لست ماركسياً ولا ليبرالياً بالمعنى العقائدي، لكنني متأثر بالفعل من قيم العدالة لأستطيع قراءة المشهد دون مؤثرات العواطف والشعارات إما مع وإما ضد.
صحيح أن روسيا اليوم ليست تلك الدولة التي سعت إلى المساواة بين البشر وحاولت إرساء قيم التحرر والعدالة الاجتماعية، التي قارعت الغرب على مدار قرن كامل، وحدت من توغله وشكّلت تراث إنساني ثقافي متحدي لسيطرته. وصحيح أيضا أن روسيا اليوم هي بالفعل جزء من نفس منظومة ر أس المال، لكن تتعرض للتنمر من أبناء نفس المعسكر الفكري الذي يحاول قرض حصتها والانتقاص من حيزها.
روسيا بوتين جزء من تزاحم الإمبرياليات التي تؤمن أن لا تحالفات مقدسة، لكن هذا لا يعني أن يكون موقفنا هو "اللاموقف"، فمع اندلاع كل حرب أو أزمة أو صراع دولي تتبلور لدينا مباشرة المواقف والخلافات وردود الفعل، ليختار كل منا معسكره الذي يدعمه، وطبعا هناك الفئة التي تعيب اتخاذ أي موقف وتنادي بالنأي بالنفس وتحلل بسطحية وتسطيح وتحاول تسويق ألا ناقة لنا ولا جمل في الصراع بين الجبابرة، منفصمين ومنفصلين عن الواقع والوقائع التي تؤكد لنا أن ما سيفرزه أي صدام مع قوى الإمبريالية العالمية وأذنابها حتما سيكون له ارتداداته علينا، وإن لم يكن ذا تأثير مباشر، فحتما سيؤثر في موازين القوى وفي كسر هيمنة وسطوة عصابة من الزعران، تتعامل مع الشعوب والدول كأحجار شطرنج، فتنهب وتسرق هنا وتقتل وتدمر هناك. وأوكرانيا بنظامها الحالي تحولت لوكر أمريكي صهيوني، متماهي بشكل كلي مع سياسات الغرب وأجنداته، وأيضا لا يمكننا القفز عن هذا حين نبلور مواقفنا. ونذكّر هنا أصحاب اللاموقف أن البذرة المسماة إسرائيل كانت زرع لذات الإمبريالية ونتيجة لترتيب الأوراق فيما بينها، وبالتالي لا يمكن فصل واقعنا عما يحدث من مناوشات في المشهد الدولي. وفي القضية الأوكرانية لنا موقف لا تأتأة ولا لبس فيه، مختصره أن على أمريكا والغرب الاستعماري ككل أن يعوا بأن زمن زعرناتهم وأسلوب المافيا الذي يديرون به العالم قد بدأ يتصدع وهناك من يستطيع الوقوف لقول كفى، أي يحتاج الأزعر لأزعر مثله لصده وكبح اندفاعته.
وإذا ما عدنا لمنطقتنا لا نرى سوى النار التي أشعلها الغرب الاستعماري، وعلى رأسه أمريكا، فداسوا على جثثنا وجغرافيتنا وحضارتنا بكل توحش، في سبيل إرساء مصالحهم وتهذيب من يقف ضدهم وفي وجه مشاريعهم. ولا يمكن للحرب على سورية إلا أن تفرض نفسها في هذا السياق، فدمشق بصمودها كانت البوابة الأهم التي مكنت روسيا من العودة إلى المسرح الدولي، بثقة ومع أوراق رابحة كان ثمنها تضحيات الشعب السوري وصمود سورية في حربها.
نحن نعي جيدا أن روسيا لا تنتمي لمعسكر المقاومة ولا تحمل أجنداته، لكن لدينا مكاسب ومصالح مشتركة معها نواتها كسر الهيمنة الأمريكية والتفرد بالقرارات وفرضها بالدم والنار على دول العالم. إن المعادلة التي جمعت بين روسيا وسورية ومعسكرها كانت وببساطة في وجه مشروع أمريكي يبغى الهيمنة المطلقة واخضاع المنطقة بالكامل، دون بؤر مقاومة تزعج امريكا وذيولها من عربان وصهاينة.
وبطبيعة الحال ولأننا نقرأ المشهد بعيدا عن العواطف، ندرك أن ثمة تفاهمات تضبط علاقة روسيا بالكيان تجاه الملف السوري، لكننا نقرأ المشهد بعيدا عما تحاول أبواق إعلامية، تتبع أجندات مشبوهة، تسويقه بأن الروس "يحتلون" سورية ويسمحون للكيان بالعدوان عليها. فالمتتبع لسيرورة الأحداث منذ بدأت الحرب، يدرك أن سورية ومعسكرها ازدادوا خبرة وتسليحا وهو ما يؤسس لرد استراتيجي، بل إن هذه المقدرات وإدراك الكيان لحيازة المعسكر لها، يمنعه من الجنوح نحو الحرب التي يحسب لها ألف حساب، فيحاول ترميم هيبته عبر سلسلة اعتداءات لا وزن لها في المحصلة، وهذا لا يلغي حالة الحنق الشعبي في سورية وغيرها، لأن الناس ما عادت تتقبل أن يُعتدى عليها بهذه الطريقة وأن تستبيح إسرائيل جوها، دون أي رادع، فيما يرى المعسكر أنه يمتلك مفاعيل رد استراتيجي سيعطي أجوبته يوما ما.
وأما بالنسبة لاحتلال فلسطين، فمخطئ كل من يتنطح مع اندلاع أي أزمة عالمية، ليقول لنا: ألا شان لنا وألا علاقة لنا وأننا لسنا مجبرين على اتخاذ أي موقف، لأننا نعي أن أي تصدع في سطوة الوحش الإمبريالي المتمثل برأسه أمريكا، يعني بالضرورة خسارتها للمزيد من النفوذ والسيطرة المطلقة في ترتيب أوراق العالم، وبالتالي ستتأثر ربيبتها وسينحسر الدعم المطلق وستسقط مشاريع تصفوية أمام التغيرات التي تشهدها الساحة الدولية، فولى زمن ذلك الأزعر الذي يبطش وينهب ويسرق، دون رادع. من هنا نرى أن نتاج هذا الصدام بين القوى العظمى، سينعكس حتما على الصراع في منطقتنا، دون أن نهمل بأن أصحاب القضية وحدهم، يملكون القدرة على فرض إرادتهم وإن طال الزمن، وكأصحاب قضية يمكننا استثمار هذا التغيير في خارطة مراكز القوة والقرار وتوظيفه في سياق نضالنا وصمودنا كشعب.
أما أمريكا فهي من المؤكد لن تنتحر ولن تعرّض نفسها للخطر، لا من أجل أوكرانيا ولا حتى من أجل إسرائيل، حتى بعد نهاية حقبة الشرق والغرب وسقوط آخر معاقل الاشتراكية، توغلت أمريكا بشكل جنوني بكل هذا الحيز فسيطرت وقررت وحرمت وأعطت وأخذت، دون حسيب أو رقيب.
لقد سئمنا ذلك وسئم فقراء العالم هذا، ويتطلع قسم كبير من هؤلاء لروسيا بوتين كلاجم لهذا الانفلات، لكن أعود وأشير أن في هذه الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا لا وجود لمصداقية أخلاقية أو شرعية لحالة الاشتباك، لكن لا يعقل أن تصبح دولة تعتبر آخر محطة قبل الوصول إلى دولة الكرملين قاعدة عسكرية لأمريكا التي سيقف جنودها وقواعدها إن سمح لهم بذلك في حاكورة الروس.
صحيح أن هناك مغالطة في خطاب بوتين حول جذور الدولة الأوكرانية ونفيه وجودها بأنها استحداث طارئ، فعلى الدوام كانت أوكرانيا وعاشت عصرها الذهبي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين وتشكلت هويتها الجماعية من مزيج الهويات القومية السلافية كالروس والافرنج والاسكندنافية، وأصبحت جزءا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي وانفصلت بمجرد سقوطه، ولتعتقد أمريكا أن تركة الاتحاد السوفييتي هي الأولى بها.

