Menu

المقاطعة.. والدبلوماسية الشعبية!

هاني حبيب

أعاد ثاني أكبر متجر ألماني منتجات المستوطنات إلى أرففه مع اعتذار لـ

قبل ثلاثة أشهر، أصدرت الجامعة العربية تقريراً حول نجاح حملة المقاطعة ضد إسرائيل، واستعرض المشاركون في المؤتمر الـ89 لضباط اتصال المكاتب الاقليمية لمقاطعة اسرائيل أهم الانجازات التي حققتها جهود المقاطعة على الصعيد الدولي في المجالات الاقتصادية والثقافية تحديداً، ولوحظ من هذا التقرير مدى النجاح المتواصل لجهود المقاطعة، غير أن التقرير تجاهل جانبين أساسيين، الأول هو أن المقاطعة هي مقاطعة دولية، كانت وماتزال تفرض على الجانب العربي الشعور بالخزي والعار، كون بعض الدول العربية ما تزال تتخذ إجراءات حثيثة للتواصل والتطبيع مع إسرائيل، مثل السعودية و قطر ، بينما العالم كله مستمر بحصار إسرائيل ويعلن مقاطعتها، والأمر الثاني الذي تجاهله "ضباط المقاطعة" أن هذه الانجازات وهي عديدة، لم تكن بفضل مكتب المقاطعة العربية، بل بجهود "الدبلوماسية الشعبية" الفلسطينية والدولية، وكل ما فعله ضباط المقاطعة، هو رصد انجازات أنجزها آخرون وصياغاتها في تقرير تقدموا به إلى الجامعة العربية باعتباره انجازات لجهودهم، أي أن مكتب المقاطعة، مجرد لص لم يقم بالسرقة بالخفاء، بل على رؤوس الأشهاد، ومن خلال مؤتمر علني!!

والمسألة لا تتعلق فقط بعجز مكتب المقاطعة الرسمي، بل إن الأمر امتد إلى الجمهور العربي ذاته، الذي بات أقل اهتماماً بمسألة مقاطعة إسرائيل، وبينما تنشط معظم المستويات الشعبية الثقافية والتجارية، في معظم أنحاء العالم، لاتخاذ خطوات جدية لفضح السياسات الإسرائيلية وضع الخطط والحملات لحصار الدولة العبرية، اقتصاديا وثقافياً، لا نجد أي تحرك شعبي عربي، لا لدعم خطوات وحملات الأصدقاء، ولا للتصدي لبعض الحكومات العربية التي تواصل التطبيع مع الدولة العبرية.

ومع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، تصاعدت موجة المقاطعة الاقتصادية والثقافية للدولة العبرية على أكثر من صعيد، خاصة القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي "بوسم" منتجات المستوطنات الإسرائيلية، أي وضع علامات خاصة عليها، تشير إلى أنها بضائع مستوردة من مناطق تم احتلالها وإن المحتل هو الذي يقوم على استثمار موارد المناطق المحتلة لصالحه، ومع أن قرار وسم المنتجات الاستيطانية، يعتبر انجازاً له أهمية، إلاّ أن الأهم كان اتخاذ قرار بمنع وصول هذه المنتجات بالأصل إلى أسواق أوروبا، غير أن عملية لصق الملصقات، من الممكن أن تشكل عنصراً إعلامياً دعوياً، ذلك أن تمييز منتجات المستوطنات في الأسواق الغربية، سيثير العديد من التساؤلات، مع أن ذلك سيضع المستهلك أمام خيارين يتعلقان بأخلاقياته وموقفه.

إلاّ أن جهود "الدبلوماسية الشعبية" قد لا تكفي بعض الأحيان لإحراز انجاز على صعيد المقاطعة، ومثال ما حدث مع ثاني أكبر مركز للتسوق في أوروبا، والذي يتخذ من العاصمة الألمانية برلين مقراً له، إشارة إلى قدرة الدبلوماسية الإسرائيلية على الابتزاز، فقد أقدم متجر "كادوي" على إزالة منتجات المستوطنات الموسومة بالملصقات عن أرففه، بعدما توقف بيع هذه المنتجات، إلاّ أنه أعادها مرة ثانية مع اعتذار لإسرائيل عن اقترافه هذه الخطيئة، وذلك بعد تدخل إسرائيلي مع الحكومة الألمانية، ورغم أن هذا المتجر يتبع القطاع الرأسمالي الخاص، إلاّ أن سلسلة من الجهود الابتزازية الإسرائيلية، نجحت في اضطراره للعودة عن قراره بل وتقديم اعتذار للدولة العبرية!!

مع ذلك، فإن النجاحات المتلاحقة لجهود المقاطعة في سياق الدبلوماسية الشعبية يجب أن تشجع كافة المستويات إلى اعتبار أن هذا الشكل من المقاومة، جدير بالاهتمام بما يعزز سبل المواجهة في إطار صراعنا مع عدو يمتلك ميزان القوة العسكرية المائل تماماً لصالحه، وقدراته على التأثير على المستويات السياسية على الصعيد الدولي، الأمر الذي يجعل من الساحة الشعبية على صعيد الرأي العام، وعلى ضوء ما يرتكبه هذا العدو من جرائم دموية، مجالاً رحباً في تقوم الدبلوماسية الشعبية بواجبها وتحقق انجازات تعجز عنها وسائل المقاومة الأخرى في كثير من الأحيان!