بعدَ أن انقشعَ غبارُ همروجة انعقاد المجلس المركزيّ الفلسطينيّ المعيّن والمركّب، وخرج البيانُ الختاميُّ المطوّل عن أعمالِهِ وقراراتِهِ التي لم تفاجئ أحدًا؛ موالين أو معارضين متشائمين أو متفائلين في ديباجتِهِ أو صياغته وقرراته، فلا جديدَ يمكنُ أن يشدّ المواطنَ الفلسطينيّ، حيث تعوّد الشعبُ الفلسطينيُّ على قراراتٍ ملتبسةٍ وصياغاتٍ إنشائيّةٍ لا ترقى إلى الحزم السياسيّ في سياق الصراع الوجوديّ مع الكيان الصهيونيّ. ولم يكن متوقّعًا أكثرَ من هذه القرارات المكرّرة، فأوسلو هو الإطارُ السياسيُّ الذي جمع هذا الحشد من المجلس المركزيّ، وهو سيّدُ الموقف كأرضيّة النقاش أو الحوار، كونه تحوّل إلى واقعٍ معاش. وعليه فالمحصّلةُ لا جديدَ حتّى وإن طبّلوا كثيرًا أو نظّروا لما يمكن أن يسمّوْهُ إنجازًا تاريخيًّا. فلا من المخرجات يمكن التعويل عليها، ولا آليّات فاعلة لترجمة القرارات الملتبسة، فالبيانُ الختاميّ الانشائيّ لم يلمس طبيعة الصراع الوجودي مع الكيان وطرائق مواجهته.
أسئلةٌ تحت الشبهات:
بيدَ أن الأسئلةَ لا تتوقّف عند فحوى البيان، إنّما تتعدّدُ قبلَ وبعدَ البيان: لماذا لم ينعقد المجلسُ المركزيُّ طيلةَ ثلاثِ سنواتٍ مضت. ولماذا الآن؟! وما هي وظيفتُهُ الآن؟! هل سأل أحدُ أعضاء المجلس المركزيّ العتيد لماذا هذا الانقطاع؟ أم أن القيادة المتنفذّة بدأت تشعر أن شرعيّتها بدأت تتآكل يومًا وراءَ يوم، شعبيًّا وسياسيًّا وكفاحيًّا ومؤسّساتيًّا، ولا بدّ من إضفاء بعض الشرعيّة على ذاتها أمام الخارج قبل الداخل؟! أم هي محاولةُ ملءِ الفراغ في اللجنة التنفيذيّة لتسهل العبور لخلافة أبو مازن دون تصدّعاتٍ فتحاويّةٍ أو نزاعاتٍ قد لا تبقي ولا تذر...؟!
وعليه، فإنّ الأساس السياسيّ لم يكن هو الحافزُ لعقد جلسة المجلس المركزي ولا هو العنوانُ الأهمُّ على جدول أعماله، لا سيّما وأنّه لا يوجد جديدٌ على هذا الصعيد يمكن قولُهُ سياسيًّا أو على العلاقة مع الاحتلال، سوى تَكرارِ المكرّرِ الذي دأب "الرئيس" على ترداده في خطاباته في الأمم المتّحدة أو اجتماعات المجلس المركزيّ السابقة، ممّا يجعلُ العنوان السياسيّ ثقيلًا ومملًّا، ويحتاج إلى صياغته بطريقةٍ ترضي الرأي العام الفلسطينيّ بعباراتٍ، مثال "إنّنا سننظرُ في خياراتنا كلّها...!!" أو "لم يعد ممكنًا السكوتُ على الوضع القائم" أو "علينا اتّخاذ قراراتٍ مصيريّة.. كي نحافظَ على وجودنا.." إلخ.. من الإنشاء السياسيّ الذي لا يقدّم حلولًا أو رؤى لمجابهة الصعب مع الكيان.
هل وقف المجلسُ المركزيّ أمامَ مراجعةٍ تاريخيّةٍ للمسار الأوسلوي، واستخلص النتائج والدروس والعبر، واستفاق من غفوته أو إدمانه على ابتلاع الوهم؟ وعليه، فإنّ المجلس لم يكن معنيًّا باشتقاق سياسةٍ جديدةٍ ومغايرهٍ للمسار السياسيّ الأوسلوي الذي أثبت فشله، ولم يكن معنيًّا بوضع رؤيةٍ جادةٍ لمواجهة التحدّي الصهيونيّ واعتداءاته واستيطانه وإرهابه، وحين يعجز المجلسُ ويغيبُ الرد على هذا التحدّي، فهل المجلس المركزيّ بحالته الراهنة مؤهّلٌ أن يقود الشعب الفلسطينيّ؟ وهل أعضاء المجلس المركزيّ اليوم هم النخبةُ الكفؤة في الشعب الفلسطيني؟
إنّ هذا الشعب الذي لا تنقصه الفطنة والذكاء والإبداع ولديه المفكّرون والخبراء في كلّ الميادين والأكاديميّين والشعراء والفنّانين ورجال الأعمال المهرة والوطنيّين وغيرهم، فهل تجسّدت هذه الكفاءاتُ في هذا المجلس المركزيّ العتيد؟! أم أنّه مجلسٌ لا يجمع هذا الطيف المتنوّع من كفاءات الشعب الفلسطيني ولا يعكس إلا إرادةً فتحاويّةً وبعض المحظيين لديها من فصائلَ تابعةٍ أو مجهريّة؟ وهل تجسّدت الديمقراطيّةُ في جلسة المجلس المركزي وأضافت دماء جديدةً - كما يزعمون - على الهيئات؟ أم أنّ كلّ الذي حصل هي عمليّةُ تمكينٍ جديدةٍ لحركة فتح، وإتمام السيطرة على رئاسة المجلس الوطنيّ واللجنة التنفيذيّة والسلطة الفلسطينيّة عبرَ وجوهٍ قديمةٍ مواليةٍ ومعروفةٍ للقاصي والداني من هي...؟
بيانٌ ختاميٌّ ولغةُ غموض...
لم تزل لغةُ الغموض هي الدارجة في خطاب السلطة والمجلس المركزيّ، فمعظمُ القرارات والتوجّهات تحتوي قدرًا كبيرًا من مساحة التأويل والمعنى؛ أي لا تصل إلى درجة الحسم والقطع في المعنى، فالحديثُ عن "إنهاء التزامات (م.ت.ف) والسلطة بالاتفاقات مع دولة الاحتلال (إسرائيل)" كافةً، ينطوي على قدرٍ كبيرٍ من اللعب بالمعنى والإيحاء، حيث لم يُشَرْ إلى اتّفاق أوسلو صراحةً كونه هو الأصلُ لكلّ الاتّفاقات ومصدرها، وإلغاؤه هو الذي يمثّل الأساس في توقّف كلّ الاتفاقيّات. وعليه، فإنّ الإنهاء لا يحمل معنى الإلغاء حيث سبق وأن استعملت عبارة "إننا في حلٍّ من كلّ الاتفاقيّات" ولم تكن كلمةُ في حلٍّ تعني الإلغاء... إنّما التوقّف مؤقّتًا أو الرغبة في عدم التواصل، وهنا أيضًا فإنّ إنهاء الالتزام المشروط والمؤقّت تعني أنّ الاتفاقيّات تبقى قائمةً ومعترفًا بها، لكنّ الالتزام نحوها فلسطينيًّا موقوفٌ مؤقّتًا...! وهنا الفرق بين إنهاء الالتزام والإلغاء المطلق، وتلك هي المداورةُ السياسيّةُ التي تراعي الموقف الإسرائيليّ وترضي الموقف الغربيّ، وترضي المشاعر الفلسطينيّة وتراعي خطّ الرجعة إلى الالتزام بالاتفاقيّات...
وأمّا تعليقُ الاعتراف "بدولة الاحتلال" لا يؤخّر ولا يقدّم في مضمون السلطة وسياستها تجاهَ الكيان، فالتعليقُ أيضًا، لا يعني سحب الاعتراف من جهةٍ بل يعني تأجيل الإعلان من جهةٍ أخرى...! إلى حين الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، فالثابتُ هو الاعتراف، والمتحرّك هو التأجيل، والقول "بدولة الاحتلال" ثمّ إضافة "إسرائيل" على دولة الاحتلال، هو تأكيدٌ بأنّ "إسرائيل" معترفٌ بها دولةً، لكن تعليق الاعتراف بها دولةً تؤجّل حتى ينتهي احتلالها للضفّة والقطاع!
إنّ هذه البدع السياسيّة تنطوي على قدرٍ عالٍ من المناورة والتحايل والدوران واللعب بالعبارات التي تحمل أكثر من معنى، في محاولةٍ لتضليل الرأي العام الفلسطيني وامتصاص مشاعر الرفض لسياسات السلطة ومجلسها المركزي...
وفي سياقِ بندِ إنهاءِ الالتزامات تأتي الفقرة الثانية التي تتعلّق بإنهاء التنسيق الأمنيّ بأشكالهِ المختلفة... ومن حيث المبدأ لا يمكن لوطنيٍّ مخلصٍ أن يعارض هذه العبارة ودلالاتها نحو القطيعة الأمنيّة مع الاحتلال، لكنّ علامة الاستفهام تكبر كلّما تكرّرت هذه العبارة دون أن تلقي أيّ ترجمةٍ عمليّةٍ على الأرض، فالقرارُ كان قد اتّخذ عام 2015 من المجلس المركزيّ قبل سبعةِ سنواتٍ وتكرّر الموقفُ عام 2018، كما تكرّر على لسان الرئيس، وأقطاب السلطة بالصورة والصوت والمحصّلة أنّ التنسيق قد زاد عن السابق وواصله حسين الشيخ بناءً على تطميناتٍ إسرائيليّة...إلخ. والآن يتكرّر قرار وقف التنسيق الأمني، ولم يستطع المجلس المركزي أن يسأل أو يحاسب من عطّل القرار أو من تجاهله. إنّ الواقع يشير إلى أنّ هناك جهاتٍ بالسلطة والمنظّمة وعلى رأسها الرئيس الذي وصف التنسيق الأمني "مقدس – مقدس" لا يريدون ويمانعون في تنفيذ هذا القرار لإدراكهم أنّ السلطة بكلّ مؤسّساتها المدنيّة والأمنيّة وشريان حياتها مرهونةٌ بالتنسيق الأمني، وأن قدرة السلطة على الانفلات من حبل التنسيق الأمني الذي يطبق على رقبتها قدرة محدودة إن لم تكن مستحيلة، إلا إذا تحولت السلطة بكل مؤسّساتها وطواقمها وأجهزتها الأمنيّة إلى سلطةٍ مقاومةٍ ملتحمةٍ مع حراكات الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، بيدَ أنّ هذا عبءٌ لم ولن يحصل، لأنّ هذا التنسيق أيضًا مرهونٌ بخيارها السياسي وقيادة الشعب الفلسطيني نحو المواجهة مع الاحتلال، وهذا ما لا يمكن أن يكون.
ومن المفارقات في البيان الختامي تلك الفقرة التي تتحدّث عن المطالبة بتفعيل القمم العربيّة بشأن القضيّة الفلسطينيّة، وخاصة الالتزام بالمبادرة العربيّة نصًّا وروحًا وتسلسلًا ولا اعتراف ولا تطبيع من قبل الدول العربيّة والإسلاميّة إلّا بعد انتهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلّة وتوفير الدعم الماليّ لموازنة الدولة الفلسطينيّة وتأمين شبكة أمان عربيّة لها... فلا يمكن فهم هذا النص إلا في سياق المراهنة على النظام العربيّ الرسميّ والتعويل على دوره في مساندة القضيّة الفلسطينيّة في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني أنّ النظامَ العربيّ الرسميّ بقمَمِهِ وجامعتِهِ ودوله قد تحوّل إلى كابحٍ لتطلّعاتِ الشعب الفلسطينيّ وحقوقه التاريخيّة في وطنه. فالمبادرةُ العربيّةُ التي اعتمدت عامَ 2002، في مؤتمر قمّة بيروت، التي جوهرها "الأرض مقابل السلام" مضى عليها عشرون عامًا ولم يأبه بها الاحتلال ورفضها في حينه، واليوم تجاوزتها الأحداثُ وتجاوزها النظامُ العربيُّ الرسميُّ، وأقدم على الاعتراف والتطبيع وعقد الاتفاقيّات السياسيّة والأمنيّة العسكريّة والاستخباراتيّة، فما معنى الإشارة لها اليوم وقد تجاوزها الزمن سوى أنّها جملةٌ سياسيّةٌ إنشائيّة، ولكنها تحمل أبعادًا استراتيجيّةً ونفسيّةً ومعنويّةً كمقدمةٍ للتكيّف والقَبول بواقع الكيان، واستمرا التعامل معه وأن الاعتراف به أخذ شرعيّة النظام العربي. ومن الغرابة أيضًا أنّ القيادة الفلسطينيّة المتنفّذة والسلطة اليوم بعلاقتها مع الاحتلال والاعتراف به والتنسيق معه قد تجاوزت المبادرة العربيّة بألف خطوة وخطوة، فلماذا يكون هذا النص سوى صهر المواقف العربيّة والفلسطينيّة معًا للتخلّص من جريمة الاعتراف ولم يتجرّأ البيان في هذه الفقرة أن يدين التطبيع أو الإشارة إلى المطبّعين!
وأمّا الحديثُ عن العلاقة مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة والمجتمع الدولي، التي استطال الحديث عنها، ليست أكثر من حشو البيان بمواقفَ سبق أن قيلت في خطابات الرئيس دون أن تقطع العلاقة مع الولايات المتّحدة طيلةَ الفترة الماضية، وما زال الرهان على الدور الأمريكيّ قائمًا، وأيّ حديثٍ عن أنّ أمريكا فقدت أهليّتها كوسيطٍ راعٍ لعمليّة السلام هو حديثٌ للاستهلاك المحليّ ولا يتّسم بأيّ جديّةٍ وإلا فلماذا كلّ هذه المطالبات من الرئيس بايدن؟! ولماذا التأكيد على المؤتمر الدوليّ والشرعيّة الدوليّة والرباعيّة الأوروبيّة في آن؟!
الجملةُ التي نسفت كلَّ البيان:
وإذا تجاوزنا كلّ الملاحظات على مقرّرات البيان الختامي، وقرأنا الفقرة الأخيرة في ذيل البيان، التي تقول بتكليف اللجنة التنفيذيّة بوضع الآليات التنفيذيّة لتنفيذ القرارات السابقة، وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنيّة العليا...! لاتّضحَ لنا مستوى عدم الجديّة والخداع والتضليل على الرأي العام الفلسطيني. إنّ هذه الفقرة تحيل القرارات المتّخذة إلى مصفاة من اللجنة التنفيذية ومن الرئيس، بوضع الآليّات من جهةٍ وتحديد ما هي القرارات التي تستجيب للمصلحة الوطنيّة العليا...! أي أنّ هذه القرارات بالمجلس المركزيّ ليست للتنفيذ، إنّما استغباء المواطن حين يقرأ البيان الختاميّ، وفقراته الأولى ولا ينتبه إلى الفقرة الأخيرة التي تنسف الجدّية لكلّ القرارات. وقد أكّد رئيس المجلس الوطنيّ المعيّن روحي فتوح عدم هذه الجديّة حين أشار إلى أنّ هذه القرارات سوف تنفّذ بالتدريج، وأنّه يعطي الاحتلالَ فرصةً لشهر أيلول القادم، ليرى إن كان الاحتلال يستجيب أو لا يستجيب... أي أنّ هذه القرارات لن تنفّذ إلا بعد شهر أيلول أو بعد انكشاف الاحتلال إذا صدقت النوايا.. ولا مؤشّر على صدقها.. ولم يمضِ على قرارات المجلس المركزيّ أسبوعان، وقد فاجأ الرئيس محمود عباس الجميع بما فيهم من حضر المجلس المركزيّ من فصائلَ ورموزٍ بقانون أشبه بقانون قراقوش يفضي إلى اعتبار (م.ت.ف) دائرة من دوائر "دولة فلسطين" أي بالمحصّلة دائرة من دوائر السلطة الفلسطينية، وبهذا القانون يتمّ وضع اللبنة الأولى لإسدال الستار على (م.ت.ف) التي يراد لها أن تشطب من المسرح الفلسطيني والعربي والدولي منذ أن وقعت على أوسلو، وهو التوقيعُ الذي أنهى دورها كحركة تحرّرٍ قدّمت في مشوارها آلاف الشهداء والجرحى والأسرى.

