لا بد على أيامنا هذه وبمناسبة ما يقع في أوكرانيا من فهم متطلبات المسألة الوطنية ووضعها في الصدارة أمام تغول الأوليغارشيا المالية وشركاتها متعددة الجنسيات، وحكوماتها بأمريكا وبأوروبا، وذراعها العسكري المتمثل في الحلف الأطلسي المدجج بأسلحة الدمار الشامل النووي، وذلك كي نفهم على الوجه الأصحّ ما يقع أمام أنظارنا بصورة متسارعة في العالم.
لقد حاولت القوى المشار إليها بعد مساهمتها في إسقاط الاتحاد السوفييتي بمعية ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي؛ إقامة عالم القطب الواحد، وعمدت تحت مسمى عودة الليبرالية بعد انتكاسها، فمن هنا الليبرالية الجديدة، وبواسطة سهرها على جملة من "الثورات الملونة" هنا وهناك، إلى فتح الباب على مصراعيه نحو عولمة متوحشة، فكانت البشرية كلها شاهدة وبكل عجز على ما قامت به هذه القوى من تدمير إجرامي للعراق، ولسوريا، وليبيا، ولليمن، وتقتيل للإنسان في هذه الربوع بالملايين، وهدم للمدن والحواضر التي كانت زاهرة بغاية التمكن من نهب الخيرات على مشيئتها وتحقيق هيمنة بيدقها الصهيوني على جل أقطار الوطن العربي؛ كون هذا الوطن يقع في منطقة قرروا أنه لا بد من استهدافها، لأنها غنية بمصادر الطاقة وتوجد بها أهم ممرات التجارة العالمية؛ فمن هنا كان فرض التطبيع المتسارع مع هذا البيدق بدعوى الجذر الإبراهيمي المشترك، فذلك الفرض هو ما وقع على الإمارات، والمغرب الأقصى، والبحرين و السودان بُعيّد انتفاضة شعبها (!)، وكل هذا بعد أن سبقهم من الدول العربية التي وقع إخضاعها إلى ذلك التطبيع من قبل، ونقصد مصر، والأردن، وسلطة أوسلو بالضفة الغربية لفلسطين. ثم إن هذه الاحتكارات لم تكتفِ بذلك، حيث شاهدتها الإنسانية أيضًا - بغاية تحقيق النهب لغاز بحر القزوين- وهي تتموقع للغرض في أفغانستان، أي في خاصرة منافسها، بل عدوها الصيني الكبير، في نفس الوقت الذي سعت فيه جادّة إلى إحكام قبضتها على روسيا الاتحادية؛ من خلال إدراج كل أجوارها في حلف "الناتو" ومنها أوكرانيا، التي تقع فيها الأحداث على أيامنا، لأنهم يتفاوضون معها بغاية إدخالها إلى هذا الحلف رغم الرفض الروسي، وذلك بغاية خنق روسيا وإذلالها، ومواصلة الاستفراد بالقرار العالمي وإخضاع كل الأمم والشعوب للاستبداد العولميّ.
وهكذا، فإن نهضة الأمم والدول باسم الوطنية؛ دفاعًا عن مقدراتها وقيمها الثقافية وتاريخ وجودها، في وجه هذا الاستبداد والطغيان العولميّ هو عمل لا يخلو من المشروعية، ولذلك يجب التعامل بشيء من التفهم مع كل درجة من درجات المقاومات التي تنهض في وجه هذه القوى العاتية والظالمة أكان ذلك في الصين، أو في روسيا الاتحادية، أو في إيران، أو في كوريا الشمالية، أو في فنزويلا، أو في كوبا، أو في سوريا، أو في اليمن، أو في العراق، أو في المالي، أوفي بوركينا فاسو، أو في فلسطين... أو في غيرها من المواقع في الأرض. لا يعني هذا التفهم أن هذا التصدي هو بصدد الوقوع الآن بدون بعض الأخطاء... ولكنه يعني فقط أنه رئيسيًا يعتبر عملًا في الاتجاه التاريخي الصحيح... وإذ يبقى من الواجب الوعي بالأخطاء ما وجدت والتنبه والتنبيه إليها، وحتى التنديد بها عند اللزوم، فإنه يجب الوعي بأن هذه مهمة تقع لدى الصادقين في نطاق التناقض الثانوي.
فما يجب أن يكون واضحًا اليوم هو أن وقف الاستبداد العولميّ الماحق هو عمل من شأنه أن يعطي متنفسًا نسبيًا للشعوب المضطهدة وللدول الضعيفة، هذه التي يتمّ إخضاعها واستعبادها سواء بالطرق العنيفة، أي بالحروب الظالمة، أو بالطرق الناعمة، أي بالقروض مجحفة الشروط وشراء ضمائر بعض النخب... أمام أعين الجميع.
إن عدم فهم هذه الأمور فهمًا صحيحًا هو الذي يدفع بأصحابه إلى السقوط في شباك الشكلانية الحقوقية التي تنسجها الأوليغارشيا المالية العالمية، فيجدون أنفسهم في كل مرة أكان الأمر محليًا أو إقليميًا أو دوليًا؛ يقفون موضوعيًا في صف الإمبريالية العولمية كثيرة التوحش وفي صف بيادقها الإقليميين والمحليين.
إن اللحظة لحظة فرز تاريخي، وهو فرز لا بد منه، حتى ينتهي الخلط، وينتهي معه الانخداع بالشعارات البراقة التي لا يحترمها من وضعوها، بل إنهم أول من يخرقونها ويدوسونها، وأول من يجرمون بواسطتها في حق البشرية جمعاء...
ألم يحطموا العراق -كمثال فقط - باسم الدفاع عن الحرية، وتوقيًا من شر امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، ثم اعترفوا أنهم كانوا من الكاذبين في شأن هذه الأسلحة، هكذا وبكل بساطة! أما عن حريتهم الموعودة فكانت التقتيل لمئات الآلاف باليورانيوم المنضد، والتعذيب الفظيع في سجن أبو غريب؟
إن التعامل الصحيح مع الأمور، يجب أن يكون على أساس المسألة الوطنية في ارتباطها دائمًا بالمسألة الديمقراطية وما تقتضيه من فهم لموجباتها الحقيقية لا الزائفة، وبالمسألة الاجتماعية وما توجبه من تحقيق للعدالة... ولكن التوحش العولميّ الفظيع يُوجب وضع المسألة الوطنية في الصدارة إنهاءً للعالم ذي القطب الواحد ونشدانًا ولو لدرجة نسبية من التوازن الضروري في السياسات الكونية.. وبعد ذلك لكل حادث حديث.

