في الثامن من آذار أعتذر لك، لم أرسل وردة هذا العام، ولم أزرك في السرير لأتعبد بثلج الليل، ولم آتيك إلى السجن كي أرفع الغطاء، وأنزع سكين العشيرة المغروس في صدرك بلا خشيةٍ من نهوض الملاك من تحت ثوبك، يفتح أجفانه، ويتغلغل في طهارة الكون.
لم نعد متشابهين يا حبيبتي، كان الذي يمضي يغيرنا، قلبي الذي كان يدق هناك، لا يتجاوب مع قلبك الذي يدق هنا، خطواتك الهادئات على عتبات حياتي ابتعدت إلى السكون، وأنت تطلين من اجتياحات جسدي في الشتاء.
لا أثر للملاك في كلماتي، لا تشيرين إلى العنب المخمر فوق شفتي، لا تتركين منديلك في يدي، لا تهبطين من أعلى وتصرخين: السماء نساء يتجمعن في كل يوم، يقسن المسافة بين الفرح والفرح في زفير الهواء.
قلت هذه امرأة ترضع الوقت والناس من حولها، ترسم الدليل للطريق إلى المستحيل، أراها مكبلة في معتقل المسكوبية، وكل الرجال من ورق، وأراها تقلع الصخر من التراب الأحمر، وكل الرجال يرتحلون من نص إلى نص يبحثون عن جسد، امرأة تتآكل في صمت، فتوى لنشوةٍ بلا الم.
وقلت هذه امرأة الثامن من آذار، فلسطينية الحياة والحياة، تتقاسم الرحيل والبقاء، أتجدد كلما مت في خيالها واحيا، تتوهج حباً وهي تقول لي: خطواتي قيودي، ولكن جسمي فضاء.
أسال الآن عنك، اسمع العشب حولي يئن لأقلامه ودفاتره وأوجاعه ويهمس: هذي طرق غيرت تضاريسها، لغة عبرية وليس عربية، لا أسماء للأنثى في المكان، وهذه مستوطنات وليست حدائق، وهذي دبابات ومعسكرات وحواجز وأعشاب ذابلة، وهذي لستِ أنتِ، ليس جسمك الذي أعرفه بثنياته وتقاطيعه وأقماره وعطره في ذلك المساء.
أين أنتِ، صار جسدك في ثقافتنا وغزلنا الشرقي غثاء وحيض وإناء، رجموك وأكملوا الصلاة بالرحمة والمغفرة، أخذوك إلى الفراش ليقلموا أحلامك المتوهجات في الطين والحجارة والبروق العاصفات، تنهدت في دمك حقول، تنهد قلبي، غنت الفراشات فوق أهدابك، غنت جراحي، وافترقنا.
يا حبيبتي، لقد ولد الأنبياء في فراش النساء، النجوم والآيات تشهد، وولدت أنتِ على شاطئ المتوسط إشارة نور تعرفني، صار همك أن توقظي الأرض من نومها، وصار همك أن تموتي لأحيا، وصار همك أن تكوني الحبيبة والأم والسجينة والقتيلة والرذيلة والطهارة، المنتشية المستورة الناقصة الأضلاع، العورة والضحية الأولى والأخيرة، المستنفرة الشهوات والرغبات في مخاض الرجال...
أين أنتِ؟ اسمعهم ينادوك من خلف الشعارات والخطابات، ولكني لا أراك، تتوارين خلف المسميات والمجازات والبنايات والرموز والبروتوكولات، تكبرين في الألفاظ والعواطف، تتفجرين في الجنازات والأعراس وعلى موائد الأمم، يكتبونك وينشدون لك، يغنون جميعهم باسمك، لكني لا أراك، تتقدمين وتتأخرين وتلبسين أجمل الثياب، تتمايلين على هذا وذاك، كلهم عشاقك، وكلهم زوار جسدك، وكلهم يروون الحكايات، لكني لا أراك.
انتظرتك كثيراً، كان لنا مواعيد في الطفولة، صار لنا مواعيد بعد أن بلغنا سن التفكير والقلق والحسابات العسيرة، لم نعد بسطاء طبيعيين كالماء، تتوارين أكثر كلما اقتربت منك، تخافين وتفزعين وتسالين عن اليقين والبراهين ومكان اللقاء.
قالت: عبثوا بي سنين طويلة، قسموني بينك وبينهم، أنا لك وأنا لهم، وعلي أن أمر عن شفتيك وعن شفاههم، وعلي أن أحرس قلبك وأحرس قلوبهم، أنام معك وأنام معهم، هي مرحلة أو مراحل، جسدي يذوب، رغباتي تضمحل، لا أريدك أن تقترب، ولا أريدك أن تبتعد، هي مراحل، تأخرنا بعد أن حولونا إلى مجرد شهوات للنوم والأكل والوظيفة والولادة والحيض، فرقونا في التنبؤات فوق المرايا الكسيرة.
نزعوا ثيابي، أخذوا مسدسك ووردتك ورائحتك من أرجائي، أطفأوا جنونك القديم من جسدي، هم يشبهونك ولا يشبهونك، هل أنتم واحد، وأنا المحيط الممتد المتعدد بأضلاعي على جفاف ينابيعكم، تمتصون بحري وتلعقون أسرار حياتي؟ من أنتم؟ أقبائل أم مناضلين أم أساطير تكذب على النساء، لا تتركون لهن بيتاً ولا سقفاً ولا جناحاً ولا ذكرى، هل أنتم سجانين أم سجناء؟ اختلط الرجال علي في هذا الليل، كلهم مقنعون يتحدثون بلغات مختلفة، كلهم جميلون شهماء وعظماء ومندفعون حتى مطلع الفجر.
أين أنتِ، في الثامن من آذار لم نعد متشابهين، أنا في رام الله وأنت في البيت أو في سجن الشارون الإسرائيلي للنساء، أنا في المكتب وأنت في السرير، أنا القوام الصارم، وأنت المقتولة بتهمة جريمة شرف، أنا الطفل وأنت النهد يرضعني ويبعدني وينتفض في خوف.
يا امرأة الثامن من آذار، كنتِ جسماً وصرتِ سطراً اختلف الفقهاء عليه في قانون العقوبات، وكنتِ ماءً فرموك ذبيحة مقتولة في ذلك البئر تموت وتشهق، كنت قصائد الشعراء ورشاقة الغزلان وكل اللغات، آلهة القدماء ومعبودة الفرسان، يتفحصون أعضاءك عشبة عشبة ويكتبون، يسافرون ولكنهم لا يعودون إلا بين تقاطع الظلمات.
أين انتِ، لم نعد متشابهين، صوتك ليس صوتي، وطن لا تعاليم أنثوية فيه، لا يعرف الرقص بين عينيها كأغصان الأشجار، وطن يوزعنا ويبعدنا في العراء، أصبح من الصعوبة الآن أن أميز بين اسمي وجسمي أمام هذا الحاجز العسكري، ومن الصعوبة أن أراك ذلك الكوكب الذي يقترب ويخاف مني، ومن الصعوبة أن أتصالح مع ذاكرتي أمام ثقافة الخطيئة والرغبة التي فضحتني.
يا امرأة الثامن من آذار، أخذ العشق يكسر أغلاله، لا ستائر في غرف الجسد، لا أبواب حديدية تحشرنا خلف مفاهيم العيب، تعالي خذيني غضباً يمزج الشمس والأرض والأبجدية والكون، لا تسلمي جسمك هذا اليوم، لا تقعي في فخ الرجال وتصيري وثناً عارياً في النوم.
قالت:
يد القدس أخبرتني
أن أخبئ أوراقها
تحت نهدي
قلقي أن ليل القدس
موثق بحبال النبوات
أتطلع من يأتي قبلي
أو يأتي بعدي

