Menu

القضيّةُ الفلسطينيّةُ في الأممِ المتّحدةِ بين الغيابِ والتغييب

د. عبد الحميد صيام

نشر هذا المقال في العدد 34 من مجلة الهدف الإلكترونية

كانت القضيّةُ الفلسطينيّةُ من أوائل البنود التي دخلت جدول أعمال الجمعيّة العامة، ومجلس الأمن الدوليين منذ إنشاء المنظّمة الدوليّة عامَ 1945. وكانت الجمعيّةُ العامةُ الجهازَ المفضّلَ لتمرير القرارات للولايات المتّحدة وحلفائها؛ بسبب السيطرة شبه الكاملة على مقرّراتها، إذ إنّ العددَ القليل من الأعضاء كانوا في غالبيتهم من حلفاء الولايات المتّحدة. وعندما كانت تتعثّر بعضُ القضايا في مجلس الأمن أو تصطدم بالفيتو الروسي كانت ترحّل إلى الجمعيّة العامة، مثل الحرب الكوريّة. وهذا ما يفسّر اعتماد قرار التقسيم 181 (1947) وقراري حقّ العودة 194 (1948) وإنشاء وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) 302 (1949) للتعامل مع نتائج النكبة الفلسطينيّة. في تلك المرحلة اعتمدت الولاياتُ المتّحدة وحلفاؤها القرارَ 377 (1950) تحت عنوان "متّحدون من أجل السلام" الذي يعطي الجمعيّةَ العامةَ صلاحياتِ عقدِ دورةٍ استثنائيّةٍ خاصّةٍ قراراتها ملزمة في حالة فشل مجلس الأمن بالقيام بدوره في حفظ الأمن والسلم الدوليين.

في الستيناتِ، وبعد زيادة عدد الدول التي حصلت على استقلالها، وخروج قرارات الجمعيّة العامّة عن سيطرة الولايات المتّحدة وحلفائها هُمّشت الجمعيةُ العامةُ حتى يومنا هذا، ولم تعد قراراتُها ذات قيمةٍ، وتوصف بأنّها توصياتٌ غيرُ ملزمةٍ حتى، ولو اعتمدت تحت بند "متّحدون من أجل السلام".

في هذهِ المرحلة (1949-1973) غابت القضيّةُ الفلسطينيّةُ عن مداولات مجلس الأمن والجمعية العامة، واقتصر إدراجُها كقضية لاجئين فقط، عندما يُبحثُ في ميزانيّة وكالة الأونروا في اللجنة السياسيّة الخاصّة، التي أدمجت فيما بعد في اللجنة الرابعة، إحدى اللجان الستة التابعة للجمعيّة العامة.

بعد سنواتِ الغياب عادت القضيّة الفلسطينيّة بقوّةٍ بعد إنشاء منظّمة التحرير الفلسطينيّة عام 1964، وظهور العمل الفدائي الفلسطيني بقوّةٍ بعد هزيمة يونيو 1967، وقيام الطلائع الفلسطينية بعمليّاتٍ نوعيّةٍ ومواجهاتٍ قاسيةٍ وصل صداها أرجاءَ الأرض، تحملُ رسائلَ واضحةً تقول نحن هنا لا أحد يستطيع تجاهل الشعب الفلسطيني. نذكر من تلك العمليّات النوعيّة خطف طائرة العال عام 1968، وخطف ثلاث طائرات إلى الصحراء الأردنيّة عام 1970، وعملية ميونيخ في ألمانيا عام 1972، وغيرها. عادت القضيّة بقوّة إلى المنابر الدوليّة بعد اعتراف قمّة عدم الانحياز الرابع في الجزائر عام 1973، الذي أقرّ بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، الذي أقرّ في القمّة العربيّة السادسة بالرباط عام 1974.

بعد هذا التاريخ مرّت القضيّةُ الفلسطينيّةُ في الأمم المتّحدة في مراحل ثلاث: الحضور الفاعل، ومرحلة ردّ الفعل، ثم مرحلة التغييب المتعمّد. وسنقدّمُ بعض التفاصيل:

المرحلةُ الأولى – الحضور الفاعل- 1974-1980

يجب أن نقرّ أن مجلس الأمن قد اعتمد مجموعةً من القرارات بين عامي 1967 و1971 تتعلّق أساسًا بمدينة القدس بجهودٍ إسلاميّةٍ وعربيّة، لما لها من مكانةٍ خاصةٍ فقد أصدر مجموعةً من القرارات تطالب إسرائيل بعدم تنظيم استعراضٍ عسكريٍّ في المدينة عام 1968، في الذكرى الأولى لحرب يونيو (القرارات 250 و 252)، والقرار 267 (1969) الذي شجب فشل إسرائيل في إبداء أي اعتبارٍ لقرارات الجمعيّة العامة ومجلس الأمن المتعلّقة بالقدس.  وعلى إثر قيام متطرّفٍ أستراليٍّ يوم 21 أغسطس 1969، بإشعال حريقٍ متعمّدٍ في المصلّى الجنوبيّ بالمسجد الأقصى أتى على منبر صلاح الدين، اعتمد مجلس الأمن القرار 271 (1969) الذي يؤكّد بشدّةٍ على حماية الحرم الشريف ووقف الأنشطة كافةً التي تعملُ على تغيير معالم المدينة. أمّا القرار 298 (1971) فقد كان حادًّا أكثرَ في انتقادِهِ للممارسات الإسرائيليّة حيث أكّد "أنّ الإجراءاتِ الإداريّةَ والتشريعيّةَ كافةً التي قامت بها إسرائيل في المدينة، مثل التحويلات العقارية، ومصادرة الأراضي باطلة وغير شرعيّة.

بعد حرب 6 أكتوبر 1973، المجيدة تبلورت حالةٌ نادرةٌ من التضامن العربي عبّرت عن نفسها بشكلٍ قويٍّ في "المجموعة العربيّة" في الأمم المتّحدة وبدأت تعتمدُ القرارات داخلَ الجمعيّة العامة، ومجلس الأمن بفاعليةٍ كبيرة. لعلَّ أهمَّ القرارات التي اعتمدتها الجمعيّةُ العامةُ تحت رئاسةِ وزيرِ خارجيّةِ الجزائر، عبد العزيز بوتفليقة، القرار 3236 (1974) الذي فصل حقوق الشعب الفلسطينيّ غيرَ القابلةِ للتصرّف، التي تشملُ حقَّهُ في تقرير المصير والاستقلال الوطنيّ والسيادة وحقّ العودة للاجئين إلى ديارهم وأراضيهم وحقّه في اختيار قياداته التي تمثّله وحقّه في مقاومة الاحتلال بالطرق المناسبة، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتّحدة. وخاطب ياسر عرفات رئيسًا لدولة القاعةَ المكتظةَ بممثلي دول العالم شارحًا معاناة الشعب الفلسطيني، الذي انتفض من الرماد وعاد إلى واجهة العالم يحمل بندقيةَ الثائر في يد، وفي اليد الأخرى غصنُ زيتونٍ لسلمٍ عادلٍ وشاملٍ ودائم. ثبت عندئذٍ بندُ فلسطين على جدول أعمال الجمعيّة العامة بعد غيابٍ دام نحو 24 سنة.

في عام 1975، اعتمدت الجمعيةُ العامةُ القرارَ الأهم 3379، الذي عدَّ الصهيونيّةَ "شكلًا من أشكال العنصريّة والتمييز العنصريّ"، الذي أصاب العقيدةَ الصهيونيّةَ في مقتل، وقرّرت أن تضع كلّ إمكانياتها لإلغائه ونجحت في ذلك عام 1991.

في هذه المرحلة اعتمد مجلسُ الأمن قراراتٍ مهمّةً حولَ لا شرعيّة الاستيطان 452 و 466 (1979) وقرارين تاريخيين حولَ القدس 476 و 478 ( 1980) وقرار 465 (1980) الذي أدان طرد رؤساء بلديات الخليل وحلحلول وقاضي الخليل الشرعي، كما أصدر القرار 471 (1980) الذي يدين محاولةَ اغتيال رؤساء بلديات نابلس ورام الله والبيرة.

 

في هذه المرحلة أدخلت اللغة العربية لغةً رسميّةً في الأمم المتّحدة، وأنشأت الجمعيّة العامة اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرّف، ومنحت منظّمة التحرير الفلسطينيّة مركز المراقب في الجمعية العامة وفي مؤتمرات الأمم المتّحدة، كما أنشئ قسم في إدارة الشؤون السياسيّة معنيٌّ بحقوق الشعب الفلسطينيّ وقسم خاص في إدارة الإعلام للتثقيف حولَ القضيّة الفلسطينيّة.

مرحلةُ ردّ الفعل - 1981-2003

تفرّق العربُ أشتاتًا بعد اتفاقيّة كامب ديفيد عام 1979، والحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980-1988) وغزو العراق للكويت (1990) وانقسام العرب حولَ الانضمام أو عدم الانضمام لعاصفة الصحراء وتحرير الكويت ، ثمَّ جاءَ مؤتمرُ مدريد للسلام (1991) وتوقيع اتفاقيّة أوسلو (1993) واتفاقيّة وادي عربة (1994). تفسّخت المجموعةُ العربيّةُ وذهبت ريحُها ولم يعد لها شأن في الأمم المتّحدة. وفي هذه المرحلة اعتمدت قرارات ردّ الفعل فحسب. فصدرت قرارات من مجلس الأمن حولَ غزو إسرائيل للبنان ومطابتها بالانسحاب كما نصّ القرار 518 (1982) وشجب مذبحة صبرا وشاتيلا في القرار 521 (1982) والقرار 572 (1985) الذي شجب الاعتداء على مكتب منظّمة التحرير في تونس والقرار 605 (1987) الذي شجب استخدام القوة المفرطة ضدّ المدنيين في الانتفاضة الأولى، والقرار 607 (1988) الذي شجب طرد 400 من قيادات ونشطاء الشعب الفلسطيني ورميهم في جنوب لبنان، والقرار 611 (1988) الذي شجب انتهاك سيادة تونس عندما اغتالت إسرائيل القائد الفلسطيني خليل الوزير والقرار 672 (1990) الذي أدان قتل المدنيين الفلسطينيين في الحرم الشريف في القدس. والقرار 904 (1994) الذي أدان مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل.

وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 اعتمد مجلس الأمن قرارين يتعلقان برؤية الرئيس بوش لقيام دولة فلسطينية، وإنشاء اللجنة الرباعية واعتماد خارطة طريق لحل الدولتين: القرار 1397 (2002) الذي تحدّث عن رؤيةِ حلّ الدولتين في ديباجة القرار ثم القرار 1515 (2003) الذي ذكر لأول مرّةٍ حل الدولتين في الفقرات العاملة للقرار.  وكان الهدف من اعتماد هذين القرارين تأمين تأييدٍ عربيٍّ لغزو العراق عام 2003.

مرحلةُ التغييبِ المتعمّد - 2003 - الحاضر

بعد انتهاء الحرب الباردة، وتفكّك الكتلة الشرقيّة واستفراد الولايات المتّحدة بمركز الدولة الأقوى والوحيدة في العالم، وحروبها ضدّ الإرهاب بداية من أفغانستان (2001) ثم احتلال العراق (2003) لم يعد للعرب أيُّ وزنٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ ولم يعد أحدٌ يهتمُّ بمواقفهم حيث لم يكن هناك أصلًا موقفٌ موحّد. حتى من حروب إسرائيل على غزة. اعتمد مجلس الأمن في هذه المرحلة قرارين فقط يتعلقان بالقضية الفلسطينية: القرار 1860 بتاريخ 9 يناير 2009 لوقف المواجهات في غزة أثناء عملية "الرصاص المصبوب" التي استمرت نحو 21 يومًا وخلّفت وراءها آلاف الضحايا والدمار الذي لا يوصف. والقرار الثاني 2334 الذي اعتمد بتاريخ 23 ديسمبر 2016، بغالبية 14 صوتًا إيجابيًّا وتصويت الولايات المتحدة آنذاك بـ "امتناع" ما أدّى إلى اعتماد القرار الذي نصّ على أنّ المستوطنات الإسرائيليّة تشكّل "انتهاكًا صارخًا للقانون الدوليّ، ويجب أن تتوقّف تمامًا". وقد وضعت المملكةُ العربيّةُ السعوديّةُ عام 2011، مشروع قرار أمام مجلس الأمن لمناقشة موضوع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة إلا أنّ إدارة الرئيس باراك أوباما استخدمت يوم 18 فبراير الفيتو ضدّ مشروع القرار.

في هذه المرحلة تمّ تغييبُ القضيّة الفلسطينيّة في مجلس الأمن، وبقيت الجمعيّةُ العامةُ تأخذ قراراتٍ سنويّةً تتعلّق ببعض جوانب القضيّة، مثل تمويل الأونروا وحقّ الفلسطينيّين في مصادرهم الطبيعيّة وحقّهم في تقرير المصير، واعتبار القدس الشرقيّة أرضًا محتلّة، لكنّها تظلُّ توصيّات. ومن بين تلك القرارات 19/67 (2012) الذي أقرّ الاعتراف بفلسطين دولةَ "مراقب عام.

ومع كلّ هذهِ القرارات استمرّت إسرائيل في ممارساتها دون رادعٍ تتصرّف كدولةٍ مارقةٍ فوقَ القانون الدوليّ لا تعطي أيَّ وزنٍ للتقارير الشهريّة الذي يقدّمها منسقُ عمليّة السلام حولَ توسّع الأنشطة الاستيطانيّة، وهدم البيوت ومصادرة الأراضي، واستخدام القوّة المفرطة. لم يصدر المجلس أيّ بيانٍ رئاسيّ أو صحفيّ يتعلّق بالحروب على غزة لا في حرب مايو 2021، ولا مسيرات العودة 2018، ولا حرب 2014، ولا حرب 2012.

 المصيبةُ أنّ هناك بعض القيادات الفلسطينيّة ما زالت تراهن على الأمم المتّحدة والمجتمع الدولي بدل المراهنة على شعبها العظيم المعطاء والشعوب العربيّة الحرّة وأنصار الحريّة والعدالة في العالم.