر، حيث اندلعت المظاهرات الصاخبة في الشوارع، في المدن الكبرى، وخاصة في العاصمة كييف، وانتهت هذه المظاهرات بالإطاحة بحكم يانكوفيتش وهربه إلى موسكو التي اعتبرت ما جرى من مظاهرات، انقلابا على الشرعية وجاءت بتشجيع من الولايات المتحدة والدول الغربية، ورفضت هذه الخطوة، واعتبرتها موسكو ضربة قوية لها وهزيمة لسياستها، وأعلنت أنها لن تقبل بذلك، وسرعان ما تحركت للرد عليها عمليا، عندما تحركت القوات الروسية في عام 2014، وقامت باحتلال جزيرة القرم التي تشكل موقعا استراتيجيا هاما لروسيا لا تستطيع التخلي عنه في ظل توجهات القيادة الأوكرانية الجديدة، كما قامت روسيا بدعم استقلال جمهوريتي لوغانسك ودنتسك.
ازدادت حدة التوترات بعد قدوم الرئيس الأمريكي بايدن للسلطة، وهو من يكن عداء شديد لروسيا ويعمل بكل السبل للضغط عليها حتى لا تستعيد موقعها كدولة عظمى على الصعيد العالمي، وهنا بدأت عملية تشجيع أوكرانيا للابتعاد كليا عن روسيا والانضمام إلى حلف الناتو، هذه الخطوة التي اعتبرتها روسيا على لسان رئيسها بوتين تهديدا لها ولأمنها القومي، ولا يمكن أن تسمح بها، وأرسلت روسيا رسالة مكتوبة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي حددت فيها خطوطها الحمراء المتمثلة بما يلي: الرفض المطلق لانضمام أوكرانيا إلى عضوية الناتو، وعدم قبول نشر الصواريخ في المناطق المجاورة لروسيا ورفض توسع الحلف شرقا، كون ذلك يهدد الأمن القومي الروسي. مؤكدة في رسالتها أن الأمن يجب أن يكون للجميع ويشمل الجميع ولا يجوز لأحد أن يقيم أمنه على حساب الآخرين، وهذا ما نصت عليه معاهدة ميونخ وإسطنبول، واعتبرت أي خطوة من هذا القبيل خروجا عن هذه المعاهدات وستقاومها بكل الأشكال الدبلوماسية أولا، وإن لم تنجح فهي مستعدة لمقاومة هذه الخطوات عن طريق الحرب واستخدام القوة، وروسيا لن تسمح لأي كان أن يهدد أمنها، وهي بحاجة إلى ضمانات مكتوبة بعد أن نكثت دول الغرب بتعهداتها السابقة بعدم تمدد الناتو شرقا وضم دول جديده لعضويته. والغريب أن هذه الدول ردت بشكل سلبي على المطالب الروسية، حيث رفضتها من حيث الجوهر، وقد أدى ذلك الى زيادة مستوى التوتر وأصبحنا على أبواب حرب قد تشتعل في اي لحظة. المشكلة لدى الولايات المتحدة التي تؤجج هذا الصراع، أنها لا زالت تعتبر نفسها القطب الأوحد في العالم ولازالت تنظر إلى روسيا أنها البلد الضعيف والمفكك.
بعد استعراض هذه الصورة للتطورات الحاصلة، علينا أن نتوقف أمام موقف كل واحد من الأطراف المتصارعة، حتى يتسنى لنا فهم أكبر لما يجري:
- الموقف الروسي: روسيا لا تثق بالغرب مطلقاً وتجربتها التاريخية تقول أنها خلال ال 500 سنة السابقة، تعرضت لعدة غزوات من الغرب، من بولندا والسويد وفرنسا وألمانيا، وهي أراض شاسعة وعدد قليل من السكان لا يتناسب مع مساحتها، ولا تملك العوائق الطبيعية التي تساعدها في الدفاع عن نفسها، بحكم موقعها الجغرافي وتحاط ببعض الدول المعادية، وهي دائما ما كانت مهددة وتريد الحفاظ على أمنها، وعليه تخص دفاعها عن أمنها القومي وعن حدودها ولن تسمح بتهديد ذلك، لذلك تعمل بكل جهد للوصول إلى حل بالطرق الدبلوماسية، ولا تريد الحرب، لكنها لا تخافها ولا تخشى منها ومستعدة لخوضها دفاعا عن أمنها ومصالحها.
- الموقف الأمريكي: أمريكا لم تستوعب بعد أن العالم قد تغير وأنها لم تعد القطب الأوحد الذي يقود العالم، وهي لا تريد الاعتراف بروسيا كدولة عظمى وتريد الاستمرار في التعامل معها كما هو الحال في التسعينيات، وتهميش دورها، وعليه تدعم أوكرانيا بالمال والسلاح والخبراء، لكنها غير مستعدة لإرسال جنودها للقتال هناك.
- الموقف الأوروبي: يتبع الموقف الأمريكي وينسجم معه بشكل عام. الدول الأوروبية ودول الناتو غير موحدة في مواقفها، وهناك عدد من الفواصل والتخوم التي تفصل بينها وهذا ما نراه من فوارق بين الموقف الألماني والفرنسي والبريطاني والإيطالي مثلا. فأوروبا غير مستعدة لخوض حرب عسكرية مع الروس كونها تدرك أن هذه الحرب ستكون على أراضيها وهي من سيدفع الثمن، وعليه ستقوم بتقديم الدعم المالي وإرسال الأسلحة إلى جانب حشد بعض المرتزقة وإرسالهم للحرب هناك، بالإضافة لتشديد نظام العقوبات الاقتصادية على روسيا.
- الموقف الصيني: تؤكد الصين دعمها الكامل لروسيا في هذا الصراع، وأنه لا يمكن ضمان الأمن القومي لأحد على حساب أحد، ولا يمكن أن يتم ذلك من خلال سياسة التوسع وتهديد أمن الآخرين، حيث تقدم الصين الدعم الكبير لروسيا سياسيا من خلال الوقوف معها والدفاع عنها في المحافل الدولية واقتصاديا من خلال تقديم الدعم الكبير عبر توقيع اتفاقيات توريد الطاقة طويلة الأمد، والتي تشكل مدخلا لقطع الطريق أمام العقوبات التي تفرضها أوروبا ودول الغرب على روسيا. كما تدرك الصين أن انشغال الغرب وأمريكا في مواجهة روسيا، سيؤدي حتما إلى تخفيف الضغوط عنها، خاصة بعد مجيء إدارة بايدن التي تعتبر أن الصين عدوها الاقتصادي الأول والمنافس الحقيقي لها لزعامة العالم.
إن الصين تخوض المعركة إلى جانب روسيا وعينها على تايوان والرئيسان الصيني والروسي، يخوضان المعركة معا لما يعتبرونه حقوقا لا بد من الدفاع عنها، ومقابل وقوف الصين إلى جانب روسيا في معركتها في مواجهة الغرب والأطلسي في أوكرانيا، تقف روسيا الى جانب الصين ضد تحالف أوكوس بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وتعترف للصين بقضيتها المركزية الأولى وهي أن تايوان ليست دولة مستقلة، وإنما هي جزء لا يتجزأ من الصين. وتنظر الصين إلى أن تنازل الغرب أمام روسيا في موضوع أوكرانيا، سيعني حتما التنازل أمامها في موضوع تايوان، وهي تنظر كيف يتعامل العالم مع "اجتياح" روسيا لأوكرانيا، وتعتبر ذلك استكشافا لما سيكون عليه الموقف العالمي من اجتياح الصين لتايوان.
ولا بد هنا ونحن نتحدث عن الموقف الصيني، من التأكيد، أنه للمرة الأولى تكون الصين وروسيا في موقف واحد وحلف واحد في مواجهة الغرب، وهي سابقة لم تحصل من قبل، وطالما راهنت أمريكا على الخلاف الروسي الصيني، ومن المعروف أن هذه النقطة شكلت أحد أعمدة السياسة الخارجية للولايات المتحدة زمن كيسينجر في سبعينيات القرن الماضي.
الاحتمالات والسيناريوهات المطروحة للحل
في ظل التصعيد المستمر الحاصل بين مختلف الأطراف الذي بلغ ذروته في الأيام الأخيرة، كما جاء على لسان الزعماء الغربيين، وفي المقدمة منهم بايدن وجونسون ومسؤولي دول حلف الناتو ورفضهم لأية حلول تستجيب لطلبات روسيا، وليس هذا فقط، بل قيام البعض منهم بإرسال الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا وتشجيعها على زيادة حدة التوتر، وصب الزيت على النار ومن الملفت أن تصريحات المسؤولين الأوكرانيين كانت أقل حدة من ذلك، فما هي الاحتمالات والتوقعات؟
الاحتمال الأول: أن تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، من خلال التجاوب مع المطالب الروسية ووقف الممارسات الاستفزازية ضدها وتأمين الحماية للمواطنين الروس، ومن خلال الحفاظ على علاقات ايجابية بين روسيا وأوكرانيا، ولا شك أن هذا الحل هو الأفضل ويجنب المنطقة والعالم صراعا قد يتحول إلى حرب عالمية ثالثة.
الاحتمال الثاني: أن تقوم روسيا بدخول الأراضي الأوكرانية وتقدم الدعم والمساندة لجمهوريتي لوغانسك ودنيتسك وتعترف بهما رسميا – وهذا ما حصل- وقد تسيطر على بعض المناطق الأخرى مثل أوديسا وخاركوف، ويتم الإعلان عن تقسيم أوكرانيا إلى جمهوريتين، جمهورية في الشرق، موالية لروسيا، وجمهورية في الغرب، موالية للولايات المتحدة والناتو.
الاحتمال الثالث: أن تدخل القوات الروسية وتصل إلى العاصمة كييف وتعلن سيطرتها على الأراضي الأوكرانية وتخضعها لسلطتها المباشرة.
الاحتمال الرابع: أن تقوم روسيا من خلال المؤيدين لها في الجيش الأوكراني بإحداث انقلاب عسكري، يطيح بالسلطة الحاكمة وينصب بديلا عنها ويخرج المواطنون المؤيدون لروسيا في تظاهرات مؤيدة، وقد يدفع هذا الخيار إلى خروج الطرف الآخر بمظاهرات معاكسة، مما يفتح الباب واسعا أمام الحرب الأهلية.
لا شك ان هذه الاحتمالات المتوقع حدوثها يحمل كل منها في طياته ردود أفعال مختلفة من الأطراف المتصارعة والخطوات العملية التي ستقوم باتخاذها. وفي تقديري الشخصي أنه لا أحد يريد أن تشتعل حربا عالمية ثالثة، ولكن عندما تنطلق الرصاصة الأولى في هذه الحرب لن يستطيع أحد أن يتحكم بتطوراتها.

