Menu

فِقْهُ فِلَسْطِين فِي سَيْرِة الْحَكِيم

مروان عبد العال

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد 34 من مجلة الهدف

نستذكرُ قامةَ الكبرياء الفلسطيني في سنوية د. جورج حبش ، مقامًا وقيمةً وقامةً بحجم زمنٍ وتاريخ، وقيمةً تحاكي شعبًا وأمةً ووطنًا، انصهر بالقضية عمرًا وعشقًا وفكرًا وإرثًا. وحين نتجاوز فيها قدرتنا على كسر التوقّع أو إتّقان فنّ الاحتمالات، لنروي للأجيال القادمة صحائف من آيات الثورة، من معاقل الفعل المحمول على تيارٍ عروبيٍّ يشتعل بوعي فلسطين دون أن يشفى من جراح النكبة، تلك التراجيديا التاريخيّة التي ما زالت مستمرة! وكما رثاه بصدقٍ محمود درويش، ووصفه بتواضع الكبار الذين ينصتون إلى إيقاع الزمن المتغيّر.

 

المحاربُ والقدّيس

عادةً يكون الكلامُ من مدخل الإضاءة على سيرة الحكيم سواءً كمحاربٍ أو قديّس، سواءً إبراز دوره الوطني والقومي والأممي، أو الإحاطة بالكاريزما الشخصيّة والفكريّة والوطنيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، لكنّها وقعت في تبهيت محوريّة مساحة فلسطين وأهميتها، في تفكيره، مسألة فلسطين ومأساة فلسطين وسؤال فلسطين الذي يختصر بـ مركزية "فقه فلسطين" في سيرته ذاتها. فلسطين كعقيدةٍ ثوريّةٍ جديدةٍ معجونةٍ بطينِ الألم والأمل.. فلا يمكن التمسّك بالوسائل وتجاهل الهدف؛ وبابتسار بطاقة تعريفه الفكرية مثلما وصفها هو بنفسه "أنا ماركسيٌّ، يساريُّ الثقافة، والتراث الإسلامي جزءٌ أصيلٌ من بنيتي الفكريّة والنفسيّة، معني بالإسلام بقدر أية حركةٍ سياسيّةٍ إسلاميّةٍ كما أنّ القوميّة العربيّة مكوّنٌ أصيلٌ من مكوّناتي". وإنْ كان الكتابة عن الحكيم الظاهرة وليس الحكيم الشخص، المزيج بين المقاتل والقدّيس، بتسجيل جملة الميول والمواقف والأفكار المُدرجة والمُدمجة  والمكتسبة على مدار مسار الحياة  لتشكّل سرديّةً ثوريّةً وواقعيّةً معًا، وقيمةً تاريخيّةً غنيّة، أسهم في تأسيسها وقيادتها وتفاعلاتها وتحولاتها وصعودها وانكساراتها، وبقدر ما شكّلته وأثّرت به، وصقلته إنسانيًّا ونضاليًّا، فكريًّا وعمليًّا؛ لكن الذين يكتبون من خارج التجرِبة الحيّة يبحثون عنه من خلال الأيديولوجيا، وليس العجينة السحريّة التي شكّلته، وتماهت بين القوميّة والناصريّة الجيفاريّة والماويّة والكاسترويّة والماركسيّة وال لينين يّة والثقافة المشتركة الإسلاميّة والمسيحيّة... إلخ، دون اكتشاف البعد المشترك بين هذه المسميات مجتمعةً، ألا وهو "مركزية فلسطين"، أو كلمة السر للبعد الكفاحي والعمل المباشر الذي شكّل عنصرَ جذبٍ وتقاطعٍ بينها جميعًا من ناحية، وبين حركة مقاومةٍ مشتبكةٍ مع الحلف المعادي نفسه، من ناحيةٍ أخرى.

العبقريّةُ الثوريّةُ

من يعرف الحكيم يدرك كم تغيظه القوالبُ الجامدة، فهاجسه الدائم ينشد نحو "الاستشراف المستقبلي"، والتجديد بأفقٍ استراتيجي، يبحث عن الحلقة المركزيّة للإمساك بباقي حلقات متطلّبات المواجهة السياسيّة والشعبيّة، لقراءة الواقع ونقد التجرِبة واستيعاب المرحلة الجديدة.. يبرهن بالتحوّلات الفكريّة والصراعات التي مرّ بها وأدارها على مستويين؛ حزبيٍّ وسياسيّ، فلسطينيًّا وعربيًّا. فجعله يتباها دائمًا بأنّ الجبهةَ تمتلك استراتيجيّةً سياسيّةً وتنظيميّةً تعبّر عن فكر الثورة رافعًا مقولةَ "لا حركة ثورة دون نظريّة ثوريّة" كما أنّ عكسها صحيح " لا نظريّة ثوريّة دون حركة ثوريّة"! مع إضافة صديقه المفكّر برهان الدّجاني "لا حركة ثورية دون عبقريّة ثوريّة". بين التغيير كحركةٍ انقلابيّةٍ أو انفجارٍ ثوريّ. يستند إلى فطنته وعبقريته الثوريّة للتفريق بين الثورة وبين الالتواءات الثوريّة والانشقاقات والمزايدات والمناقصات واستشعار التنازلات عن بعد.  فركّز على أهميّة الفكر والرؤية الواضحة للأمور، وتصنيف قوى الثورة الطبقيّة والحقيقيّة والمضادة. وثيقة الاستراتيجيّة السياسيّة من أولى أدبيّات الجبهة التي قامت على دروس الحركة، ويعدّها عنوانًا صالحًا للفكر التحرّري الوطنيّ الجديد، والمستمرّة طالما مرحلة التحرّر الوطني قائمة؛ ليواكب الحلم بوحدة الوطن العربي، وبتحرير فلسطين الكاملة والمحرّرة.

حركةٌ من أجل فلسطين

أفضت عمليّةُ البحث والمراجعات المباشرة إلى أنّ "فلسطينيّة" حركة القوميّين العرب، وليس قوميّتها كان هو الثابتُ وما عداها متغيّرًا. حركةٌ قوميّةٌ من أجل فلسطين... وفلسطين شأنٌ لا يخصُّ الفلسطينيّين وحدَهم، بل إنّ تحريرَ فلسطين هو الهدف الذي لا يعلو على ما عداه، وأنّ ميزان العلاقة العربيّة مع الناصريّة على وجه التحديد أو الأنظمة الشبيهة يقاس على دورها في تحرير فلسطين! الذي قامت من أجله حركةُ القوميين العرب. والجبهةُ انطلقت من المحور ذاته الذي حكم تجربة الحركة. لم تكن القومية بالنسبة له هي أيديولوجية بقدر أنّها سمة الانتماء لأمة، رابط انتماء لها. لأنّ الإنسان في حركته تعبير عن نسق أيديولوجي أوسع من مجرّد وضعه فى علاقات إنتاج. كما يؤكّد أنطونيو غرامشي في تعريفه للأيديولوجيا، باعتبارها وحدةً بين نظرةٍ فكريّةٍ شاملةٍ للوجود وقواعد السلوك المرتبطة بها، أي إنّها تساوى الفلسفة والنظرة الكونيّة الشاملة، وتساوى السياسة. لم يكن الانشداد للأيديولوجيا بل للمرجعيّة السياسيّة.

تجلّت المرجعيّة السياسية تلك في مركزية فلسطين، مرتكزًا تدور فيها ومعها مخاضاتٌ وتكاملاتٌ وتنوّعاتٌ وتفاعلاتٌ وتحوّلاتٌ مستمرّةٌ وحيويّةٌ في تجرِبة جورج حبش الفكريّة من حركة القوميّين العرب، إلى الجبهة، فإن كانت البداية أخذت لونًا قوميًّا حتى عام ١٩٦٧، إلا أنّها اتّجهت بعدها إلى التأثّر باليسار الجديد والثوري ونقد لليسار التقليدي والرسمي، وبعدها الانجذاب بشكلٍ واضحٍ إلى التجربة الماوية والجيفارية، فالفيتناميّة ثم الكوبية، ومرحلة المدرسة السوفياتيّة التي جرى التحوّل باتجاهها، قبل سقوطها.

مع مجلّة صوت الوطن عام 1992م أجراها معه د ماهر الشريف. يقول الحكيم "تجربة السياسة لم تنبثق من هوايةٍ أو رغبةٍ في احتراف العمل السياسي أو من الترف الفكريّ لبعض المثقّفين" ويذكر في سيرته الذاتيّة كيف أنّ أساس التجرِبة السياسيّة انطلق من النكبة "وأنّ تجربتي النضاليّة انطلقت من واقعٍ أليمٍ ومرير، ربّما بدونه كنت قد اخترت طريقًا آخر مختلفًا كليًّا عن الطريق الذي اخترته... النكبة كانت تجربته السياسيّة الأولى" كما أنّ بدايات التأسيس لحركة القوميّين العرب كانت بالنسبة له كما يقول "إيماني بالقوميّة والوحدة والتقدّم واسترداد فلسطين".

إسمنت الكتلة التاريخيّة

إن فلسطين التي في قوميته مفادها أن استرداد فلسطين هي الركن الأساسي في كلّ جبهةٍ قوميّةٍ أو أمميّةٍ أو مقاومةٍ شاملةٍ. فقه فلسطين يظل إسمنت الكتلة التاريخيّة، وشرط قيامها واستراتيجيّة عملها. والقومي في فلسطينيته، أي باستحالة قيام مشروعٍ نهضويٍّ عربيٍّ خارج فقه فلسطين، ولا لمشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ تاريخيٍّ أن يقوم على تصادمٍ مع مشروع الفكرة العربيّة أو منفصلًا بالكامل عنه أو إخراج القضيّة الوطنيّة من الحياة السياسيّة العربيّة. لذلك تجلّت فلسطين في مفهوم "الوطنيّة" المرسّخة بعمقها الطبقيّ والمتصالحة مع بعدها القوميّ وأفقها الأمميّ والإنسانيّ. ليقول في مقابلةٍ غيرِ منشورةٍ أجراها في دمشق: مع عثمان تزغارت عام 2006، أنّ الشعب الفلسطينيّ هو المسؤول بالدرجة الأولى عن مهمّةِ التحرير، مستندًا إلى العمق العربيّ بشكلٍ عام. بيد أنّ هذه النقلة الفكريّة التي حدثت في حينه "لم تطل مرتكزات أساسيّة في فكرنا السياسي"، كما يقول ويضيف" أقصد المسألة المتعلّقة بخصوصيّاتنا الوطنيّة والقوميّة. وعلى الرغم من تبنّينا للفكر الماركسي في حينه، إلا أن هذا لم يدفعنا إلى ضرب تلك الفرادة التي تشمل رؤيتنا للصراع ضدّ العدوّ الصهيونيّ وأساليب مواجهة هذا العدو، والوحدة العربيّة، وترابط الوطنيّ والقوميّ، دون تغليب أحدها على الآخر".

هذا ما يفسّر أن الحكيم لم يفوّت مناسبةً كي يظهرَ عاطفةً إيجابيّةً صادقةً تجاهَ الدور الكفاحيّ الذي يؤدّيه الإسلاميّون في مقاومة الكيان الصهيونيّ أو الوجود الإمبرياليّ بشكلٍ عام. ولا ننسى الترحيب الحار الذي لقيته الثورةُ الإيرانيّةُ وقائدُها الخمينيّ منذ انتصارها على لسان الحكيم، الذي تجسّد في مساحة اللقاء فلسطينيًّا وعربيًّا وإقليميًّا، داخل الوطن المحتل وخارجه، مع التيار الإسلامي المقاوم. لذلك يطالب في أكثر من وقفةٍ سياسيّةٍ بطرح سؤالٍ منهجي: "علينا جميعًا كقوى يساريّةٍ وقوميّةٍ وإسلاميّةٍ معاديةٍ للإمبرياليّة أن نطرح السؤال التالي: ما هو الخطر المحدق؟ ومن هو العدوّ الذي يقف دون تحقيق أهدافنا العادلة في التحرّر والتقدّم والوحدة والعدالة؟

الجواب الواضح والبديهي هو "الإمبرياليّة والصهيونيّة وإسرائيل". مع الاعتراف بالخصوصيّات الوطنيّة، والتنسيق الإجباري بين كلّ الكتل لإيجاد الكتلة التاريخيّة، باعتبار أنّ المشروع الصهيوني (إسرائيل) هو أحد أهم أسباب إشكاليات الدولة العربيّة الحديثة واحتجاز تطوّرها.

التّحوّل ليس بالكتب فقط

طالما الحرب على فلسطين مدخلًا للسيطرة على المنطقة، فالواجبُ يقتضي بناءَ مشروعٍ متكملٍ وشاملٍ لحركةِ التحرّر العربيّة، لذلك كان الحكيمُ يلحُّ باستمرارٍ على ضرورةِ القيام بمراجعةٍ نقديّةٍ شاملةٍ وطرحِ سؤال لماذا لم ننتصر؟  وما سبب استبعاد المعركة الوطنيّة، وسؤال المراجعة النقديّة لتجربة حركة اليسار العربي، التي انقسمت بين تيّارٍ يعبّر عن المسألة الطبقيّة/الاجتماعيّة، وآخر عن المسألة الوطنيّة، لذلك يدعو إلى استكمال البعد الغائب لدى التيارين حين وجد الكتلة الجماهيريّة منقسمةً بين مرجعيّتين: الأولى اجتماعيّة والثانية سياسيّة. لذلك عَدَّ أنّ التّحوّلَ لا يأتي عن طريق الكتب فقط، بل ارتبطَ بالتجارِب الحيّة وقراءتها بطريقةٍ علميّةٍ سليمة. التحوّل لا يعني أن نردّد ما تقوله موسكو، عمليّة التحوّل هي استيعابٌ لنهجٍ علميٍّ في قراءة وتفسير التاريخ والأحداث والنظرة للعالم. التحوّل بالنسبة لي شخصيًّا، لم يكن الانتقال من الإطار القومي بل استيعاب ما أفرزته تجربة القوميين العرب من دروس وتجارب.

وفي مناسبةٍ أخرى ذكر حدثان مهمّان قال: إنّهما تركا أعمق الأثر في تفكير الحكيم: الأوّل: الانفصال عام 1961، وانهيار تجربة الوحدة بين مصر وسوريا. والثاني: صدمة الخامس من حزيران عام 1967، قال "بدأت تنغرس في ذهني المسألة الطبقيّة وربط النضال القوميّ بالنضال الاجتماعيّ. وطرح في ذهنه سؤالًا مؤسّسًا: هل أبقى في نضاليٍّ لاسترداد فلسطين مراهنًا على الوحدة العربيّة فقط، أم أنّه أصبح التركيز على العمل الوطنيّ مرتبطًا بالإطار القومي؟

الوحدةُ من أجل فلسطين

هكذا كان يتقدّمُ مفهومُ الوحدة الوطنيّة ويترسّخ أكثر من أجل إعلاء فلسطين، يوم أخذ عليه البعض هتافه في المجلس الوطني في الجزائر "وحدة – وحدة حتى النصر" قال الحكيم: لم أهتف للوحدة حتى الحكم الذاتي! بل الوحدة حتّى النصر، أي حتّى فلسطين! كرمى لعيون فلسطين، ثمّ يأتي بالكلّ الوطنيّ والقوميّ وحتّى الأمميّ من أجل فلسطين،  ودائمًا الوطنيّة هي المعيار، فالوحدةُ تعني استثمار القوّة والتواصل، والثقة بالذات، حيث أدّى مفهوم "الوطنيّة" مع قيام منظّمة التحرير الفلسطينيّة دورًا في الحفاظ على الشخصيّة الفلسطينيّة بعد أن حاولت الأنظمة العربيّة تذويبها ما بعد النكبة، ثم العيش على بركاتها والمتاجرة باسم فلسطين، لإقحامها في التسوية السياسيّة وسنوات أوسلو العجاف خير مثال على ذلك. فلا مجال للوحدة دون حيّز الوطنيّة، إن كانت تعني تظهير وتطوير وتعظيم الذات وحمايتها، والحفاظ على الذاكرة الجمعيّة بما تحمله من خزينٍ وطني.

فلسطينُ لم تكن مسألةً اعتباطيّةً عند الحكيم بل فقهٌ ثوري، رسّخه وعيه العميق والدقيق للمشروع الصهيوني، الذي يستهدف ليس الشعب الفلسطيني وحده بل شعوب المنطقة بأسرها، لذلك لا مناص من فلسطين محورًا وفقهًا لمحور المقاومة والفكرة والوعي والسلوك والثقافة، وهي مصدر الولاء للغاية الكبرى والأحلام الكبيرة، وأن الشعوب العربيّة المضطهدة التي تكافح في سبيل الانعتاق والتقدّم والحريّة، فإنّها تحرّر نفسها أيضًا بتحرّر فلسطين.