في دروب هذه الحياة تشق مليارات من النساء طرقهن، مثقلات بقيود عالم صمم ليخدم الذكور الذين قادوه لشكله الحالي، أي لواحدة من أسوأ النسخ التي كان من الممكن تخيلها للعالم، حيث تهيمن الصراعات والوحشية والنهب والطمع والسعي للسيطرة والإخضاع.
إن التصميم على بناء علاقات غير متساوية بين الرجال والنساء يمثل محركا أساسيا في تنميط العلاقات البشرية على هذا النحو، فعمليات التمييز وتحديد الأدوار بناء على تصور لشكل هرمي للعلاقات بين البشر تبدأ منذ لحظة الولادة، ويقع ضمنها على كل امرأة ما يلحق بأي رجل ضمن شريحتها الاجتماعية الاقتصادية والعرقية، يضاف لذلك تمييز رجال هذه الشريحة ضدها وأيضًا التمييز الاجتماعي وعلاقات الاستغلال التي تتسلط على المرأة الفقيرة، وأغلبية نساء هذا الكوكب يقعن ضمن الشرائح الأكثر فقرًا في مجتمعاتهن، بل ويلحقه شكل آخر من أشكال التمييز؛ فضمن البنى المتمردة الساعية للتحرر من علاقات الاستغلال أيضًا توضع للمرأة أدوار ملحقة وتابعة؛ تلحق بها حيف كبير، وتحد من أدوارها في المسعى التحرري.
ان المستهجن في الحالة الفلسطينية، حيث يسعى شعب للتحرر والتخلص من علاقات الهيمنة والقوة التي صنعت نكبته ومعاناته، يستمر الرهان على ذات المنظومة النظرية والقيمية التي تؤبد علاقات القوة والهيمنة داخل هذا المجتمع، والتي تشكل معيقاً لتنظيم المجتمع بشكل تشاركي وعادل ومساوٍ بين الأفراد، بما يمكنه من تفعيل تناقضه مع المشروع الاستعماري القائم على الاستعباد والاستغلال والتمييز والقهر والتسلط، وفي هذا السياق ورغم انخراط المرأة الفلسطينية في النضال الوطني وفي حالة التمرد ضد المستعمر، ودفعها أثمان باهظة ومضاعفة ضمن هذا النضال، يتم تصوير نضالها النسوي من أجل الشراكة والعدالة والمساواة كما لو كان تفعيل لمسار يتعارض مع مسار النضال لأجل التحرر الوطني او معيق له.
إن كبح قدرات النساء وقمعهن بأي شكل من الأشكال، محض خدمة صافية وتماهٍ مع منطلقات المستعمرين، وليس تلك المنطلقات التي تبني حركة تحرر وطني فاعلة وقادرة على مواجهة المستعمر؛ فالظلم المجتمعي الملقى على عاتق الأسيرة والجريحة والمناضلة، والأم والأخت والزوجة، يعني استبطان مجتمعنا لقبول ضمني بالهيمنة لمن هو أكثر قوة، ذلك من الجانب النظري، حيث تفترض العقلية والممارسة الاستعمارية هيكل يتربع على رأسه الرجل الأبيض الغربي الرأسمالي، ودونه تقع طبقات البشر الذين يفترض ان يخضعوا له ولهيمنته. وفي جانبه العملي يمثل تقويض قدرة نصف المجتمع واحتجازه في دائرة من الاستغلال والاضعاف والتقييد لدوره الإنتاجي أو النضالي، وإذا كان إبراز نماذج من نضال المرأة الفلسطينية ورموز هذا النضال يمثل شكل من أشكال الوفاء للنسوة اللواتي اجترحن البطولات في مواجهة المحتل، فإنه يتخذ منحى تغطية حقيقة واقع المرأة في مجتمعنا، حيث ما زالت تعاني من أجل التحرر الاجتماعي والوطني.
في الثامن من آذار وفي كل يوم ولحظة، تقتل وتعنف النساء في فلسطين وحول العالم ويميز ضدهن، ليس بيد المستعمر وحده، إن وقف هذا العسف والاستغلال والنضال لأجل علاقات بينية متساوية داخل مجتمعنا هو مسؤولية كل المناضلين من رجال ونساء، وجزء أساسي من كفاحنا الوطني للتحرر الجمعي من الغزو الاستعماري، وليس مجرد "مسار موازي" أو "مسار لا يتعارض"، فتحرير المرأة الفلسطينية، تحرير كل إنسان فلسطيني هو جزء من معركة تحرير فلسطين وتحرير الإنسان، وما التنصل من هذه المهمة الانسانية والوطنية أو محاولة الالتفاف عليها أو عزل النضال النسوي عن جوهره كنضال مناهض للاستعمار إلا انحياز للجلاد ومخزاة لمن يمارسه.

