المراسلات الروسية الأمريكية بعد الأخذ والرد بين موسكو وواشنطن وعدم أخذ واشنطن وحلفائها المخاوف الأمنية الروسية التي وثقت في رسائل دبلوماسية على محمل الجد، وجرى الإعلان عنها إعلاميًا، في سابقة دبلوماسية لم تحصل من قبل، عندما أعلنت الخارجية الروسية عن رسالتها إلى نظيرتها الأمريكية التي تطلب فيها الضمانات القانونية الأمنية بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، التزامًا بالوعود التي أطلقها الوزير جون بيكر، بعدم التمدد شرقًا للرئيس السابق غورباتشوف في مالطا واتفاق 4(+2) 1990 الذي أعاد الوحدة لألمانيا. هذا التعهد الذي خرق وتم التعاطي باستخفاف مع التحذيرات الروسية، بل تم التعامل مع روسيا بدونية أو بالأحرى على طريقة التعامل مع التلميذ المشاكس الذي يتم معاقبته من قبل الأساتذة والمدير.
بالرغم من التحذيرات الروسية إلا أن الغرب والولايات المتحدة، تعاملت بسياسة فجة وغير لائقة بدور روسيا كدولة عظمى، وهذا أدى لأن تنتقل الأزمة الأوكرانية من دبلوماسية الحوار إلى دبلوماسية المدافع، ولم تتعظ واشنطن وحلفائها من الحرب الجورجية عام ٢٠٠٨، عندما فرضت روسيا إرادتها بالحرب، بعد أن فشلت دبلوماسية الحوار.
موسكو أيقنت أن لغة الحوار الدبلوماسي لن تفضي إلى أية نتيجة وأدركت من التجربة السورية والجورجية، أن لغة حوار المدافع الروسية هو السبيل لفرض شروطها، عزز ذلك مشهد الانسحاب الأمريكيّ من أفغانستان الذي أعاد للذاكرة انسحابَهم من فيتنام؛ حيث عدّهُ الكثيرون تَكرارًا هزليًّا للهزيمة الفيتناميّة، هذهِ الهزيمةُ التي تركت آثارًا سلبيّةً عميقةً على حلفاء الولايات المتّحدة وكشفها أمامَ خصومها وأعدائها.
المشهد الآخر كان التدخّل الروسي الناعم في بيلاروسيا لحماية الدولة البيلاروسيّة ونظامها الرئاسيّ، والتدخّل العسكريّ في كازاخستان للقضاء على التمرّد المسلّح الذي كان يهدفُ إلى إسقاطِ الدولة ونظامها.
إذا ما دققنا في هذه المشاهد يتّضحُ للمراقبِ أن هنالكَ تراجعًا في الدور الأمريكي وتقدّمًا في الدور الروسي، هذا التراجعُ لا يعني بالضرورة ضعفًا أمريكيًا، بل يمكن أن يفسَّر على أنّه إعادة تموضعٍ لدورها، واستبدال التدخّل العسكريّ المباشر، باستخدامِ أدواتٍ محليّة بألوانٍ متعدّدةٍ تبعًا لظروفِ المكان والزمان. أمّا تقدّمُ الدور الروسي فهو يتحرّك في إطار إعادة رسم خريطة المصالح الروسيّة، بما يتلاءم مع حجم نفوذه السياسيّ والعسكريّ.
ما جرى في كلٍّ من بيلاروسيا وكازاخستان من أحداث تهدف إلى تغيير نظمها السياسية، كان رسالةً فهمتها موسكو بوضوحٍ على أنّها تهدفُ إلى تضييق الخناق عليها في مشهدٍ يشبه وصولَ القوّاتِ النازية كراسنا بوليانا على مشارف موسكو في الحرب العالميّة الثانية.
التحرّك الروسي سياسيًّا وعسكريًّا يهدفُ إلى إرسالِ تحذيرٍ بأنّ موسكو لن تعد تقبلُ السياسةَ الممنهجةَ لحصارِها عبرَ الحملةِ الإعلاميّة والسياسيّة والعسكريّة التي تضيق الخناق عليها لتهيئة ظروفٍ داخليّةٍ لتقويض النظام الرئاسي فيها، في ذات الوقتٍ تريدُ الإدارةُ الأمريكيّةُ من التصعيد على الجبهة الأوكرانيّة إعادة التماسك السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ بين حلفائها، هذا التماسكُ الذي أضعفته سياسةُ الرئيس السابق ترامب، خاصّةً بما يتعلق بحلف الناتو والازمة الأوكرانيّة حيث اتّهم ترامب في حملته الانتخابيّة ٢٠١٦ و٢٠٢٠ الرئيسَ بايدن وابنه في عمليّاتِ فسادٍ في قطاعي النفط والغاز الأوكراني.
البيت الأبيض يتمنّى أن يقع الكرملين في الفخّ المنصوب له ويهاجم أوكرانيا ليتسنى له وضع الحبل على رقبة الرئيس الروسي ومحاصرة روسيا واتّخاذ خطواتٍ من الممكن أن تؤدّي إلى إخراجها من مجلس الأمن الدولي في السيناريو ذاته الذي أخرجت فيها سوريّة من الجامعة العربيّة، وبذلك تجرّدها من سلاحٍ دبلوماسيٍّ مهمّ، طالما عرقل السياسيات الأمريكيّة وجعلها تتصرّف منفردةً من خارج المؤسّسات الدوليّة. ولكن على ما يبدو من كلمات الرئيس بوتين وتصريحات القادة الروس أنهم اخذوا كافة احتياطات تداعيات العقوبات وقيموا نتيجة اجراءاتهم العسكرية واتخذوا قرارهم الذي سيترك انعكاسات مستقبلية عميقة على العلاقات الدولية وقوانينها.
إعلانُ البيت الأبيض الخيار العسكري الروسي وسحب جنوده ودبلوماسِيّيه من أوكرانيا والتلويح بحزمةِ عقوباتٍ غيرِ مسبوقةٍ ضد موسكو ودفع حلفائه لتحضير حزمةِ عقوباتٍ اقتصاديّة، بالرغم من أنّ موسكو تعلن ليلَ نهار أنّها لن تهاجم أوكرانيا إذا ما أُخِذَت المخاوف الروسية على محمل الجد وأُعطِيَت الضمانات القانونية لعدم انضمام أُوكرانيا الى حلف الناتو.
تصريح الرئيس بوتين بأن هنالك خطوات تقنية عسكرية سيتم اتخاذها في حال عدم التعاطي إيجابيًا مع المخاوف الأمنية الروسية، هذا يعني أن روسيا ذاهبة بعيدًا في فرض شروطها عبر حوار المدافع. ما يعزز ذلك التصريح المتهور للرئيس الأوكراني حول السعي لامتلاك السلاح النووي، مما يعزز المخاوف الامنية الروسية.
السؤالُ الملحُّ الذي يجب أن يسأل: ما جوهر الخلاف الأمريكي الروسي؟
يجب التأكيد أنّ النظامَ السياسيَّ والاقتصاديَّ في روسيا ليسذات النظام السياسي والاقتصادي الذي ساد في الاتّحاد السوفييتي. روسيا اليوم هي من الدول الرأسماليّة الصاعدة التي ورثت عن الاتّحاد السوفييتي فقط مقعده في مجلس الأمن، حيث أعادت بناء قِيَمِها السياسيّة والثقافيّة ونظامها الاقتصاديّ على أسسِ رأسماليّة الدولة. رأسماليّة الدولة الروسيّة تسعى إلى إعادة رسم حدود مصالحها القوميّة في إطار رابطة اتّحاد الدول المستقلّة، التي تضمّ أوكرانيا كأحدِ المؤسّسين لهذا الاتّحاد، حيث أنّها وبعد الانقلاب الذي حدث في أوكرانيا عام ٢٠١٤ بدعمٍ من الدول الغربيّة، الذي نتج عنه ما يعرف بالأزمة الأوكرانيّة بعد إعلان استقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، سارعت روسيا إلى إعادة ضمّ شبه جزيرة القرم عبرَ استفتاءٍ عامٍّ أعادها إلى السيادة الروسيّة في أوّل ردٍّ على الانقلاب المدعوم غربيًّا.
رأت الولاياتُ المتّحدةُ في الخطوة الروسيّة مؤشّرًا على خروج الدور الروسي عن الإطار الذي سعت إلى احتوائه ضمنَ منظومةِ رأس المال التي تقودها الولاياتُ المتّحدة وبدأت بسياسة عزل تدريجية أخرجتها من G8 وبدأت بسياسة العقوبات الاقتصادية مترافقة مع سياسة الاستثمار في المعارضة الروسية المدعومة غربيًا في الداخل الروسي وغيرها من الاتهامات التي طالت روسيا.
إنّ التعارضَ بين الدور الروسي والأمريكي الغربي هو انعكاس لِشكلي دور رأس المال السائد في كلٍّ من الدول الصاعدة، مثل: الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل، الذي يوظف دور رأس المال فيها لصالح الدولة، وبين شكل دور رأس المال في الولايات المتّحدة وبريطانيا وكندا واليابان.. الخ، الذي يوظّف إمكانيّات الدولة لصالح الشركات التي تحتكر رأس المال المالي والصناعي، هذا التعارضُ يجب أن يفهم أنّه تعارض ضمن حركة رأس المال بين الرأسماليّة الصاعدة والرأسماليّة في روسيا والصين الخ وبين إمبريالية الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وأستراليا الخ، التي تريد أن تخضع الدول كافةً ضمنَ شروطِ منظومةِ سيطرةِ أدواتها الماليّة والاقتصاديّة والعسكريّة ومفهوم قيمها الاجتماعيّة المتعارضة مع القيم في المجتمعات الاخرى.
أين مصلحةُ أوكرانيا وشعبها؟
هذا السؤال الذي يجب أن يتمَّ الإجابة عليه من قبل السياسيين الأُوكران بعد أن تبين لهم سقف الموقف الأوروبي والأمريكي وحالة الذعر التي نشرتها تصريحاتِهم السياسية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الأوكراني. إنّ العلاقة التاريخيّة بين الشعوب السلافيّة الشرقيّة التي تتشارك في اللغة والدين والتاريخ والمصالح المشتركة هي الأساس الذي يجب أن يحكم المصالح المشتركة بين الدول، والحوار الذي يستند على احترام هذه الروابط التاريخيّة يحقّق الحلول الناجحة القائمة على احترام الخصوصيّة للمجتمعات.
ما خياراتُ كلٍّ من واشنطن وموسكو؟
الولاياتُ المتّحدةُ وحلفاؤها أعلنت عن سقف ردود فعلها الذي يقتصر على العقوبات التي ستصل الرئيس بوتين شخصيًّا، وقامت بخطواتٍ على الأرض من سحب جنودها ونقل سفارتها والطلب من مواطنيها المغادرة الفوريّة، وأعلنت مرارا أنها لن تدخل حربًا مع روسيا بسبب أوكرانيا حتى لو تدخلت روسيا عسكريًا لفرض إيقاع سياساتها على ما يبدو ان السياسيين الاوكران لم يفهموا هذه الرسائل الأمريكية بالشكل المطلوب. فموسكو لديها خياراتٌ عديدةٌ للضغط من أجل تحقيق متطلباتها الأمنيّة التي طالما أعلنت عنها، أهمُّها الالتزامُ بعدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو وعدم تمدّده شرقًا، هذه الخيارات تبدأ في الاعتراف باستقلال دونيتسك ولوغانسك الجمهوريّتين الشعبيّتين التي يعيش فيها نحو ٧٠٠ ألف مواطن يحملون الجنسيّة الروسيّة، وهذا الاعترافُ سيكون مدخلًا شرعيًّا لحمايتهما في حال تعرّضوا لأيّ اعتداءٍ خارجيّ.
تصعيدُ الخيار العسكريّ سيكونُ محدودًا على الجبهة الأوكرانيّة الداخليّة بين القوّات الأوكرانيّة ومعارضيها ومن خلفهما حلفاء الفريقين اللذين يحرصان على عدم تمدّد الحرب إلى خارج الحدود الأوكرانيّة، وهذه الحالة تذكر بأزمة جورجيا ٢٠٠٨ وإقليم كوسوفو الذي أعلن استقلالًا من جانبٍ واحدٍ مدعومًا من قبل واشنطن والاتّحاد الأوروبي، وواجه معارضةً صربيّةً مدعومةً من موسكو.
خطاب الرئيس بوتين الذي شرح فيه التنازلات التي قدمها فلاديمير إليتش لينين للقوميين الأوكران هو بالجوهر تقويض الأساس القانوني للدولة الأوكرانية الحديثة، ويشير لإمكانية سحب اعتراف روسيا بها كدولة مستقلة وإلحاقها بالدولة الروسية، وهذا يعد تراجعًا عن اتفاقية مالطا التي وقعها الرئيس السابق غورباتشوف.
نتيجةَ الصراع والحرب على أوكرانيا سيتحدد مستقبل العلاقات الدولية، وخاصة بين روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تريد من الأزمة سببًا لِتُبقي حالةً من التوتر والصراع والخوف الدائم لدى دول الاتحاد الأوروبي من النفوذ الروسي في جانبيه السياسي والاقتصادي ومدخلًا لفرض عقوباتٍ اقتصاديّةٍ جديدةٍ على موسكو.
الخطوات الروسية ستشجع الصين على حسم خلافاتها مع واشنطن حول تايوان، ومن الممكن أن تلجأ للسيناريو الروسي في أوكرانيا. فلقد أثبتت الازمة الاوكرانية ضعف النظام القانوني الدولي الذي قوضته الولايات المتحدة وعملت من خارجه على غزو أفغانستان و العراق ودعمها الدائم للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري.

